تزور الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلّم فيجهر في أُذنك بقوله: .. يُبتلى المرء على قدْر دينه، فإن كان في دينه صلابةٌ زِيد له في الابتلاء، ولا يزال البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة.، فتشعر بالطمأنينة بأنّ أمرَ المؤمن كلّه خير، إن أصابته سرّاء شَكر، وإن أصابته ضرّاء صبر، ولا يكون ذلك إلا للمؤمن..

وأجزم أن هذا الحديث ينطبق تماما على قصة “الأخ جعفر“، فقدَرُه أن يعيش في بيئةٍ معاديةٍ له، كأحد صنّاع قصص النجاح في الجزائر، وهو الذي عاش حياته في كفاحٍ مريرٍ، وفي تضحيةٍ نادرةٍ، وفي صبرٍ أسطوري، وفي تحمّلٍ للمخاطر تنوءُ بحملها الجبال، كضريبةٍ للإنتماء وثمنٍ للولاء ومهرٍ للوفاء لهذه الحركة..

رجلٌ مكافحٌ، ورمزٌ محتسبٌ، وأيقونةٌ ثابتة، لو فتّشوا في معادن الرّجال لوجدوه من أرقى وأسمى المعادن..

فما الذي وقع حتى يَتَنادوا عليه، ويُعيدوا سيرةَ قصةٍ في الزّمن الغابر، لينتمي بها إلى تلك السّلسلة الذّهبية من أشدّ النّاس بلاءً: ثمّ بَدَا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليَسْجُنُنّه حتى حين.(يوسف:35)؟.

الأخ جعفر” من الرّجال القلائل الذين بَنُوا تجارتهم ونَمُّوا استثماراتهم من عرق جبينهم، وليس من “خزائن البنوك”، وهو يمارس تجارته ويدير أعماله مُذْ كان شابًّا في الثمانينات..

جعفر شلّي” من القلائل الذي يتمتعون بجرأةٍ نادرة في مواجهة إمبراطوريات الفساد في البلاد، منافحا ومكافحا من أجل الجزائر، بين “تطرّف الإرهاب” و”جنون السّلطة”، وهو الذي تعرّض لمحاولات تكسيره ومراوضات تركيعه منذ سنوات، وكانت آخرتها “غلق قناة الوطن” لأسبابٍ تافهةٍ، في تعاملٍ تمييزيٍّ وغير دستوريٍّ بين القنوات ورجال الأعمال، مما اضطرّه – وفي آخر حياته – أن يهاجر بعائلته خارج الوطن بمرارةٍ قاسية، ولسانُ حاله يقول: والله إنّك لأحبُّ البلاد إليّ، ولولا أنّ قومك أخرجوني منك ما خرجت...

فلماذا يقبع الآن في السّجن؟ ولماذا يُحكم عليه بـ: 06 أشهرٍ نافذة؟ وهل سجنه لقضيةٍ تجاريةٍ بحتةٍ؟ أم تحرّكها خلفياتٌ سياسية صارخة؟ وهو الذي تلقّى تهديداتٍ متكرّرة.

التّهمة هي: “استعمال المزوّر”، وقصّتها أنه اشترى أرضا، ودفَع جزءً من المال للوسيط، وحرّر العامل بشركته ورقةً لإثبات ذلك، وأنكر هذا “الوسيط” – فيما بعد – هذا المبلغ وهذه الورقة.

رفع هذا الوسيط قضيةً ضدّ هذا العامل وضدّ “الأخ جعفر” بتهمة التزوير، وحُكم على العامل بـ:06 أشهر غير نافذة، وعلى “الأخ جعفر” بالبراءة، والقضية لا تزال إلى الآن في الاستئناف، ولم يصدُر فيها حكمٌ نهائيٌّ.

أراد “مُلّاك الأرض” التّنصل من هذا البيع (لأنّهم وجدوا مَن يدفع أكثر)، ورفعوا دعوةً قضائية لإبطال البيع، وربحهم “الأخ جعفر” في ذلك، ليرفع بهم دعوة قضائية أخرى لإجبارهم على إتمام إجراءات البيع، ووضع “محاميه” تلك الوثيقة في الملف، فما كان من ذلك الوسيط (وهو محامي أيضا) إلا استغلالها ودفع البائعين (وهم ورثة) لرفع دعوةٍ قضائية أخرى به بتهمة “استعمال المزوّر”؟؟.

رُفعت الدعوى القضائية بالأخ جعفر وهو في الخارج، ووجّهوا له استدعاءاتِ التحقيق بعناوين غير دقيقة، ولمّا رجع بقي أكثر من: 10 أيام، ولكنه تفاجأ عند محاولة مغادرته للوطن بمذكرة التوقيف بالمطار، وهي صادرةٌ يوما واحدا فقط قبل ذلك؟؟؟ وهو ما يعني إيداعه “الحبس”، لأنّ إجراءات التحقيق وجدولة القضية في المحكمة قد تمّت في غيابه؟؟.

1/ رجلٌ بحجم “الأخ جعفر“: بتاريخه وتجاراته واستثماراته ونشاطاته وكلّ تحرّكاته في الداخل والخارج لم يجدوا له إلا هذه القضية التافهة، إنه لمَلاكٌ كريم، وقد قال الشاعر:

ومَن ذا الذي تُرضى سجاياه كلُّها   ***   كفى المرء نُبلاً أن تُعدّ معايبُه.

والواضح أنّها محاولةٌ لتقزيمه وتشويهه باستهدافٍ مركّز، قد أُحبِكت خيوطُها حتى لا تكون قضيتُه قضيةَ رأيٍّ عامٍ، فلا يصنعوا منه “بطلا” أو”زعيما” كبيرا.

2/ “الأخ جعفر” ليست له علاقة بهذه الوثيقة (وقد أخذ حُكما بالبراءة فيها)، وليس هو مَن وضعها في الملف، وقضيتُها لا تزال في “الاستئناف” ولم يصدر حُكمٌ نهائيّ فيها، والمحامي تحدّى الجميع بعدم وجود أيِّ سندٍ قانونيٍّ يمنع من ذلك، فكيف يتّهمونه “باستعمال المزوّر”؟ فما لكم كيف تحكمون؟ أم لكم كتابٌ فيه تدرسون؟“(القلم:36،37).

3/ هل تستحقّ هذه القضية كلّ هذا الاستعجال والهجوم والشّراسة والحكم بهذه السّرعة والقسوة؟ ثم يأتي مَن يساومه مباشرةً على التنازل عن تلك “الأرض”؟ فكلّ مَن يسمع بها من أهل الاختصاص يعتبرها “قضيةً تافهة”، وأن الحكم عليه له دوافعٌ أخرى.

4/ إنّنا لا ندّعي لأخينا جعفر العصمة، فـ: ” كلّ بني آدم خطّاءٌ ..”، ولكنّه بريءٌ – حقيقةً – من هذه التّهمة، وهو مظلومٌ مثل العديد من “الإطارات” الجزائرية المظلومة، وهو لا علاقة له بصراع الأجنحة داخل السّلطة، فأين هم “ملائكة الدولة المدنية”؟ وأين هم عرّابوا تبرئة رموز الفساد قبل أن تبرّهم “العدالة الجزائرية”؟؟، أليس “الأخ جعفر” أولى بالدفاع عنه؟ أم أنّه لا بواكي له؟ وأنّه لا أمل لتحقيق طموحاتهم الشخصية بالوقوف معه؟ والغريب أنّه هناك: مَن يخذله ويتّهم غيره بخذلانه؟.

5/ يعلم الله أنّ قيادة الحركة وقفت مع “الأخ جعفر” منذ اللّحظة الأولى عند توقيفه بالمطار ليلا، ولا تزال تدافع عنه – سرًّا وعلانية – وهي تتابع القضية (لحظةً بلحظة) بالتنسيق معه ومع عائلته ومحاميه، وبذلت في كلّ ذلك: المساعي الممكنة مع جميع الجهات وعلى كافة المستويات، “وليس كلُّ ما يُعلم يُقال”، ولكنّ الواضح أن القضية تحرّكها إرادةٌ انتقاميةٌ عليا.

6/ أعطينا الفرصة لتأخذ القضية مجراها القانوني والقضائي، وكلّ آمالنا في عدالة القضية وبراءة الرّجل واحترام القضاء، ولكنّ الحُكم كان قاسيا وصادما، فلا يلومُنا أحدٌ الآن: لا بالتأخّر ولا بالتدخل..

7/ ما تعرّض له “الأخ جعفر” في العديد من المحطات المؤلمة، ومنذ زمن الشيخ محفوظ نحناح – عليه رحمة الله، (والتاريخ يحتفظ بذاكرة مَن دافع عنه في ذلك الوقت)، وما يتعرّض له الآن يدخل في إطار التضييق على الحريات والمساس بحقوق الإنسان، وهو مظهرٌ من مظاهر الانتقام على خلفية الرأي والمواقف السياسية، وقصّته مثل العديد من القصص المشابهة، لتكسير كلّ معارضٍ لترتيبات المرحلة القادمة، بعيدا عن الديمقراطية والإرادة الشّعبية.

8 / الأهمّ في القضية الآن هو: معرفة الرّأي العام لحقيقتها، ويقين الشرفاء ببراءة “الأخ جعفر“، وأنّ رأسَ مالِه هو سمعتُه وكرامتُه وإعادةُ الاعتبار له، وهو يطالب – حتى – بالخبرة الدولية، أمّا “السّجون” فلا يهابُها الرّجال، ولسانُ حاله يقول للجميع ما قاله شاعرُنا:

يا سائلي عن قصّتي اسمع إنها *** قصصٌ من الأهوال ذات شجون.
أمسك بقلبك أن يطير مفزعاً *** وتولّ عن دنياك حتى حين.
فالهول عاتٍ والحقائق مرّةٌ *** تسمو على التصوير والتبيين.

ثم يهمس في أُذُن الظالم، ويقول:

تا لله ما الطغيانُ يهزم دعوةً *** يوماً وفي التاريخ برُّ يميني.
ضع في يديّ القيد ألهب أضلعي *** بالسّوط ضع عنقي على السكّين.
لن تستطيع حصار فكري ساعةً *** أو نزع إيماني ونورَ يقيني.

تعليق