من أخطر العلاقات حساسيةً: علاقة العبد بربّه، وهي ما تحتاج إلى مراقبةٍ دقيقةٍ في السلوك الدائم اتجاه الله والكون والإنسان.

ولا تخلو حياةُ أحدٍ من التورّط في المعصية، وما يخدش العلاقة الإلهية المقدّسة، مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلّم: ” كلُّ بني آدم خطّاءٌ..“.

وكثيرٌ مِن النّاس مَن يقنط من رحمة الله تعالى نتيجةَ التلبّس بالكبائر خوفا منها، وكثيرٌ من الناس مَن يتجرّأ على التورّط في الصغائر استهانةً بها.

وتقسيم الذّنوب إلى: الصغائر والكبائر هو ما يدفع إلى هذا “القنوط” أو هذه “الجرأة”، وأساس التأصيل لهذا التقسيم هو قوله تعالى: “إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفّر عنكم سيّئاتكم..“(النساء:31).

والكبيرة هي كلّ معصيةٍ متوعّدٌ على صاحبها بعقوبةٍ دنيوية (إقامة الحدّ)، أو متوعّدٌ عليه بعقوبةٍ أخرويةٍ مثل: عقوق الوالدين وقتل النّفس والزّنا والرّبا .. وغيرها، بحسب  خطورتها وآثارها المتعدّية في الحياة البشرية..

ولكنّه عند التدقيق والتحقيق نجد بأنّ هذه القاعدةَ في التقسيم تنسحب فقط على حقوق العباد فيما بينهم، أما في حقّ الله تعالى فالذنوب كلُّها في درجة واحدةٍ من الخطورة، وهي غير مرتبطةٍ بحجم المعصية بقدر ما هي مرتبطةٌ بِعِظم مَن عصيت، وهو الله تعالى بجلاله وجماله وكماله..

والدّليل على أنّ جميع الذنوب في حقّ الله متساوية قولُه تعالى – وبدون تمييزٍ – : “ ولو يُؤاخذ اللهُ النّاسَ بما كسبوا ما ترك على ظهرها مِن دابّة..“(فاطر: 45)..

وعلماء التزكية يتحسّسون تغيّر مفهوم “الصّغيرة” و”الكبيرة” بحسب درجة الورع في القلوب، ومدى الأحاسيس المرهفة في حركة الفؤاد اتجاه الرّبّ عزّ وجل خشيةً وتعظيما، وذلك مصداقا لقول أبي سعيد الخذري رضي الله عنه – فيما رواه الإمام أحمد في مسنده – : “إنّكم لتعملون أعمالا هي أدقّ في أعينكم من الشّعر كُنّا نعدّها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم من الموبقات..”.

إنّه لا مفرّ للعبد من التورّط يوميا فيما يكدّر صفاء العلاقة العلوية مع الله تعالى بالتلوّث بالكبائر أو الصغائر، والسبيل إلى معالجة ذلك، وبدون الجرأة على الصغائر أو القنوط من رحمة الله تعالى بسبب الكبائر هو:

_ اليقظة اليومية والاجتهاد الدائم والحرص بحرارةٍ على حقيقة الامتثال والالتزام بالأوامر الإلهية وتجنّب النواهي الرّبانية، وقد علم الله تعالى ضَعْف الإنسان في الاستجابة المثالية في ذلك، فلا يسع العبد إلا التّوجّه الصادق بقوله: لا حول لنا للقيام بالطاعة ولا قوّة لنا على اجتناب المعاصي إلا بك يا الله، وهو ما نردّده يوميا في قوله تعالى: “إيّاك نعبد وإيّاك نستعين“(الفاتحة: 5)، في إشارةٍ واضحةٍ إلى افتقار العبد إلى عوْن الله تعالى في عبادته.

وقد أُجْمِلت الكتب السماوية في “القرآن الكريم” ، وأُجْمِل القرآن الكريم في “الفاتحة”، وقد أُجْمِلت “الفاتحة” في هاتين الكلمتين، ولها من الأسرار الإلهية ما يعبّر بها العبد عن حالة الافتقار والحاجة إليه سبحانه ما يستحقّ بها اللّطف والنّجاة من الضياع.

_ أمّا إذا تلبّس بأيّ ذنبٍ – مهما كان من الصغائر أو الكبائر – فلا يسعه إلا الاحتماء برحمته الواسعة، معترفا بخطئه ومقرًّا بمعصيته ونادما على فعلته وموقِنًا في عفوه وراجيا لمغفرته غير مُصِرٍّ على جُرمه، يتيه في أجواء الكرم الإلهي، وهو يردّد قوله سبحانه: “والذين إذا فعلوا فاحشةً (كبيرة) أو ظلموا أنفسهم (صغيرة) ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم، ومن يغفر الذنوب إلا الله، ولم يصرّوا على ما فعلوا وهم يعلمون“(آل عمران: 135).

إنّها القاعدة التربوية التي نتلمّسها: بأنّه لا تصمد الكبيرة أمام الإستغفار، وأنّه لا اغترار بالصغيرة مع الإصرار، وقد قال رجلٌ لابن عباس رضي الله عنهما: الكبائر سبعٌ؟ فقال: هي إلى السبعمائة أقرب، غير أنّه لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار.”..

وقد قيل: ” المذنِب إذا تاب عن الذّنب صار حالُه كحال مَن لم يذنب قط في استحقاق المنزلة والكرامة عند الله.” .

وصدق ابن عطاء الله السكندري – عليه رحمة الله – أيضا عندما قال: ” لا صغيرة إذا قابلك عدله، ولا كبيرة إذا قابلك فضله.”.

وهو ما يعني أنّ الصغيرة في حقّ الله تعالى كبيرةٌ مقارنةً مع عِظم نعمه وآلائه، وهو إنْ عاملك بعدله فما ظلمك فلا تغترّ، وأنّ الكبيرة مهما كانت جريرتها وخطورتها فالسبيل الوحيد إليها هو: النّدم والتوبة والرّجاء المطلق في رحمة الله تعالى، فإنْ عاملك بفضله فلا تقنط.

إنّه نداء الشاعر الذي يحذّر من خطورة تقسيم الذنوب إلى: صغائر وكبائر، والوقوع في حبائل الشيطان التي يهوّن بها من خطورة الإصرار على الصغائر والجرأة عليها فيقول:

خلّ الذنوبَ صــــــغيرَها  °°°  وكبيرَها ذاك التّقى.

واصنع كَمَاشٍ فوق أرض °°° الشّوك يحذر ما يرى.

لا تحقِرنّ صــــــــــغيرةً  °°°  إنّ الجبال من الحصا.

تعليق