هذا المقال كتبته سنة: 2012م بمناسبة الإنتخابات التشريعية، ضمن سلسلة من المواضيع، في كتيب لم يطبع تحت عنوان: “من فقه السياسة في الإسلام”، لما كنت إماما أستاذا بمسجد عمر بن الخطاب بعاصمة ولاية جيجل، وهو يتناول الموضوع من وجهة نظر شرعية، وليس من زاوية نظر سياسية، إذ يناقش المسألة نقاشا علميا لمن يرى بأن الإنتخابات بدعة محرمة، فيضعها في دائرة “الكفر والإيمان”، ولا يتناول المسألة من زاوية اجتهاد سياسي بشري، والذي يضعها في دائرة “الصواب والخطأ”..
ولذلك بدأت مقدمة الموضوع بقولي: هناك من يعتبر الإنتخابات من الفتن التي أطلت علينا في آخر الزمان، ومن المصائب التي عمت بها البلوى، ومن الشرور التي وفدت إلينا من الغرب، انطلاقا من الاعتقاد بأن النظام الديمقراطي هو تشبه بالكفار وتقليد أعمى لهم، قد أفرز لنا الحزبية الضيقة، التي فرقت الأمة شيعا “كل حزب بما لديهم فرحون.”(المؤمنون: 53)، تسوي بين الحق والباطل بحسب رأي الأغلبية، وتضيع الولاء والبراء للأمة، وتورث العداوة والبغضاء والعصبية، وهي من المحدثات التي لم تكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في زمن الصحابة رضوان الله عليهم..
وأن الديمقراطية تسوي بين الرجل والمرأة وبين الصالح والطالح وبين العالم والجاهل في الشهادة..
وقد بدأت الموضوع بسرد تاريخي لكيفية اختيار الخلفاء الراشدين الأربعة، كنموذج لاختيار أولي الأمر في الإسلام، لنخلص إلى نتيجة مفادها: أنه لا توجد آلية نمطية موحدة في ذلك، وأنها لم تكن توقيفية ملزمة لكل زمان ومكان، بل كانت اجتهادية تقديرية، من قبيل قوله صلى الله عليه وسلم: “أنتم أعلم بشؤون دنياكم.”..
ووقفت مع عدة اعتبارات شرعية تؤسس لرؤية مقاصدية وواقعية اتجاه “الانتخابات”، وهي:
1_ الإنتخابات نظام ضد الفوضى:
فقد جاءت الشرائع السماوية لتنظيم حياة الناس ضد الفوضى والعبثية، كما قال تعالى: “لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا.”(المائدة: 48)، وأرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى آلية من آليات ذلك، ولو في شأن دنيوي عابر وهو السفر، ولو بين جماعة قليلة – فما بالك بشعب وأمة – فقال: “إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا عليهم أحدهم.”، قال الإمام الخطابي في شرحه لهذا الحديث: (إنما أمر بذلك ليكون أمرهم جميعا، ولا يتفرق بهم الرأي، ولا يقع بينهم الاختلاف.).
وتنظيم حياة المسلمين واجب شرعا من باب أولى، وأن انعدام هذا الرباط الذي يجمع بين الراعي بالرعية صورة من صور الفوضى، ومظهر من مظاهر الجاهلية، فقال صلى الله عليه وسلم: “من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية.”..
والانتخابات المعاصرة هي آلية من الآليات المتاحة والمباحة في تنظيم حياة الناس، وهي وسيلة من الوسائل المقدور عليها في اختيار أولي الأمر في الإسلام، وهو من أعظم واجبات الدين، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (يجب أن يعلم أن ولاية الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين ولا للدنيا إلا بها..).
2_ الإنتخابات نوع من أنواع الشهادة:
إذا كان اختيار أولي الأمر من أعظم واجبات الدين، فإن انتخابهم نوع من أنواع الشهادة والتزكية لهم، وقد ندبنا الله تعالى إلى أدائها – وخاصة إذا طلبت منا – لما في تركها من ضياع الحقوق والتسوية بين الحق والباطل، فقال تعالى: “ولا تكتموا الشهادة، ومن يكتمها فإنه آثم قلبه..”(البقرة: 283).
قال ابن عباس رضي الله عنهما: (شهادة الزور من أكبر الكبائر، وكتمانها كذلك.)، بل قد ندبنا الإسلام إلى “الشهادة” وإن لم يطلب منا ذلك، فقال صلى الله عليه وسلم: “ألا أخبركم بخير الشهداء: الذي يأتي بالشهادة وإن لم يسألها.”.
فهي تأخذ بعدا تعبديا، وأن تعمد الخطأ فيها هي خيانة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وهو القائل: “من استعمل عاملا على المسلمين وهو يعلم أن فيهم من هو أولى بذلك منه، وأعلم بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فقد خان الله ورسوله وجميع المسلمين.”.
3_ الإنتخابات صورة من صور البيعة:
فقد شهدت التجربة الدعوية والسياسية للنبي صلى الله عليه وسلم صورا كثيرة ومختلفة من البيعة، تعددت وتجددت عبر المسيرة النبوية الشريفة، ابتداء من بيعة العقبة الأولى سنة: 11 للبعثة، وبيعة العقبة الثانية سنة: 12 للبعثة، وبيعة الرضوان سنة: 06 للهجرة..
وقد استوعبت بيعة الرجال والنساء، فرادى وجماعة، على الإمارة والجهاد ومسائل شرعية وفردية أخرى، كالبيعة على التوحيد، والسمع والطاعة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصح لكل مسلم، والبيعة على عدم النياحة للنساء .. وغيرها.
وهو ما يدل أن البيعة في الإسلام ليست ثابتة على آلية واحدة، وأنها قابلة للتغيير بحسب الحال، وأنها قد تتطور وتأخذ أشكالا عدة، وقد تنعقد على قضايا مختلفة قد تكون كلية أو جزئية..
4_ الإنتخابات آلية من آليات تطبيق مبدأ الشورى:
وهي الآلية في صناعة القرار كما جاء في التكليف الإلهي للنبي صلى الله عليه وسلم: “وشاورهم في الأمر..”(آل عمران: 159)، وهي الصفة اللازمة للمؤمنين في قوله تعالى: “..وأمرهم شورى بينهم..”(الشورى: 38).
ومع تعقد الحياة المعاصرة فإن الانتخابات إحدى آليات هذا التعبد بهذا التكليف..
ويعتقد البعض أن “الشورى” لا تكون إلا من أهل الحل والعقد، ولا شأن للعامة بها، وكأنهم لا عقل لهم ولا تكليف، ولا حرية لهم ولا اختيار، وهو نوع من التجني ومصادرة الحقوق، مع أن الآية تقول: “وشاورهم” بدون تمييز، وأن النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: “أشيروا علي أيها الناس..” لم يستثن أحدا، بل كان يفعل ذلك وهو في غنى عن رأيهم بالوحي تطييبا لقلوبهم، كما نقل الإمام القرطبي عن الحسن البصري قال: (ما أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالمشاورة لحاجة منه لرأيهم، وإنما أراد أن يعلمهم ما في المشاورة من الفضل، ولتقتدي به أمته من بعده..).
5_ الإنتخابات طريقة لمعرفة رأي الأغلبية:
ورأي الأغلبية أمر معتبر شرعا، ومن الأدلة على ذلك:
– فعله صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد، إذ كان يرى عدم الخروج من المدينة لملاقاة العدو، ورأي أغلبية الصحابة رضوان الله عليهم على خلاف ذلك، إذ قالوا: (يا رسول الله أخرج بنا إلى أعدائنا لا يرون أنا جبنا وضعفنا..)، ولا يزالون به حتى أخذ برأي الأغلبية منهم..
– قوله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما: “لو اتفقتما على رأي ما خالفتكما..”.
– قوله صلى الله عليه وسلم: “الشيطان مع الواحد، وهو من الإثنين أبعد..”.
وأن الفقهاء – قديما – كانوا يرجحون المسائل عند الاختلاف برأي الجمهور والمشهور والإجماع والعرف، وهو نوع من أنواع الأخذ برأي الأغلبية..
6_ الإنتخابات طاعة لولي الأمر وليس خروجا عنه:
يعتقد البعض أن تشكيل الأحزاب والتنافس بينها في الإنتخابات نوع من أنواع التفرقة وشق عصا الطاعة، وأنها مظهر من مظاهر التنازع والخروج عن الحاكم..
والحقيقة أن ولي الأمر هو من وضع الدستور الذي أقرته الأمة، وهو الذي سمح بتشكيل الأحزاب وتنظيم الإنتخابات، فيكون ذلك طاعة له لا خروجا عنه، وبالتالي فالذي يقاطع الاهتمام بالشأن العام هو من يخالف ولي الأمر، وأن الذي يكفر بالأحزاب يقع في أبشع صور الحزبية من حيث لا يشعر، لأن كل من تميز عن الأمة بإسم أو لباس أو شكل أو فكر فهو حزب وإن لم يتسم بذلك، فقد جاء في لسان العرب لابن منظور: (والحزب: جماعة الناس، وكل قوم تشاكلت قلوبهم وأعمالهم فهم أحزاب، وإن لم يلق بعضهم بعضا..).
7_ الإنتخابات سلوك حضاري إيجابي:
فقد أثبتت التجارب أن للانتخابات دور فعال في التغيير، إذا كانت هناك مشاركة شعبية واسعة، تعبر عن إرادة الأمة، لا تقهرها إرادة التزوير، وهي آلية جماعية للقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر العام، كما جاء في الحديث الشريف: “من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان.”.
وهذا التغيير ليس خاصا بأولي الأمر، بل عام لآحاد المسلمين، كما قال القاضي عياض عليه رحمة الله: (هذا الحديث أصل في صفة التغيير، فحق المغير أن يغير بكل وجه أمكنه زواله به: قولا كان أو فعلا..).
وأي منكر أعظم من إسقاط الخلافة وتعطيل الشريعة، وأي منكر أعظم من الاستبداد والفساد، وأي منكر أعظم من التزوير ومصادرة إرادة الشعب، وأي منكر أعظم من انتشار الفقر والبطالة وغياب العدالة الاجتماعية ونهب المال العام، وأي منكر أعظم من احتكار الثروة باسم الثورة…
ولذلك فقد تكون الانتخابات آلية لتغيير هذا المنكر، من غير يأس أو تخل عن الواجب تحت غطاء الأمر الواقع الفاسد..
فقد كلفنا بتقديم الأسباب والقيام بالواجب واستفراغ الجهد وعدم عبادة النتائج، التي هي بيد الله تعالى..
وانظر إلى قوله عز وجل: “وإذ قالت أمة منهم لما تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا، قالوا: معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون.”(الأعراف: 126).
إنها الإيجابية التي تطارد من يسب الظلام، ويخيم عليه اليأس من فساد الناس، وهو ينتبه من طرف خفي إلى ذلك الحديث النبوي الشريف: “إذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكهم..”.

إن هذا الموضوع يتناول مسألة “الإنتخابات” من الناحية العلمية المجردة، بعيدا عن أي اختزال أو إسقاط فاسد.
أما الموقف منها فهو يخضع للاجتهاد البشري في تقدير المصلحة أو المفسدة، وهو يتركز في دائرة “الخطأ والصواب” وليس في دائرة “الكفر والإيمان”.
والذي يطمأن إليه بالركون إلى الموقف الجماعي المؤسساتي وليس إلى الرأي الانطباعي الفردي..

تعليق