تدّعي الحكومة – صاحبة مشروعي قانون الانتخابات وقانون الهيئة العليا لمراقبة الانتخابات – أنّ هذين المشروعين يندرجان في إطار المسار الجديد للإصلاحات السياسية الذي شرع فيها “فخامته” منذ: 2011م، من أجل تكريس دولة القانون وتعزيز التجربة الديمقراطية وترسيخ الحقوق والحرّيات الفردية والجماعية، وإدراج ضماناتٍ لإضفاء الشفافية والنّزاهة على العمليات الانتخابية.. ولكنّه – وعندما التأمّل فيهما – نجد “انقلابا” على هذه “الإصلاحات”، وإرادةً في توقيف المسار الديمقراطي، وذلك بالوقوف عند أهمّ المحاور المفصلية في تزوير العملية الانتخابية والتحكّم الإداري فيها، والتي كرّستها هذه القوانين، وهي:
أولا: اشتراط الحصول على نسبة: 4% في آخر انتخابات سابقة: وإلا فهي ملزمةٌ بجمع التوقيعات مثلها مثل المترشحين الأحرار..
1) هذه المادة تفرض رقابية إدارية وقبلية على الأحزاب، مع أن الأصل: أن الشعب هو من يمارس هذه الرقابة عن طريق الانتخابات النزيهة..
2) لا يمكن جعل الانتخابات السابقة معيارا، لما اعتراها من آلة التزوير والمال السياسي الفاسد، وهو عقوبة جماعية لأحزاب لها السيادة في مقاطعة الانتخابات السابقة، أو لأحزاب اعتُمِدت بعد: 2012م، أو لأحزاب شاركت في تكتلات سابقة أو تريد المشاركة في تحالفات لاحقة..
3) جاء في مبرّرات هذه المواد (المادة: 73 الخاصة بالانتخابات المحلية، والمادة: 94 المتعلقة بالانتخابات التشريعية) أنها لتنظيم الحياة السياسية، والقضاء على الأحزاب الموسمية، والتي تحوّلت اعتماداتها إلى سجّلات تجارية في بيع القوائم وترتيبها، ولذلك نقول:
– هذه السلطة هي التي اعتمدت هذه الأحزاب، وهي التي تريد الآن التضييق عليها، وإصدار أحكام إدارية مسبقة عليها، وهو تعميمٌ ظالمٌ لها..
– هذا طعنٌ في شرعية وجود هذه الأحزاب، وتعاملٌ تمييزيٌّ عنصريٌّ غير دستوري بينها، وكأنه لدينا أحزابٌ من الدّرجة الأولى وأحزابٌ من الدّرجة الثانية.
– الإدارة (ممثلة في وزارة الداخلية) أعطت لنفسها صلاحيات تقسيم الطبقة السياسية وإعطاء الأحجام لها بدون انتخابات حقيقية وفق الإرادة الشعبية.
– هذه الأحزاب (التي تُتهم بالفساد وبأنها مجهرية وصغيرة) هي التي تمّ استغلالها في تزيين مشاورات تعديل الدستور ومبادرة السلطة في “الجدار الوطني” والتغنّي بها كأرقام، والآن يتمّ الاعتداء عليها بهذه الطريقة المأساوية..
– إنّ الادعاء بتطهير الطبقة السياسية من الفساد الانتخابي والمالي ادعاءٌ مفضوح، إذ الفساد المستشري في الأحزاب التي تدّعي أنها كبيرة من أحزاب الموالاة أكبر بأضعافٍ مضاعفة، ومع ذلك لم تأت وزارة الداخلية بإجراءات لتطهير العمل السياسي منها.
– المشكلة ليست في عجز الأحزاب عن جمع التوقيعات، ولكنْ هناك تجاربٌ قاسيةٌ ومريرة في جمعها والتلاعب بها والتحكّم فيها والتعسّف في التعامل معها..
– هذه المواد تريد التضييق على الأحزاب السياسية، وغلق العملية الانتخابية، ومصادرة الإرادة الشعبية، والذهاب بالبلاد إلى حالات من الاحتقان والانفجار..
– لقد طالبنا بألا تطبق هذه النسبة إلا في المواعيد الانتخابية القادمة بعد: 2017م، لأننا أمام دستورٍ جديد، وهيئةٍ دستورية عليا مستقلة لمراقبة الانتخابات، وأمام قانونٍ عضويٍّ للانتخابات جديد، وأمام ادعاءٍ بأننا نؤسس لجمهورية الثانية ودولةٍ مدنيةٍ موعودة.. وذلك من باب المساواة بين الأحزاب وإنذارها مسبقا من الآن، لا مباغتتها بهذه المادة المجحِفة..
ثانيًّا: استحداث “هيئة غير مستقلة لمراقبة الانتخابات”:
وهو ما جاء به التعديل الدّستوري الجديد ليوم: 06 مارس 2016م، باستحداث “الهيئة العليا المستقلة لمراقبة الانتخابات” وفق المادتين: 193، و194 من الدستور. ولقد فضح مشروع هذا القانون دعاوى استقلالية هذه الهيئة، وهشاشة صلاحياتها، وغرابة تشكيلتها، وجهالة مصير أعمالها، ومع ذلك نقول: _ هذه الهيئة هي التفافٌ مفضوحٌ على مطلب الطبقة السياسية عموما والمعارضة خصوصا، في استحداث “لجنة وطنية مستقلة للإشراف على تنظيم الانتخابات” وليس مجرد “هيئةٍ لمراقبتها”، وقد اعترف هذا المشروع في مقدّمته أن هذه الهيئة المستحدثة أنّها لا تلعب إلا دور الوسيط بين السلطات العمومية المكلّفة بتنظيم الانتخابات (ممثّلة في وزارة الداخلية) وبين المترشّحين. _ هذا تراجعٌ رهيب عن المكتسبات المتواضعة السابقة، والمتمثلة في “اللجنة الوطنية القضائية للإشراف على الانتخابات” و”اللجنة الوطنية السياسية لمراقبة الانتخابات” والمشكلة من ممثلي الأحزاب والمترشحين الأحرار، حيث تمّ اغتيالهما وتعويضهما بهذه “الهيئة” والتي تخضع للتعيين لا للانتخاب، بحيث تُقصى الأحزاب من التمثيل فيها، بعد أن اعترف قيادات من أحزاب السلطة بأنّهم سيكونون أقلية في تلك اللجنة عند اتخاذ القرارات وإعداد التقارير، والتي تعتمد على الآلية الديمقراطية فيها. _ هذه الهيئة – وبالرغم من تعزيز موقعها القانوني بدسترتها- فهي تُسمّى زورا وبهتانا بـ: “المستقلة لمراقبة الانتخابات”، وهي بذلك لا تحمل إلا الاسم الفارغ، فهي تتكوّن من: 410 عضوا (205 من القضاة و: 205 من كفاءات المجتمع المدني)، كلّهم يتمّ تعيينهم – بما فيهم رئيس الهيئة – من طرف “رئيس الجمهورية”، الذي هو “رئيسٌ فعليٌّ لحزب سياسي” ينافس في كلّ المواعيد الانتخابية، بما فيها الانتخابات الرئاسية، والذي هو طرفٌ فيها، فهل يُعقل أن يعيّن مترشّحٌ أعضاءَ هيئةٍ يُفترض فيها “النّزاهة” و”الحياد” في عملها؟؟. _ تنصّ المادة: 5 من هذا القانون أنّ القضاة يتمّ تعيينهم من “المجلس الأعلى للقضاء”، وهو المجلس الذي يرأسه “رئيس الجمهورية” وفق المادة: 173 من الدستور، والذي يقرّر تعيين القضاة ونقلهم وسير سُلّمهم الوظيفي، وهو تناقض دستوري خطير مع مبدأ الفصل بين السّلطات (بين السلطة القضائية والسّلطة التنفيذية التي يرأسها كذلك رئيس الجمهورية). _ هذه الهيئة ستُعتبر “إدارة مكرّرة وموازية”، وهي دائمةٌ وليست مجرد “هيئةٍ مؤقتةٍ” لغلق العملية الانتخابية والتحكّم في مصير المسار الديمقراطي، وهي تحت رحمة “الإدارة” و”الجهاز التنفيذي”. _ هذه الهيئة لن تكون مستقلة بالمعنى الحقيقي إلا إذا كانت مستقلة عن “الإدارة”، ولكنّ الإرادة العليا للتزوير جعلتها مستقلة عن الأحزاب السياسية بإقصائها منها.
ثالثا: محور “الهيئة الناخبة”:
هذا القانون يصرّ على إبقاء “الهيئة الناخبة” غامضة في المادة: 22، وقد اعترف إطارٌ سابق في وزارة الداخلية أن أكثر من: 3.5 مليون ناخب من الموتى، وأنّ وزير الداخلية الحالي يعترف بأنّ الهيئة الناخبة غير مطهّرة، ونحن عاجزون عن ذلك إلى غاية عصرنة الإدارة إلى أجل غير مسمّى.. وحتى “القرص” الذي يسلمّ للمترشحين غير قابل للقراءة والتثبت منها، ونحن نطالب – إن كانت هناك إرادة حقيقية لنزاهة الانتخابات – أن توزّع هذه الهيئة حسب المراكز والمكاتب وتعلّق في البلديات أمام الرأي العام.. هذا القانون سيبعث الموتى من القبور ليقرّروا مصير المستقيلين من هذه العملية العبثية..
رابعا: اللّجنة الانتخابية الولائية:
والتي تتشكل من (3) قضاة حسب المادة: 154 من هذا القانون يعيّنهم “وزير العدل”، فهي غير مستقلة وغير محايدة، وهي تابعة لإرادة الجهاز التنفيذي، وخاصة أنّ وزير العدل متحزّبٌ وطرفٌ في العملية الانتخابية، وأنّ المحضر يسلّم فورا إلى الوالي، إمعانا في تحكّم الإدارة في المفاصل الحقيقية للانتخابات. وهذه اللجنة تقوم بعملية معاينة وتركيز وتجميع النتائج بدون حضور المترشّحين وممثلي الأحزاب، وهي الغرفة المظلمة التي يتمّ فيها التلاعب بالنتائج بدون شهود.
خامسا: تسجيل الأسلاك النّظامية:
وهو ما أعطى الانطباع بأن الوعاء الانتخابي العسكري هو من يحسم المواعيد الانتخابية بتوريط “الجيش” في الحزبية، وهو المؤسسة التي يُفترض أن تكون محايدة ونقطة متساوية البُعد من الجميع كمؤسسة دولةٍ لا مؤسسة سلطة، ومؤسسةُ شعبٍ لا مؤسسة فيئة، فقد أعطت المادة: 10 من هذا القانون الحق في التسجيل في بلدية عملهم، وهم الذين يُفترض تسجيلهم في بلدية مسقط رأسهم، إضافة إلى حقّهم في التصويت بالوكالة وفق المادة: 53 في البند: 06 منها.. ولا يزال تقرير “اللجنة السياسية المستقلة لمراقبة الانتخابات” (والتي تمّ الانتقام منها بهذا الدستور، وأنّ هذا القانون يقوم بعملية اغتيال هذا الشاهد على التزوير) أنّ هناك تسجيلا جماعيا وغيرَ قانونيٍّ وخارج الآجال القانونية، وأن هناك تصويتا جماعيا وبوكالاتٍ غير قانونية وبوكالاتٍ بالجملة في الانتخابات التشريعية والمحلية سنة: 2012م. وهو نوعٌ من التزوير والتأثير على نتائج الانتخابات وتوجيهها لصالح أحزابٍ بعينها، وأثبتت عمليات الفرز ذلك الانحياز المفضوح إليها. ولذلك ندعوا إلى عدم تصويتها في الانتخابات التشريعية والمحلّية، مع ضمان حقّها في الانتخابات الرئاسية.

تعليق