سعدت كثيرا وأنا أستمع إلى خطاب الشيخ راشد الغنوشي عن مواقفه الصارمة من الإرهاب والتشدد وعن أولوية الوطن في عمله السياسي وعن أهمية التنازل والتوافق، و عن دور المرأة والشباب، وعن توجههم المستقبلي بخصوص التمييز الوظيفي والفصل التخصصي بين الدعوي والحزبي، وعن دور المجتمع المدني في الاضطلاع بالوظائف الدعوية والثقافية والاجتماعية، و عن دور الأحزاب في تحقيق التنمية في مختلف القطاعات والاهتمام بالاقتصاد وإعطائه الأولوية في العمل الحزبي. وحينما سمعت إلى كل هذا قلت الحمد لله على سبق الحركة في السابق و استمرارها في الحاضر في كل هذا، وحمدت الله أكثر أن كثيرا ممن كان يلومنا وبعضهم يعادينا عن هذا الفكر منذ التسعينيات أصبح يتبناه ويبدع فيه، أو يؤيده ويسنده كما هو حال أغلب قادة حركة النهضة التونسية في التسعينيات، وكما هو حال الكثيرين من ضيوف حركة النهضة في مؤتمرها العاشر هذا. وبهذه المناسبة أردت أن أذكّر بمساهتنا في هذه الدروب كلها، وفاء للشيخ محفوظ نحناح الذي كان يكافح من أجل هذا التطوير بلا ظهير، وفي أجواء كيد عظيم، وكذلك تثمينا لما نقوم به في حركتنا مما لم يصبح مجرد أفكار يتجادل حولها الناس بل أصبح خططا ومشاريع تشتغل عليها فرق عمل في مختلف التخصصات. – لقد كنا من السابقين بفضل الله، من حيث صرامة الموقف والتضحية من أجله، في الانتباه إلى خطورة التطرف باسم الإسلام ومحاربة الإرهاب واعتباره أداة في أيادي الظالمين والمستبدين وأعداء الأمة والدين.

– لقد ساهمنا في وقت مبكر ولا زلنا، من حيث التنظير والفعل والمأسسة، في إذابة الجليد بين مختلف التيارات والأيديولوجيات، والتحرك ضمن القواسم المشتركة لصالح الحريات والديموقراطية والمصلحة الوطنية.

– لم يتنازل أحد مثلنا عن حقوقه الحزبية المغصوبة، ولم يغامر حزب بشعبيته وصفه الداخلي لمصلحة الوطن واستقراره ووحدته مثل ما فعلت حركتنا، في سبيل الله دون طلب جزاء ولا شكور من الناس.

– إن سبقنا لا جدال فيه في العمل الشبابي وتأهيلهم وتحميلهم المسؤولية، ونحن الآن من المبدعين في هذا المجال، من حيث التنظير والتنويع والمأسسة والزخم المشهود، ومن حيث الإشادة بما نقوم به من أكبر وأجل أهل هذا الاختصاص في العالم الإسلامي.

– حرصنا على بناء مجتمع مدني مفيد في بلادنا قديم، وخبرتنا اليوم كبيرة في تحويل العديد من الاختصاصات إلى المجتمع المدني وتشجيعه وتطويره ليحمل عنا تكاليف رسالية لم تصبح الأحزاب قادرة على حملها، وذلك منذ شبكة العمل الجمعوي في عهد الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله إلى ما نحن عليه اليوم من تطور محمود يعرفه من يعرفنا وينصفنا.

– اهتمامنا السابق بفكرة التمييز الوظيفي والفصل التخصصي يشهد به كثير من قادة العمل الإسلامي المنصفين، منذ عقد ونصف من الزمن تقريبا، ببحوث مكتوبة نشرت في حينها، وعرضت على العديد من قادة التيار الإسلامي في وقتها. ولحداثة الفكرة اتهمنا بعضهم يومها بالعلمانية (ونحن ممن يحارب العلمانية بسلاحها ولغاتها, وفي معاقلها).

– حديثنا في تعميق التنظير لهذه الفكرة وفي وضع أسسها العملية يشهد به كتاب” البيت الحمسي: مسارات التجديد الوظيفي في العمل الإسلامي” الذي وزعناه في المؤتمر الخامس للحركة، ويؤكده ما أنجزناه في هذا المؤتمر من نصوص ولوائح تحقّق حولها الإجماع، ثم طورت إلى خطة خمسية، ثم إلى مشاريع عملية، ثم إلى مستهدفات وبرامج سنوية، ونحن الآن ننفذ فكرة التمييز الوظيفي بأريحية تامة وبفاعلية بادية وبنتائج نأمل أن تكون ثابتة عامرة بفضل الله ومنّه، لصالح الوطن والأمة.

– أما عن اهتمامنا بالاقتصاد فيدل عليه خطابنا منذ المؤتمر الخامس، بل نحن الآن بحمد الله قد تجاوزنا القناعة والخطاب إلى تطوير مؤسساتنا الدراسية في هذا الشأن، وبناء مؤسسات قطاعية تفصّل الأفكار وتبني البرامج والبدائل، يشتغل فيها عدد من الإطارات لم نكن ندري قبل هذا التوجه كيف نجعلهم، بعلمهم وخبراتهم، نافعين لبلدهم. أما الخصوصية السياسية، بين الحكومة والمعارضة في علاقتنا بحركة النهضة فسأفاجئم بالأمر في مقال مقبل بحول الله.

تعليق