هي الحكمة التي شُرّع من أجلها الصّيام: “.. لعلّكم تتقون(البقرة:183)، وهي ملَكَة التقوى، سرّ الصّيام وروحه، إذ يرفعها السّياق القرآني هدفًا وَضِيئًا تستيقظ لها القلوب وتتّجه إليها النّفوس، وهي فائدته الرّوحية بالصّبغة التعبّدية لذاتها، ومحلّ هذه الثمرة هو: القلب، كما قال صلى الله عليه وسلّم: “..التّقوى ها هنا.. (ويشير إلى صدره ثلاثا)..                                                                                                                                            وإذا كان للبدن سيرٌ، فإنّ السير التعبّدي الحقيقي هو سيرُ القلب إلى الرّب، وهو المقصود من تحمّل الجسد لأعباء التكاليف الشرعية، فالعبادة الظّاهرة بالجوارح هي وعاءٌ للعبودية الباطنة بالقلب، كما قال تعالى: “وما أُمِروا إلا ليعبدوا الله (وهي العبادة بالشّكل والمظهر)، مخلصين له الدّين (وهي العبودية بالسّرّ والجوهر)..“(البيّنة:05)، ولا قيمة لصيام الجسد عن شهوتي البطن والفرْج ما لم يتحرّك القلبُ إليه، ابتداءً من تبييت النّية كما جاء الحديث الشّريف: مَنْ لم يبيّت الصّيام قبل الفجر فلا صيام له، إلى هيْمنة الصيام على المشاعر القلبية المرافِقة لهذه الحالة النّفسية بخضوع القلب واستسلامه للإرادة الإلهية، والشعور بمراقبته وحضوره، وهي الحركة القلبية التي يريدها الله تعالى من عباده، إذْ هو محلّ النّظر الإلهي للعبد، كما قال صلى الله عليه وسلّم: إنّ الله لا ينظر إلى صوركم وأجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم“.     

فكم يشقى الجسد بالحركة الظاهرة في ممارسة التعبّد لله تعالى، ولكنْ هناك مَن تطير قلُوبُهم شوْقًا لله، وابتغاءً لمرضاته ورجاءً في ثوابه، عندما يعجز الجسد عمّا يستطيعه القلب فيحصل المقصود..

وانظر إلى أؤلئك الذين اقعدَهم العُذْرُ بالحركة الظاهرة بالجسد للجهاد في غزوة تبوك سنة: 09 للهجرة، ولكنّ قلوبَهم كانت أسرع في القيام بالواجب والحصول على الأجر ولو كانوا على فُرُشِهم في المدينة المنوّرة، فقال صلى الله عليه وسلّم: إنّ بالمدينة لرجالا، ما سِرتم مسيرا ولا قطعتم واديًّا إلا كانوا معكم، حبِسهم العُذر..“، وفي روايةِ: إلا شَرِكوكم في الأجر“.                                                                                                  وكأنّ العبدَ ينتقل من حالة الإيمان بالتصوّر العقلي إلى حالة الإيمان القلبي بالتذوّق الوجْداني، فيتَمَاهَى مع حالة الشعور القلبي والاستغراق الرّوحي، وهو يخرق حُجُب الزمان والمكان في السير الحقيقي إلى الله تعالى بالقلب، فيستسلم أمام التكليف الإلهي بمشقةِ مخالفة النّفس، وحرمان الجسد من الحلال بما يقوى به في الامتناع عن الحرام، ما يجعله يتلذّذ بالطّاعة ويتذوّق حلاوة الإيمان.

وقد قسّم علماءُ التربية الرّوحية الصّومَ إلى: 03 مراتب:

1_ صيام العامّة: وهو الصّيام عن المفطرات الماديّة، وهي: شهوتي البطن والفرْج، وهو شكلُ الصيام وظاهره، وهو ميدانُ الاختبار في الامتثال بالكفّ عن الحلال، وهو ليس مقصودا لذاته بتعذيب الجسد بالجوع والعطش، بل هو تشبّهٌ بالله تعالى والملائكة في العالم العلوي المقدّس، وقد تنزّهوا عن الأكل والشّرب والشّهوة، وهو دورةٌ تدريبيةٌ ربّانية للكفّ عن الحرام خلال شهرٍ كامل، للوصول إلى شفافية الرّوح وصفاء الذّهن.

يقول “أبو سليمان الدّاراني – عليه رحمة الله: “إنْ جاعت النّفس وعطِشت: صفا القلب ورَقَّ، وإذا شبِعت ورَوِيت عَمِيّ”، وهو الترْكُ الذي يكون باعثه: “ابتغاءُ وجه الله تعالى”، فيكون الجزاءُ ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم: “إنّك لنْ تدَعَ شيئًا اتِّقاءً لله إلا أتاك الله خيرًا منه.”..

2_ صيام الخاصّة: وهو صيام الجوارح عن المفطرات الحسيّة، وهي: ظاهرُ الإثم ومعاصي الجوراح من الذنوب الظّاهرة، والتي لا يكاد يسلِم منها أحد، كمعاصي: العيْن بالنّظر، واللّسان بالكلام، واليد بالظّلم، والرِّجْل بالمشي في الحرام، كما قال صلى الله عليه وسلّم: ” كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظُّهُ مِنَ الزِّنَا: الْعَيْنُ تَزْنِي وَزِنَاهَا النَّظَرُ، وَالْفَمُ يَزْنِي وَزِنَاهُ التَّقْبِيلُ، وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا اللَّمْسُ، وَالرِّجْلُ تَزْنِي وَزِنَاهَا الْمَشْيُ، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ الْفَرْجُ”، وخاصة في زماننا هذا، زمنُ الثورة الإعلامية والإلكترونية: الفتنُ فيه كقطعٍ من الليل المظلم، يصبح الرّجل مؤمنا ويمسي كافرا، ويصبح كافرا ويمسي مؤمنا، القابض على دينه كالقابض على الجمر.

وهذه المعاصي الظاهرة هي من أسوأ مفارقات الصّائم، الذي يصوم عن “الحلال” ويُفطِر عن “الحرام”، ويكفي في ذلك: البيانُ النبوي الشريف فيما رواه الأحمد في “المسند” عَنْ عُبَيْدٍ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّ امْرَأَتَيْنِ صَامَتَا، وَإِنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ هَاهُنَا امْرَأَتَيْنِ قَدْ صَامَتَا، وَإِنَّهُمَا قَدْ كَادَتَا أَنْ تَمُوتَا مِنَ الْعَطَشِ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ أَوْ سَكَتَ، ثُمَّ عَادَ وقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ إِنَّهُمَا وَاللهِ قَدْ مَاتَتَا أَوْ كَادَتَا أَنْ تَمُوتَا، قَالَ: ادْعُهُمَا، قَالَ: فَجَاءَتَا، قَالَ: فَجِيءَ بِقَدَحٍ أَوْ عُسٍّ، فَقَالَ لإِحْدَاهُمَا: قِيئِي، فَقَاءَتْ قَيْحًا ودَمًا وَصَدِيدًا وَلَحْمًا، حَتَّى قَاءَتْ نِصْفَ الْقَدَحِ، ثُمَّ قَالَ لِلأُخْرَى: قِيئِي، فَقَاءَتْ مِنْ قَيْحٍ وَدَمٍ وَصَدِيدٍ وَلَحْمٍ عَبِيطٍ وَغَيْرِهِ، حَتَّى مَلأَتِ الْقَدَحَ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَاتَيْنِ صَامَتَا عَمَّا أَحَلَّ اللَّهُ، وَأَفْطَرَتَا عَلَى مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِمَا، جَلَسَتْ إِحْدَاهُمَا إِلَى الأُخْرَى فَجَعَلَتَا يَأْكُلاَنِ لُحُومَ النَّاسِ.”، أي بمعاصي اللّسان بالغيْبة والنّميمة والبهتان.

وهو ما يتنافى مع “مقصد الصيام” و”رسالته الأخلاقية”، كما قال صلى الله عليه وسلّم فيما رواه الترمذيُّ عن أبي هريرة رضي الله عنه: ” مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ.”..

3_ صيام خاصّة الخاصّة: وهو صيامُ القلب، بتحرير العقل من التفكّر في الشّهوات، وتخليص الفِكر من حديث النّفس عن الملذّات، وتطهير الصّدر من الاسترسال في التمتّع النّفسي بالسيّئات.

يقول أحد العارفين: “ليس من العبادات شيءٌ أنفع من إصلاح خواطر القلوب.”.

فالقلب الصّائم: مشغولٌ بالتفكّر في الطّاعات، ومتعلّقٌ بالله تعالى في الخلوات، وهائمٌ بالتدبّر في بحر الملكوت، يصدق في صاحبه قوله تعالى: “الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا..”(آل عمران: 191).

ذلك أن سلوك الإنسان يتدرج عبر مراحل دقيقة، لابد من الانتباه إليها، وهي:

_ مرحلة حديث النّفس: وهي الخواطر التي تُداخِل الإنسان، وهي المرحلة التي يُعفى منها العبد، كما جاء في “السّنن” قوله صلى الله عليه وسلّم: “إنّ الله تجاوز لأمّتي ما حدّثت بها أنفسُها ما لم تتكلم به أو تعمل به.”.

_ مرحلة العزم والإرادة: وهي تبييتُ النّية وتأكيدُ القصد على الفعل، وهو ما سيحاسب عليه العبد، إنْ خيرًا فخيرٌ، وإنْ شرًّا فشرٌّ، وإنْ عجز عن الفعل، كما ورد في الحديث: “إذا التقى المسلمان بسيْفيْفها فالقاتل والمقتول في النّار. قيل: هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: إنّه كان حريصا على قتل صاحبه.”.

يقول أحدُ الشّعراء:

أهل الخُصوص من الصُّوَّام صومُهم *** صوْنُ اللّسانِ عن البهتان والكذب

والعارفون وأهل الأُنْس صــــــومُهم *** صوْنُ القلوبِ عن الأغيار والحُجب

تعليق