لا تزال فصول المؤامرة على المدرسة الجزائرية تتكشّف يوما بعد يوم، ولا تزال “التّوجّهات غير الوطنية” لوزيرة التربية تفضح حقيقتها التدميرية مع كلّ إجراءٍ تريد الذهاب إليه تحت غطاء “إصلاح المنظومة التربوية”، في “سرّيةٍ تامّة” وفي استعانةٍ خبيثةٍ بالخبراء الفرنسيين في تصميم المناهج، كنوْعٍ من “الاختطاف الإيديولوجي للإصلاحات”، والذي لا يعني إلا “استهداف” المواد المتعلّقة بالثوابت والهويّة مثل: التربية الإسلامية واللغة العربية والأمازيغية والتاريخ..

وبالمقابل هناك “عنايةٌ مكثّفةٌ” بفرنسة التعليم والإدارة، و”إصرارٌ مفضوحٌ” على تغريب الأجيال، ومنها: إلغاء تخصص “الشريعة” في الثانوي بالرغم من وجوده في بعض الكلّيات والجامعات، ومحاولة إلغاء مادة “التربية الإسلامية” في البكالوريا، ومحاولة فرنسة التعليم الثانوي بحجّة فرنسة المواد العلمية في الجامعة، وهو ما يعني “الرّدة” الصّارخة عن “التعريب” وعدم احترام لغة الجزائريين دستوريا، وهو ما يُعتبر “إعلانا للحرب الأشدِّ خطرا على الهويّة من الحروب العسكرية.”..

ويدرك الجميعُ أنّ “اللغة” هي الحاملةُ للمنتج الثقافي، وهي الأداةُ السّحرية للتسويق الإعلامي، وهي الوسيلةُ النّاعمةُ للاختراق النّفسي، وهي الأسلوبُ الفعّال للتّسلّل الإيديولوجي، وهي الآليةٌ الخبيثة للاندساس الحضاري. فإذا عجز “البن غبريطيون” عن اتباع “دين فرنسا” ولو سِرًّا فلن يتردّدوا في اعتناق “لغتها” علانيةً، لأنّ الهيمنة على اللغة هي إحدى أدوات الهيمنة على الشّعب، لتحقيق أمنية “الاغتراب اللّغوي”، وإبقاء الجزائر حديقةٍ خلفية ومركزٍ للنفوذ اللغوي والثقافي الفرنسي، رغبةً من “التيار الفرنكوفوني” في محاصرة اللغة العربية وتهميشها، وهو ما يتطلّب “مقاومةً فكريةً قويّة”، لأنّ هذا التهديد اللغوي هو تهديدٌ للسيادة وللوجود الحضاري للشخصية الوطنية، ومُصادَمةٌ للبُعد الهوياتي للشعب الجزائري، وهو مظهرٌ من مظاهر العنف التغريبي الذي يغتال الأمن اللّغوي، ويفرض الاضطهاد الفكري خارج حدود المنطق العلمي أو الديمقراطي..

ولا يوجد تفسيرٌ لهذا الإصرار على اللغة الفرنسية في الجزائر إلا “الانبطاح للاستعمار اللّغوي”، والحنينِ إلى فرنسا الكولونيالية ثقافيا، والاستماتةِ في بعثِ “الصراعِ على الهوية” من جديد، مع علم الجميع – بيداغوجيا وعلميا – أن الفرنسية لغةٌ ميّتة، وهي ليستْ لغةُ العلم والتجارة والتكنولوجيا والاقتصاد والتواصل العالمي، وأنّ فرنسا نفسَها تتّجه – طوعا أو كرْها – إلى “الانجليزية” ابتداءً من السنة الثانية ابتدائي.

وهو ما يؤكّد أنّ “الوزيرة” وفيّةٌ “لخطّها التغريبي”، وأنّها فرنسيةٌ أكثر من الفرنسيين، لتُصدِّق بنفسها على نبوءة “ديغول” بأنه ترك في الجزائر “عملاء” يحبّون فرنسا أكثر من الفرنسيين أنفسِهم، وما هي إلا منفّذةٌ لتعليمةٍ من تعليمات السلطات الاستدمارية منذ السنوات الأولى للاحتلال الفرنسي، والتي تنصّ على: “أنّ إيالة الجزائر لن تصبح مملكةً فرنسيةً إلا عندما تصبح لغتنا هناك لغةً قومية، والعمل الجبّار الذي يترتّب علينا إنجازه هو السّعي إلى نشر اللّغة الفرنسية بين الأهالي – بالتدريج – إلى أنْ تقوم مقام اللغة العربية الدارجة بينهم..“، وهو نفسُ المسعى الذي تكلّم عنه “ألفريد لامبو” وزير التعليم الفرنسي سنة: 1897م عن مراحل احتلال الجزائر قائلاً: “سوف يتحقّق الغزو الثالث عن طريق المدرسة، إذ يجب أن نضمن السّيطرة للغتنا..“.

ومن البدايةِ لابد أنْ نؤكّد بأنّه لا توجد لدينا أيّةُ مشكلةٍ مع “اللغة الفرنسية” عندما تكون الحاجة إليها من الناحية العلمية والأكاديمية، فالتعدّد اللّغوي آيةٌ من آيات الله تعالى في خلقه، كما قال سبحانه: “ومن آياته خلق السّموات والأرض، واختلافُ ألسنتكم وألوانكم، إنّ في ذلك لآيات للعَالِمين.” (الرّوم:22)..

وقد تعايشت اللّغة العربية مع جميع اللّغات واللّهجات عبر المسيرة الحافلة للحضارة الإسلامية، كتجلٍّ من تجلّيات “التسامح اللّغوي” المنسجم مع سماحة الإسلام (لغةً وقرآنا)، في إطار التثاقف والتكامل في المعرفة الإنسانية.

ولكنّ أزمتنا في “التّعدّد اللّغوي” في صورته السّلبية، بمحاولة فرضه سياسيا وإيديولوجيا على حساب اللغة الرّسمية والوطنية، وبخلفياتٍ ثقافية صادمة.

ومن غرائب السّلطة في الجزائر أنّها لا  تعتبر “الفرنسية” لغةً رسميّةً، ولكنّها في نفس الوقت لا تعتبرها لغةً أجنبية عنها، بل تحتلُّ عندها مكانةً استثنائية في لغة المسؤولين والإدارة وبعض المؤسسات والتعاملات الرّسمية بطريقةٍ تداخليةٍ غريبةٍ إقصائيةٍ واستعلائيةٍ على اللغة الدستورية: “العربية والأمازيغية”.

ولذلك فمن حقّنا أنْ نتساءل: عن حقيقة اللغة الفرنسية؟ وعن مكانتها العالمية؟ وهل هناك أهمّيةٌ لدراستها، وضرورةٌ للإصرار عليها؟.

وإليكم بعض الإحصائيات عن المكانة العلمية للّغة الفرنسية دوليًّا:

_ عدد الناطقين بها كلغةِ الأمّ : 125 مليون من أصل حوالي: 07 مليار نسمة، أي بمعدلٍ أقلَّ من: 02%، وهي في المرتبة: 11 عالميا، وتتفوّق عليها شعبيا: الإنجليزية، الصينية، الهندية، العربية، الإسبانية، الرّوسية، البنغالية، المالاوية، البرتغالية، واليابانية..

_ وهي في المرتبة: 12 عالميا من حيث ترتيب لائحة “اليونيسكو” للكتب الجديدة المنشورة في السّنة، وتتفوّق عليها: إيران، باكستان، وتركيا..

_ وعندما يصدُر كتابٌ واحدٌ في فرنسا، تصدُر: 03 كتب في بريطانيا، و: 08 كتب في أمريكا.

_ 04% فقط من البحوث العلمية ينشرها فرنسيون في المجلات والدّوريات المُحكّمة في العالم.

_ 04% فقط من براءات الإختراع في العالم من أصلٍ فرنسي..

_ 03% فقط من مستخدمي الأنترنت يتحدّثون بالفرنسية، وهي لا تُستخدم إلا في: 04% من مواقع الشبكة العنكبوتية، وتتفوّق عليها اللغة: الإنجليزية، الصينية، الإسبانية، اليابانية، البرتغالية، الألمانية، والعربية..

_ 39% من الفرنسيين يتحدّثون الإنجليزية، وهم أكثر من مجموع الناطقين بالفرنسية في الدول الإفريقية الفرنكوفونية..

_ 80% من مواد مدارس التجارة، و:30% من مدارس الهندسة في فرنسا تُلقّن بالإنجليزية..

_ هيمنة اللغة الإنجليزية في مجال البحث العلمي في فرنسا، وتحديدا في العلوم الدّقيقة، وأنّ أكثر من:50% من الباحثين في الطبّ لا يتحدّثون إلا بالإنجليزية..

وهذه الإحصائيات تؤكد بأنّه لا مجال للاستثمار في اللّغة الفرنسية، لأنّها – ببساطةٍ – “لغةٌ ميّتة”، ولا تصلح في التعليم ولا في البحث العلمي ولا في التجارة ولا في لغة التواصل العالمي، فلماذا تصرّ عليها “بن غبريط” ومَن يقف وراءها، ولماذا تُفرض – إيديولوجيا – على الجزائريين فرضًا كاستمرارٍ للحالة الاستعمارية، مما يؤكّد بأنّنا لم نستقلّ استقلالا لغويًّا وثقافيا وإلى الآن؟؟..

تعليق