حجم المحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا، والتي وُصفت بالدّموية والبالغة في الغباء، والتي لا تزال أرقامُها والمذهلةُ تصرخ في وجوهنا من حيث العدد والنّوعية المتورّطة، فقد بلغ عدد الموقوفين على ذمّة التحقيق لحدّ كتابة هذه السّطور: 13165 موقوف: 8385 عسكري، منهم 103 جنرال، و 2101 قاضي ومدّعي عام، و 1485 شرطي، و 52 إطار حكومي، و 689 آخرين..).

وعلى هذه الخلفية عاد الجدل المحيّر – وبقوةٍ – حول مَن وصفه البعض بـ: “خميني أمريكا”، ووصفه “نائب الـ: CIA” بـ: نموذج الإسلام، وما سُمّي بـ:”أهم شخصيةٍ إسلاميةٍ مؤثّرةٍ في العالم اليوم”، وفق ما قدّمته “التايمز” سنة: 2012م، وتبعتها: 23 مجلّة عالمية وتركية، والذي تصدّر “الكتب” وعُقدت حوله “المؤتمرات” و”النّدوات”، وكان من ضمن “المائة شخصية في القمّة الأكثر تأثيرا في المحيط العالمي”..

إنّه “محمد فتح الله كولن” الذي وُلد سنة: 1941م وحفظ القرآن على يد أمّه وهو إبن: 04 سنوات.

وصفه “الأنصاري” بـ: القادم من وراء الغيب، وهو زعيم “جماعة الخِدمة” التي تأسّست سرّيّا منذ أكثر من نصف قرن، وبعد مراجعاتٍ عميقة سنة: 1990م لحلّ إشكالية العلاقة بين “الدّين” و”السياسة” و”الدولة”، نشأ جيلٌ من “الإسلاميين الجُدد”، وهو ما سيفسّر تحالف “أردوغان” مع “فتح كولن” واختلافه مع أستاذه “أربكان” في عدائه مع “الغرب” والعلاقة العدمية والمعادلة الصّفرية مع “المؤسسة العسكرية”..

وتحقّق هذا التحالف بين الرّجلين انتخابيا 03 مرات ابتداءً من سنة: 2002م، وحقّق التكامل بين “السّياسي” و”الدّعوي”، مع الفصل التنظيمي والتمييز الوظيفي بينهما.

وقد اعتبره البعض “الشّخصيّة الفريدة والمثالية” في عهد المواجهة بين “الحداثة” و”الإسلام”، وهو يتميّز بالعمق الفكري والسّمو الرّوحي، ولا يزال تحليلُ شخصيته في جانبها السّلوكي والعرفاني قائم، وكأنّه صورةُ “التراث الإسلامي في العصر الحديث”، و”المتماهون فيه” يزعمون أنّه أسّس “الجماعة” بعيدا عن النّزعة السياسية أو الخلفية الإيديولوجية للإسلام، فهي “نموذجٌ للإسلام الاجتماعي المتفتّح” الذي يجمع بين الحركة الإيمانية والفكرة العقلانية، وتجمع بين القيم الرّوحية والقيم الإنسانية والاجتماعية، لتخاطب: الرّوح والوجدان والفطرة، وتتوجّه بالخِدمة إلى الإنسان والمجتمع والإنسانية، كعملٍ حضاريٍّ تنويريٍّ بنائيّ تجديديّ كبير..

يسكن الآن في بيتٍ هادىءٍ وفي عزلةٍ روحيةٍ في منفاه الاختياري بـ: “بنسلفانيا” الأمريكية منذ: 1999م، ولكنّه يصنع تاريخا “صاخبا” في تركيا الأردوغانية، وهو “الشيخ” الذي يعشقه مريدوه بالصّبغة “الصّوفية” وصفة “الزّاهد” و”العارف بالله تعالى”، وهو الذي سِيقت له الدّنيا بحذافيرها فتمنّع..

يعتبره البعض أنّه خرج من “معطف” الشيخ “بديع الزّمان سعيد النورسي”، صاحب “رسائل النّور” و”المدّ التنويري” المحافِظ على “إسلامية تركيا” في زمن “الأتاتوركية المتطرّفة”، الذي أبدع في نحت معادلةٍ تجديديةٍ عبر تجربةٍ دعويةٍ تراكميةٍ طويلة، جنّبت الصّدام الأزلي بين “الإسلاميين” و”المؤسسة العسكرية” معبد العلمانية وعدوّة “العثمانية”، فاعتُبِر “خليفةً روحيا وامتدادا تاريخيا لفكره وتربيته ومنهجه.”.

لكنّ المفارقة المدوّية والصّدمة الكبرى أنه تحوّل من “أستاذِ أردوغان الأوّل كمعْلَمٍ للوعي إلى عدوّه الأكبر كمِعْولٍ للانفعال”، وذلك ابتداءً من سنة: 2011م، على خلفية تأميم “أردوغان” للمدارس الخاصة، الرّئة التي تتنفّسها “جماعة كولن” وتبسط بها نفوذها على المجتمع التركي وتخترق بها العلاقات الدولية..

إضافةً إلى الانتقادات اللاّذعة التي وجّهها له بالتّحوّل إلى “سلطة الشخص”، وتحرّك رجاله في “القضاء” و”الشّرطة” ضدّ رجال “أردوغان المقرّبين” في الحكومة لاتهامهم بملفات فساد، وهو ما اعتُبر محاولةٌ انقلابيةٌ بيضاء فاشلة، وقد اتُّهِم بالتورّط – كذلك – في محاولاتٍ انقلابيةٍ سابقة ابتداءً من: 2003م إلى محاولتيْن سنة: 2013م.

ولخطورة هذا الانقلاب الأخير يوم: 15 جويلية 2016م، ظهر “أردوغان” مباشرةً، ولم يتردّد في اتهام “فتح الله كولن” وجماعته – التي يسمّيها بـ: “الكيان الموازي” المحظور منذ: 2013م – بتدبير هذا الانقلاب تخطيطا وتنفيذا، ووصلت التّهمة إلى كونها “تنظيما إرهابيا” وأنّها أخطر من “داعش”، لأنها اخترقت مؤسسات تركيا الحيوية من الداخل (الجيش، القضاء، الأمن، التعليم، والإعلام..وغيرها).

فأنشأت أكثر من: 10 جامعات خاصة، و: 1000 مدرسة حديثة عبر العالم، والعشرات من القنوات الفضائية، والعديد من المؤسسات الخيرية والوقفية والمراكز الثقافية والشركات التجارية والاقتصادية الكبرى العابرة للقارات..

ولم تتأخّر الحكومة التركية في وضع خطةٌ لاجتثاث هذا الكيان بعد التحقيقات، فقد تمّ غلق: 934 مدرسة، و: 109 إقامة طلابية، و: 15 جامعة خاصّة، و: 104 وقفية، و: 35 مؤسّسة صحّية، و: 1125 جمعية، و: 19 منظمة نقابية..

كما تمّ إحصاء: 15200 من أنصار “غولن” في قطاع التعليم للتحقيق معهم، وطلب “مجلس التعليم” من: 1577 رئيس جامعة وعميد كلّية وأستاذ بالاستقالة للتحقيق معهم، وهو ما يشير إلى خطر وحجم هذا الانقلاب وتغلغله..

أخذ هذا الانقلاب أبعادا وصلت في التحليل إلى محاولة “تقسيم تركيا” و”احتلالها” وفق ما اتّضح من خطّة التآمر “الإقليمي” و”الدّولي”، فقد أُنفِق على هذا الانقلاب (وفق تقارير) حوالي: 03 آلاف مليار دولار، وكانت الخطة أنّه – وبعد “اغتيال” أردوغان وحلّ البرلمان وسقوط الحكومة وتعطيل العمل بالدستور – يكون “إغراق تركيا في حمّامات الدّم” عبر الاقتتال الداخلي بين “الشرطة” المقرّبة من “أردوغان” و”الجيش” الذي يقود جزءٌ منه هذا الانقلاب، وسيتحرّك “حزب العمال الكردستاني” للمطالبة بدولةٍ مستقلة للأكراد في تركيا، وتُفتح شهية “داعش”، وتُشْرع الأبواب أمام الانتقام الميليشياتي العلوي والشيعي من سوريا وإيران، وتتدخّل أمريكا تحت غطاء “الحلف الأطلسي” لحماية قاعدة “إنجرليك”، وستتمتّع “إسرائيل” و”روسيا” الحليفتان بالانتقام والثأر لكبريائهما المهدور أردوغانيّا..

ولكنّ الانقلاب فَشَلَ بمعجزةٍ غير متوقّعة زمانيا ومكانيا، فلم يعد ناحجا بناءً على التخطيط التقني أو الفنّي بالاعتماد على القوة التقليدية، فقد تغيّرت قواعده وفَقَدَ بيئته الثقافية والسياسية، فلم يجد لنفسه حاضنةً.

لقد وجد “سطوةً للإرادة الشّعبية” المؤمنة بحقوقها والمُدركة لمصالحها، ووجد قيادةً ناجحةً تتكلّم بالإنجاز والأرقام والشّفافية، ووجد معارضةً وطنيةً محترمةً حيّدت خلافاتها الحزبية والإيديولوجية، ووجد مؤسساتٍ تسمو فوق الإيديولوجيا والشّخصانية، ووجد إعلاما مؤثّرا حُرًّا ومتماهيًّا مع مصلحة الدّولة ونظامها الديمقراطي، ووجد شخصيّاتٍ سياسيةً ووطنية معطاءةً ومترفّعة عن الخلافات والخلفيات.

وقد اعتبر جنرالٌ صهيوني – وهو الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي الصهيوني – بأنّ فشلَ الانقلاب يعني: انتهاءٌ للعلمانية التي أرساها “مصطفى كمال أتاتورك”، وأنّ “أردوغان” خرج أشدّ قوة، وهو يتّجه نحو “ديكتاتوريةٍ منتخبة بتوجّهاتٍ إسلامية”..

لقد أظهر “الانقلاب” أنّ المؤامرة كونية، ولكنّ المؤلم أنّ أدواتِ الصّراعِ كانت إسلاميّةً بين رفقاء التيار والفكرة، ولا يوجد تفسيرٌ للانقلاب على مَن صنع قصص النّجاح لصالح الدولة التركية والشعب التركي إلا “الخيانة” و”الغدر” و”بيع الضّمير للشيطان”.

ولكنّ ما خسرته تركيا من الكوادر الاستراتيجية في كلّ مؤسسات الدولة والمجتمع بسبب هذا “الانقلاب الأهوج” سيعوّضه الدّرس الأخير للانقلابيين محلّيا ودوليًّا.

تعليق