جاء في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدِم النّبيّ صلى الله عليه وسلّم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم: ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ فقالوا: هذا يومُ عاشوراء، يومٌ نجّى الله فيه موسى وقومَه وغرَّق فرعون وجنوده، فصامه موسى شكرًا، فنحن نصومه. فقال: “نحن أولى بموسى منكم”، فصامه وأمر بصيامه.
هي قصّةٌ وقعت مع التحوّل التاريخي لمسيرة الإنسانية بالهجرة، كخطوةٍ سياسيةٍ للبحث عن أرضٍ تحتضن فكرةً ومشروعا، من أجل الانتقال من “دال” الدّعوة إلى “دال” الدولة، إذ لا يُعقل ألاّ تتحوّل الفكرةُ إلى مشروعٍ تحتضه دولة، ولكنّ اللّفتة النّبوية الشريفة هي دقّة ملاحظاته للواقع الذي سيتحرّك فيه، ورصد أهمّ الظّواهر الاجتماعية فيه، فكان من نتائج هذا التفاعل الحركي هو الانتباه إلى شعائرهم التعبّدية، والعامل الدّيني المؤثر فيهم، وهي من أهمّ مؤشرات فقه الواقع الجديد. وعادةُ المسافرين أنّهم يتفاوتون في الانجذاب والانتباه، كلٌّ حسب هِمّته وعُمْقه الشّخصي وحركته القلبية اتجاه الأشياء، وهذه اللّطيفة النّبوية تشير إلى تماهي الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلّم في عشقه وشوْقه إلى الحاجة الفطرية للإنسان، وهي إشباعُ الحاجات الرّوحية وجَسْر العلاقة الإيمانية بالله تعالى، بالخوْص في عالَم العبودية. إنّها قصةُ يومٍ، سيتحوّل بهذا الاهتمام العقائدي إلى مَعْلَمٍ تاريخيٍّ لأمّة ممتدة في الزمان والمكان، لنقف مندهشين على الأبعاد المتعدّدة لهذا الحدث الغابر في الزّمن، ليُعاد إحياءَه، ويمدّ خيوط بقائه إلى صفة الخلود.
_ هناك تركيزٌ تربويٌّ في الاهتمام بهذا اليوم تعبُّدًا، تُلْبِسُه المعاني الإيمانية جلبابا يرتقي به أنْ يكون من أيام الله تعالى التي يجب الوقوف عندها، وهو ما أكّدت عليه الحقيقة النبوية الشريفة، إذ يقول صلى الله عليه وسلّم: “إنّ عاشوراء يومٌ من أيامِ الله.”، وهو ما يُحيلنا على التكليف الإلهي بالعناية الخاصّة به، إذْ يقول تعالى: “..وذكّرهم بأيام الله.” (إبراهيم: 05)، ولا أبلغ مِن التذكير بالقوّة العملية مثل الصّيام، ففي صحيح البخاري عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما أيضا قال: “ما رأيت النّبيَّ صلى الله عليه وسلّم يتحرّى صيامَ يومٍ فضّله على غيره مِن يوم عاشوراء..”. وهذا التذكيرُ في حقيقته ما هو إلا ارتقاءٌ بالعقل البشري من عالَم الأشخاص والأحداث إلى عالَمِ الأفكار، كما قال سبحانه: “فاقصص القصص لعلهم يتفكّرون.”(الأعراف: 176)، وهو “إشراقة القلب” على حقيقة الألوهية، ومطالعةُ القوة الكونية التي تتحكّم في موازين الصّراع بين “الخير” و”الشرّ”، وأنّ يدًا إلهيّةً تعمل في الخفاء فلا تيأس.
_ هذا الاحتفال السّنوي بهذه المناسبة التاريخية الغابرة، هو تناغمٌ مع مساحةٍ تعبيريةٍ قرآنيّةٍ واسعة، في العناية بقصّة سيّدنا موسى عليه السلام، حتى قيل – كما في “الاتقان” للإمام السيوطي -: “كاد القرآن أنْ يكون كلّه لموسى عليه السلام.”. ومنها قصّة نجاته ومَن معه مِن فرعون وجنودِه في معجزة البحر، وتسخير قوانين الطبيعة لصالح عبادة المؤمنين، بعدما كان البحر من أمامهم والعدوّ من ورائهم، وقال أصحاب موسى: “إنّا لمُدركون.”، قال بلغة الواثق في الله، والشعور القوي بمعيته سبحانه، الذي ملَك عليه نفسَه وغمَر قلبه العامِر به: “كلّا إنّ معي ربّي سيهدين.”(الشّعراي: 62). تدلّ هذه السُّنّة النّبويّة العملية على جواز الاحتفال بمثل هذه المناسبات التاريخية والوطنية، وأنّ جولات الصراع بين الحقّ والباطل لابدّ أن تبقى معالِمُها حيّةً في قلوب الأجيال، وهي من مفاخر الأمة، وعلامةٌ على ثرائها التاريخي، وامتدادُ جذورها في أعماق الزّمن، وأنّ “النّجاح والنّصر والتمكين والتحرّر” نعمةٌ تستحقّ الشّكر والذّكر، قال سبحانه:”فقُطِع دابرُ القومِ الذين ظلموا، والحمد لله ربّ العالمين.”(الأنعام: 45).
_ هناك كفاحٌ مريرٌ بين أصحابِ الدّعوات والأنظمة الفرعونية الشّمولية العسكرية، وانتصارُ الحقّ معها بطيء، “حتى إذا استيأس الرّسل، وظنّوا أنهم قد كُذّبوا جاءهم نصرنا..”(يوسف: 110)، فالعاقبة تلوّح برايتها – في النّهاية – لأصحابها مهما طال الزّمن، (والفجر لمَن صلّاه)، كما قال “هرقل” لـ: “أبي سفيان” عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم: سألتك كيف قتالكم إيّاه؟ فزعمت أن الحرب سِجالٌ ودُوَلٌ بينكم، وكذلك الرّسُل تُبتلى ثم تكون لهم العاقبة.
_ القصّة توحي بدرسٍ كبير، وهو أنّ معيار الأمة في حدود الإنتماء هو “الدّين والعقيدة” وليس البُعد الجغرافي، ولذلك يأتي شرف الإنتماء إلى السلسلة الذّهبية للأنبياء والرّسل، وأنّنا أحقّ الأمم بهم، وأن خيط الوفاء وحبل الولاء ممتدٌّ إليهم مهما بَعّد بيننا “الزّمان” وطغى علينا “المكان”، وأنّ العلاقة الإيمانية والأخوّة الدينية تقفز فوق الولاءات الحزبية أو المذهبية أو العرقية أو الجغرافية..
_ إنّ صيام يوم عاشور – موافقةً لليهود – هو درسٌ أخلاقيٌّ للتسامح الديني، وخطوةٌ سياسيةٌ عمليةٌ للتعايش السّلمي، وهي التفاتةٌ تشريعيةٌ لتأليف قلوب “اليهود” للقواسم المشتركة للإيمان بهذا “الدّين الجديد”، وهم الذين يعرفون محمدًا صلى الله عليه وسلّم كما يعرفون أبناءَهم، ويعلمون أنّه الحقّ من ربّهم، ولكنْ جحدوا به “حسَدًا من عند أنفسِهم”، فكانت “المفاصلة” و”المخالفة” في “عاشور”، فقال صلى الله عليه وسلّم: “لئنْ عِشْت إلى عامٍ قابلٍ لأصومنّ تاسوعاء.”، وهي كذلك انسجامٌ مع تشريع ربّانيٍّ قرآنيٍّ في تحويل القِبلة من “المسجد الأقصى” موافقةً لليهود إلى “المسجد الحرام” تميّزا لهذه الأمّة عنهم. وهو ما يُحِيلنا إلى “حتمية الإستقلالية” و”ضرورة السّيادة” و”واجب التميّز عن الآخر”، ومن ذلك: اعتماد التأريخ الهجري في المنهج العُمري لاستكمال السيادة للدولة الإسلامية. لابد لهذه الأمّة أنْ يكون لها “لونٌ وطُعمٌ ورائحةٌ وتميّزٌ”، “صبغة الله، ومَنْ أحسن من الله صبغة، ونحن له عابدون.”(البقرة: 138).
إنّ هذه المفاصلة أوْصَلت الحسَّ التشريعيَّ إلى جعل صيام هذا اليوم يأخذ بُعدًا مؤكّدًا في الاحتياط له، فجعلوا أعلى مراتبه هو صيام ثلاثة أيامٍ للاحتياط، كما ورد في مسند الإمام أحمد: “صوموا يوما قبله ويوما بعده.”، وهو ما سيرفع الحرج عند الاختلاف بين المطالع في رؤية الهلال، وإثبات رأس السّنة الهجرية ويوم عاشوراء.

تعليق