إنّها الذّكرى الـ: 13 لوفاة “الشيخ المؤسّس”، الموافقة لـ: 19 جوان 2016م..  

فلا تزال الجزائر المعاصرة تفقِد من رجالاتها ورموزها ما يعجز الزّمان عن إعادة استنساخهم واستدعائهم مرّةً أخرى، وما المجتمعات – في جوهرها – إلا انعكاسٌ لتلك النّماذج المؤثّرة بأفكارها وعطاءاتِها في مسيرتها، وما ثراءُ الشّعوب ومفاخرُها إلا بمقدار ما تنتجه من قياداتٍ ملهِمة، وما بناءُ الأمم في حياتِها الإنسانية إلا ما تجود به نجومُها المشرِقة، التي تتلمّس ترسيخَ قيمِها: فكرًا وسلوكًا، وتفيضُ بالعطاء من تجلّياتِ عقولِها وقلوبها ما يَدُعُّ “الضّمير التاريخي” دَعًّا ليفرض بسلطانه علينا تخليد ذكراهم “طوْعًا أو كرْهًا”.

فصُمّت آذانُ الدّنيا إن لم تسمع بإحد “أركان” هذه النّماذج الاستثنائية، التي تركت “بصماتٍ واضحةٍ” على السّاحة: الدّعوية والفكرية والسياسية، وطنيًّا ودوليًّا، وهو “الشيخ”، “الرئيس” و”المؤسّس” قدّس الله سرّه، الأستاذ الفقيه، والمربّي القدوة، والدّاعية الكبير، والسياسي المحنّك، والمصلِح الموفَّق، والإسلامي المتميّز، والوطنيّ المخلِص، والديمقراطي الحق، واللّغوي الناحِت، والإنسان المرِح، والزّعيم المبتسِم، والملْهِم المؤثِّر، صاحب الحجّة: فضيلة الشيخ محفوظ نحناح – عليه رحمة الله.

ولقد عرَف الزّمانُ حالةً من الكبار والعظماء، الذين لم يُعرفوا بكثرةِ تأليفهم للكُتُب من النّاحية النّظرية، بقدر ما خلّدهم “التاريخ” بكثرة تأليفهم “للرّجال” كنماذجَ بشريةٍ من النّاحية العملية..

والشيخ المؤسّسُ – كغيره ممن انتموا إلى السّلسلة الذّهبية للأنبياء والمصلِحين والمجدّدين – الذين  أسّسوا العمل لصناعةِ الرّجال، وقد خلّد القرآن الكريم وصفَهم فقال تعالى عن أمثالهم: “ثمّ أوْرثنا الكتاب الذين اصطفيْنا من عبادنا: فمنهم ظالِمٌ لنفسه، ومنهم مقتصِدٌ، ومنهم سابقٌ بالخيرات بإذن الله..“(فاطر:32)، وهي الصّفات التي تتجسّد في الفرد وفي الجماعة وفي المدرسة، وعزاؤنا قولُ ابنِ عبّاس رضي الله عنه: (السّابق بالخيرات يدخل الجنّة بغير حساب، والمقتصِدُ يدخل الجنّة برحمة الله، والظّالمُ لنفسه يدخل الجنّة بشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلّم..)، فلا احتكار ولا مزايدة في الولاء والوفاء والانتماء.

°) إنّنا نحتفل بالذكرى: احتراما لذاكرتنا التاريخية، ووفاءً لرموزنا الوطنية، وتأصيلا لقيمنا الجماعية، وتجسيدا لأبعادنا الفكريةِ والسّلوكية، وهو حقُّ الرّجال على الرّجال، وهو أمانةُ المسار الدّعوي والسياسي كحقٍّ للأجيال، وهو المنهج الذي يحدونا مع الأشواق والآمال.

فليس الشيخ محفوظ نحناح – عليه رحمة الله من الذين خرجوا من الدّنيا كمَن دخلوا إليها، فهو الذي وُلد “فردا في أمّة” ومات “أمّةً في فرد”، ومع ذلك لا زلنا نراوِح “الآراءَ الانطباعيةَ” عنه ونتلمّسُ الأسلوبَ العلمي والأكاديمي إليه، ولا زلنا نداعب الثقافة الوصفية والرّصد التاريخي ونتحسّس “العبرة” في استخراج كنوزِ “التجربةِ” العمليةِ له، ونحن بحاجةٍ إلى الاجتهاد –  بإعمال العقل – للانتقال من “عالم الأشياء” ونتجاوز “عالَم الأحداث” لنتربّع على عرشِ “عالَمِ الأفكار” في الوقوف مع “شخصيته”، كما قال تعالى عن علّة الوقوف مع الماضي واستشراف التاريخ: لقد كان في قصصهم عبرةٌ لأولي الألباب (يوسف:111)، وقال: فاقصص القصص لعلّهم يتفكّرون(الأعراف:176)، فاستحضارُ النّماذجِ الحسيّةِ المتحرّكةِ بالقدوة العملية: سبيلٌ قرآنيٌّ فريدٌ في اهتداءِ النّفوس وتجليةِ خباياها الحائرة والغافلة، من مجردِ التّذكير بالمواعظ النّظرية الجامدة.

إنّ قوّة الإشعاع التأثيري للشيخ المؤسّس يأبى الانحباسَ في “الزّمان”، فلا يُقاس عمرُه بعمرِ جسده من الميلاد إلى الوفاة، ويأبى الجمودَ في “المكان”، وقد تسلّلت شخصيتُه لتتجاوز الجغرافيا “القُطرية” إلى الفضاءات “العالمية”، ويأبى الاحتكارَ عند “الإنسان”، ليتجاوز بعطاءاتِه حدودَ ملكيةِ العائلةِ أو الحركة أو المدرسة أو التيار، لأنّه – ببساطةٍ – مِلكيةٌ عمومية وشخصيةٌ إنسانية.

°) نحتفل بالذكرى الـ: 13 تحت شعار: “القيم في حياة الشيخ .. فكرًا وسلوكا”، ونحن نعلم بأنّ القيمة الوجودية للإنسان في هذا الكون، وقوّةَ أيِّ فردٍ أو جماعةٍ أو دولةٍ أو أمّةٍ هي بمدى حضور “عالَم القيم” في حياتها، وليس بمجرد طغيانِ “عالَم المادة” فيها، وقد كان “آدمُ: الإنسانُ الأول” أنموْذجا لهذا المعنى، فقد خُلق أطوارا، ولمّا كان في مرحلة “عالَم المادّة” كان لا يساوي شيئا، كما قال تعالى: هل أتى على الإنسان حينٌ من الدّهر لم يكن شيئًا مذكورا(الإنسان:01)، ولم يستحقّ التكريمَ – برمزية سجود الملائكة له – إلا بنفْخِ الرّوح الإلهية فيه كنموذجٍ لـ: “عالَم القيم”، فقال تعالى: فإذا سوّيتُه ونفخت فيه من روحي فقَعُوا له ساجدين(الحِجْر:29)..

وإذا كان الله عزّ وجلّ قد أكرم هذه الأمّة بحفظ “عالَم القيم” في الوحي بقوله: إنّا نحن نزّلنا الذِّكر وإنّا له لحافظون(الحِجر:09)، فإنّ هذه “القيم” لا تنفع الإنسانية إذا لم يتمّ استدعاءَها من عالَمها النّظري في الكتاب المسطور إلى الحياة الواقعية للإنسان – كنماذجَ بشريةٍ تغري بالمثال والقدوة – في الكتاب المنظور، فتجسِّدُ تلك القيمَ لتبلّغُها عمليًّا، فلا يقع “فراغٌ في الرّجال” أبدا، وقد أكرمنا الله تعالى ببقائهم على امتداد الزّمان والمكان، وأمرنا بأنْ نكون معهم، فقال: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصّادقين(التوبة:119)، والتكليفُ بمعيّتِهم دليلٌ على وجودهم، وإلا فقد كُلِّفنا بما لا نطيق وذلك على الله مُحال..

ونحْسَب “الشيخ المؤسِّس” من الذين “صدقوا الله، فصدَقَهم الله” وكتَب لهم القبول في الأرض، وقد قال صلّى الله عليه وسلّم: “أنتم شهداءُ الله في الأرض”.

وكما حفِظ الله تعالى “عالَم القيم” نظريًّا بحِفظ الوحي، وحفِظها بالنّماذج الواقعية الفردية في “الرّجال”، فقد جعل لها “آليةً عمليّة” لحراستها، وهي: القيامُ بواجب الدّعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر بالعمل الجماعي المنظَّم، فقال تعالى: ولتكن منكم أمّة (أي جماعة)، يدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، وأولئك هم المفلحون(آل عمران:104)، وهو النّجاح في الدّنيا والآخرة بحِفظ “عالَم القيم”..

وهو ما قام به “الشيخ المؤسّس” بتأسيس الجماعة وبنائها ووضع منهجها وتربية أبنائها وهداية جمهورها وفق قيم السّماء لسياسة الدّنيا بالدّين، وهي جزءٌ من النّموذج الجماعي، الممتدّ – كذلك – في الزّمان والمكان بالوعد الإلهي والإخبارُ النّبوي: “لا تزال طائفةٌ من أمّتي، على الحقّ ظاهرين، لعدوّهم قاهرين، لا يضرّهم مَنْ خالفهم ولا مَن خذلهم، حتى يأتي أمْرُ الله وهم على ذلك..”.

 °) نحتفل بالذّكرى الـ: 13 ونحن نحفظ مسيرة “الشيخ المؤسّس” المتشبّع بالإسلام والوطنية والديمقراطية، وهو أحد حماة الوطن وخدّام قضايا الأمّة، فقد كان من حماةِ الإسلام من التشويه، وحماةِ الأمّة من الأعداء، وحماةِ الشّعب من التفرقة، وحماةِ الوطن من التقسيم، وحماةِ الدّولة من الانهيار، وحماةِ الاستقلال من الضياع، وحماةِ الإنسان من الضَّعْف، وحماةِ العربية من الضّرائر، وحماةِ الدّيمقراطية من التّزوير، وحماةِ الدّعوة من الدّخلاء، وحماةِ الاجتهاد من التقليد، وحماةِ الاعتدال من التّطرّف، وحماةِ السّلم من الإرهاب، وحماةِ الثقافة من التبعية، وحماةِ الرّأي من القمع، وحماةِ الكلمة من المُصَادرة، وحماةِ الانفتاح من الانسلاخ، وحماةِ الدّستور من التّعطيل، وحماةِ القانون من التّلاعب، وحماةِ الذّاكرة من النّسيان، وحماةِ الأسرة من الانحلال، وحماةِ الجزائر من “الجزائرية الملغّمة”.

أ. ناصر حمدادوش

تعليق