في محطّاتٍ سلوكيةٍ مضيئة تُختبر فيها “الفضائل”، ويُراد فيها للمعادن النّفيسة أن تعلن عن نفسها..

وفي مناسباتٍ ربّانية متكرّرة، تُعتبر تتويجا للمرور على ومْضةٍ إلهيةٍ بوهج العبودية، وهي المحطّات التي يُفرض فيها الفرح “بالعيد” رغم الجراح والآلام، تناغمًا مع قوله تعالى: “قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا، هو خيرٌ مما يجمعون.”(يونس:58)، والتي تنطق فيها عبادةٌ جليلة وهي: التصافح والتسامح والتغافر، وهي المحطّة التي تعتلي فيها “النّفوسُ الكبيرة” ذروةَ سموِّها النّفسي، لتتلمّسَ درجاتِ كمالها البشري.

فالنّفوس الكبيرة: هي التي تتجرّع مرارة الغيظ، وتبتلع علْقم الجراح القاسية، وتُسكِت الغضب قولا وفعلا، وتتحمّل ما امتلأت به النّفس ثورةً ولهيبا، ومع ذلك فهي تملك من الجرأة ما تعلن به عن التواضع في حبس النّفس على ما تكره، فتتجاوز المحطّات المظلمة في العلاقات الإنسانية المتوتّرة، وتتمرّد على النيران الملتهبة في أعماق النّفس البشرية، وتتجاوز “مرحلة الغيظ” التي قد تستقرّ حِقدا وبُغضا، إلى “مرتبة العفو” فتمسح آثار الانفعالات البشرية القسرية، لتصل إلى “درجة الإحسان” و”الصّفاء الرّوحي” ببرودة القلب وسلامة الصّدر، فتنال “المحبّة الإلهية المقدّسة” بذلك التعبير القرآني الودود الحاني، امتثالا للوصف بقوله تعالى: والكاظمين الغيظ والعافين عن النّاس، والله يحبّ المحسنين(آل عمران:134).

إنّها الصّورة المثالية المشرقة، والتي لا تفرّق في العفو بين النّاس – كلِّ النّاس – لتعبّر عن جوهرِ هذه النّفوس الكبيرة بتلك الصّفة الوضيئة الكريمة، والتي ترتقي بها إلى شرف الاختيار من نعيم أهل الجنّة، وقد راسلها رسول الله صلى الله عليه وسلّم بخيوط البِشارة بقوله: “مَن كَظَم غيْظا وهو يقدر على أنْ ينفذه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيّره من أيِّ الحور شاء”، ويتغنّى بها الشاعر وهو يقول لصاحبِها ناصحًا:

وإذا غضِبت فكُنْ وَقُورًا كاظما  ***   للغيظ تبصِرُ ما تقول وتسمع
فكفى به شرَفا تبصِر ســــاعة  ***   يرضى بها عنك الإله وترفـع

النّفوس الكبيرة: هي التي تخترق حُجب الزّمان والمكان، وتتجاوز طموحاتُها عالَمَ الشهادة بنتائجه الخادعة، وتترفّع إلى عالَمِ الغيب لتكون من أهل الآخرة، فهي التي لا تستوي عندها الحسنة ولا السّيئة، وقد عافت نفسُها المعاملةَ بالمِثل، وعلمت أنّ ما عند الله خيرٌ وأبقى..

تتغنّى بقوله تعالى دائما: ولا تستوي الحسنة ولا السّيئة، ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوةٌ كأنه وليٌّ حميم، وما يُلقّاها إلا الذين صبروا، وما يُلقّاها إلا ذو حظٍّ عظيم(فصّلت:34،35)، فهي لا تعرف الانتقام، ولا تعرف له طريقا ولو أرادت..

إنّها النّفوس الكبيرة التي تبتغي من درجات الكمال في السّلوك البشري ما تتطلّع به إلى ما هو “أحسن“، وتتخيّر ما تتفنّن به في جمال الخُلُق ما يحوّل العدوَّ اللّدود إلى وليٍّ حميم، فتتزيّن بقوله تعالى: “فاصبر صبرا جميلا“(المعارج:05)، وقوله: “فاصفح الصّفح الجميل“(الحجر:85)، وإنْ كان ولابد فبقوله تعالى: “..فاهجرهم هجرا جميلا“(المزّمّل:10)، وهي صفةٌ ملائكيةٌ يعجز عن تمثّلها أصحاب النّفوس الصّغيرة، لأنّ السّيئة إذا قُوبلت بمثلها أوْغَرت الصّدور وأوْرَثت الأحقاد وأنبتت الضغائن، والنّفوس الكبيرة تحتاج إلى الحسنة لتطفئ أُوّارَ الغضب وتهدّئَ فوْرةَ النّفس وتغسلَ أدْرَانَ الضّغينة..

تحلّق في الآفاق كالنّسر مخافة أنْ تكون مثل الذّباب لا يقع إلا على العَفَن، فلا يزيدها الجهل إلا حِلْما، ولا الإساءةُ إلا إحسانا، ولا الظّلمُ إلا عفوًا وغفرانا، يقول الإمام “أحمد القشيري”: “قد يرى البعضُ أنّ التسامحَ انكسارٌ، وأن الصّمت هزيمةٌ، لكنّهم لا يعرفون أنّ التسامح يحتاج إلى قوّةٍ أكبر من الانتقام، وأنّ الصّمت أقوى من أيِّ كلام.”، ويخبر الإمام الشّافعي “صاحبُ النّفس الكبيرة” عن نفسه، وهو يقول:

يخاطبني السّفيه بكلّ قُبْحٍ *** فأكره أنْ أكون له مُجيبا

يزيدُ سفاهةً فأزيدُ حِلْــمًا *** كعُودٍ زاده الإحراقُ طِيـبا

 تسبح هذه النُّفوسُ في خيال الطّيف النّبوي الشّريف، وهو يرسل إشعاعاته النّورانية الرّاقية، وقد تأذّت “نفسٌ”من ذوي القربى، وهي أشدّ مضاضةً من وَقْع الحُسام المهنّد عليها، ومع ذلك تكون عبادة “صلة الرّحم” من أعظم التكاليف الشّاقة، وتحتاج إلى نفسٍ كبيرة تتجاوز بها قسوة “القطيعة”، لتقفز على جراحها وتقاوم انفعالها وتضبط عواطفها وتكْبِت فطرة ردود أفعالها، وقد رُوي أنّ رجلا قال: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونَنِي، وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ، وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لَئِنْ كَانَ كَمَا تَقُولُ، فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ وَلا يَزَالُ مِنَ اللَّهِ مَعَكَ ظَهِيرٌ مَا زِلْتَ عَلَى ذَلِكَ.”، إنّها المثالية الواقعية أو الواقعية المثالية في هذا السّمو الأخلاقي نحو المعالي.

النّفوس الكبيرة: هي مَن تتدفّق على غيرها من بحار عاطفتها، فتلِينُ بالرّحمة وخِفْض الجناح لها، وتفيض على غيرها من لطائف مشاعرها، فلا تحمل غِلاًّ ولا حسدا لغيرها، كإحدى تجلّيات شفافية روحها، لتكون محور الجماعة بالقيادة الجامعة، وتكون لها من القدرة على الاستقطاب والاستيعاب ما يؤهلها للبقاء معها، وهي تقرأ قوله تعالى – وهو يعالج الحالة القلبية لنبيّنا عليه الصلاة والسلام -: “فبما رحمةٍ من الله لِنْت لهم، ولو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضُّوا من حولك”..

نفوسٌ لا تحمل إلا الوُدّ، ولا تضيق بالأخطاء، ولا تتذمّر من التقصير، بل تعمل فوق ذلك بقوله:” فاعفوا عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر ..”(آل عمران:159)، قد حازت شرفَ الإخبار النّبوي بالخيرية الصّادقة، وقد قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أيُّ النّاس أفضل؟ قال: “كلُّ مخمومِ القلبِ صدوقِ اللّسان“. قالوا: صدوقُ اللّسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: “هو النّقي التّقي، لا إثْم فيه ولا بغي، ولا غِلّ ولا حَسَد.“.

النّفوس الكبيرة: هي التي تتواضع فلا تتسلّل إلى قلبها ذرّةٌ من كِبْر، وتعلم أنّ الأواني الفارغة هي مَن تزعج الآخرين بضجيجها، وأنّ السنابل لن تنحني تواضعاً إلا بامتلائها، وقد وصفها الشاعر فقال:

مِلأُ السنابل تنحني بتواضعٍ  *** والفارغاتُ رؤوسُهن شوامخُ

ونصح غيرُه فقال:

تواضعْ تكن كالنّجم لاَحَ لناظرٍ *** على صفحات الماء وهو رفيع
ولا تك كالدّخان يرفع نفــــسَه *** إلى طبقات الجوّ وهو وضِيــعُ

يقظةُ قوّتها الرّوحية تجعلها تترفّع عن سفاسف الأمور، فلا تغرق في فنجان جزئياتها، ولا تسقط في وَحْل حُفرها، ولا تسجن نفسها في النّرجسية وتضخّم “الأنا” إلى درجة عشق النّفس والتمركز على الذّات، وهي التي تتلمّس الامتلاء الداخلي وسِعة الأفق الخارجي، يصدق فيها قول الشّاعر:

وَتَعظُمُ في عَينِ الصَغيرِ صِغارُها *** وَتَصغُرُ في عَينِ العَظيمِ العَظائِمُ

 إنّها النّفوسُ الكبيرة.. تعيش مع الله بهداياته السّماوية وأنواره العلوية وتجلّياته المقدّسة..

تعليق