يحتفظ القرآن الكريم بقَصَصٍ يداعِب به التاريخ، ولكنّه ليس قَصصًا للتفكّه أو التّرف الفكري، بل للارتقاء من عالم “الأشخاص” و”الأحداث” إلى عالم “القيم” و”الأفكار”،  كما قال تعالى:”.. فاقصص القصص لعلهم يتفكّرون.” (الأعراف:176)، حتى لا يكون “الماضي” سجنا يختبئ وراء كسالى الحاضر، ليضيّعوا “فقه السّنن الإلهية” في حركة “الحياة والأحياء” فيضيع معهم المستقبل.

فيروي لنا قصّة قومٍ، خَلّد القرآن الكريم ذِكْرَهم للعبرة، أمام أمّةٍ متّصلةٍ باستشراف الماضي، متّخذةٍ له منْجما للخبرة والتجربة البشرية، فقال تعالى: “وإذْ قالت أمّةٌ منهم لِما تعِظُون قومًا اللهُ مهلِكُهم أو معذّبهم عذابا شديدا. قالوا: معذرةٌ إلى ربّكم ولعلهم يتقون.“(الأعراف:164).

 وهي قصّةُ قومٍ من “اليهود”، في قرية “أيلة” على شاطئ البحر بين مصر والمدينة، حرّم الله عليهم الحيتان يوم “السّبت”، وقد اتخذوه عطلةً للتفرّغ للعبادة، فأراده الله تعالى يوما للتدريب على قوة الإرادة وصِدْق الامتثال، فابتلاهم – اختبارًا لهم – أنْ تأتيهم حيتانُهم يوم سبتهم شُرّعا: بِيضا سِمَانا ينظرون إليها، وهي تحاورهم بهذا “الإغراء”، ويوم لا يُسبِتون لا تأتيهم ولا يقدْرِون عليها، وطال عليهم الأمد هكذا، فهاجَت مطامِعُهم وتهاوَت عزائمُهم، وتجرّأت طائفةٌ منهم – بفقه الرُّخَص وثقافة الحِيَل والتوسّع في التأويل – أنّ النّهي عن “الأكل” وليس عن “الأخذ”، فأخذت الحيتانَ يوم سبتهم لتأكلها في غيره، فنَهتْها “طائفةٌ” فلم يزدادوا إلا غَيًّا، فقالت “طائفةٌ” ساكِتةٌ، يائسة، سلبية، منكسرة: “لِما تعظون قوْمًا اللهُ مُهلِكهم أو معذّبهم عذابًا شديدًا..“، فقالت “الطائفة النّاهية”، وهي تدافع القَدَرَ بإيجابيةٍ وبمقاومةٍ سياسيةٍ سلميةٍ دائمة: “معذرةٌ إلى ربّكم ولعلّهم يتقون.“.

  والآية دليلٌ على القول بسدّ الذّرائع، وأنّ العقوبةَ أو النّجاةَ مرتبطتان بالتفاعل – إيجابا أو سلبا – مع واجب النّصيحة، وأنّ “التمايز” يقع بعد “الإعْذَار إلى الله” بواجب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، وأنّ هذا الواجبَ لا يسقط، وإنْ لم يؤدّ إلى نتيجةٍ أو استجابة.

 والحكمة من هذا “الابتلاء” أنّ بني إسرائيل “اهتزّت عقيدتُهم”، وتشوّهت شخصيتُهم “التربوية”، فضُرِبت عليهم “الذّلّة”، فأراد الله تعالى أن يربّيهم بالمواقف، ويحرّر إراداتِهم وضمائرَهم عن “شهوة الدّنيا”، والاستعلاء عن ذلّ “الاستعباد” و”الاستبداد”، ليُوَطّنوا على “الثبات” و”الصّمود”، وهي الشروطٌ “الاستباقية” لمن أرادوا النّصر والتمكين، فإذا انتصروا على أنفُسِهم انتصروا على غيرهم.

 إنّه درسٌ عمليٌّ يصرخ فينا، بأنّ القلوب الملتوية لا يردعها نصٌّ سماويٌّ ولا قانون وضعي، وأنّ القلوب المؤمنة الخاشعة الأصيلة هي التي تحرس “القانون” وتعمل به، وأنّ “الاستثمار” الحقيقي هو في رعاية “الرّوح” و”القلب” و”العقل” للإنسان بالتقوى، وليس بمجرد الاستثمار في عالم المادة والأشياء له.

 إنّ العملية التربوية التي يأخذنا بها المنهج القرآني لا تستهدف “بناء الفرد الصّالح” لذاته فقط، بل ترتقي به إلى “الفرد المصلِح” لغيره، وأنّ الخيرية لا تتوقف عند حيازة “التربية الذاتية”، بل تمتدّ إلى شرط تصديرها للآخرين.

 فالخيرية القرآنية – مثلا – لا تتوقف عند حدود قوله صلّى الله عليه وسلّم: “خيرُكم مَنْ تعلّم القرآن..“، أي: لنفسه فقط، بل يُشترط فيها امتدادها لغيره، فقال: “.. وعلّمه.” أي: لغيره.

 والدّوَلُ والشّعوب لا تنجوا من “الهلاك” و”الأزمات” بمجرّد وجود “الصّالحين” السّلبيين والجبناء، بل تحتاج إلى “المصلِحين” العاملين، الآمرين بالمعروف والنّاهين عن المنكر، الذين لا يخافون في الله لوْمةَ لائم، بمقاومةٍ سّلمية مطّردة، لا تعبد النتائج، ولا تستسلم أمام إكراهات “السّباحة ضدّ التيار”.

 قالت أمُّنا “زينب بنت جحش” رضي الله عنها: “.. يا رسول الله: أَنَهْلِكُ وفِينا الصّالحون؟ قال: نعم، إذا كثُرَ الخَبَث.“، أي: إذا وقع “التطبيع” بين “الصّالحين” و”المنكر”، واستسلموا للأمر الواقع، وتركوا واجب “الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر” يأْسًا، فلن ينفعُهم صلاحُهم لذاتهم، بل يعمُّهم الله بعقابٍ من عنده، كما جاء في سنن الترمذي أنّ النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: “وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ.”.  

 ولقد احتفظت لنا الذّاكرة القرآنية أن التكليف الإلهي في ذلك لا يتجاوز حدود الواقعية مع القدرة البشرية فقال تعالى: “فاتقوا الله ما استطعتم..“(التغابن:16)، وقال: “إنْ أريد إلا الإصلاح ما استطعت..” (هود:88)، وقال: “وأعدّوا لهم ما استطعتم..“(الأنفال:60)..

 كما احتفظ لنا التاريخ بأنّ النتائج المادّية والعددية لأهل الدّعوات قليلةٌ، وهي ليست معيارًا للنّجاح أو الإخفاق، فقال تعالى عن سيّدنا نوحٍ عليه السّلام – وقد لَبِث في قومِه “ألفَ سنة” من المعاناة إلا “خمسين عاما” من الرّاحة – ومع ذلك كان “وعاؤُه” من الأتباع ما قاله ربُّنا سبحانه: “وما آمَن معه إلا قليل..” (هود:40)، كما احتفظ لنا التاريخ بقصّة سيّدنا موسى عليه السّلام، الذي بُعث لوظيفةٍ سياسيةٍ، وهي: مقاومةُ الاستبداد الفرعوني، في ظلّ “النّظام العالمي الشّمولي القديم”، وكان “وعاؤه” من الأتباع في مواجهة ذلك ما حكاه الوحي الإلهي بذلك التّصوير القرآني: “فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ..“(يونس:83)، بل ويأتي بعضُ الأنبياء يوم القيامة كما قاله صلى الله عليه وسلّم: “يَأْتِي النَّبِيُّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلاَنِ، وَيَأْتِي النَّبِيُّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ..“، ولا يُعتبر ذلك إخفاقا دعويًّا أو تربويًّا أو سياسيًّا يُحاسبون عليه، إذ الذّمّة تبرأ باستفراغ الجُهد والقيام بالواجب والأخذ بالأسباب، أما النتائجُ وقلوبُ النّاس فهي بيد الله تعالى يهبُها لمن يشاء..

فليعذُرْنا المتشائمون، وليتفهّمنا اليائسون..

لأنّ ما نجتهد فيه من النّضال والكفاح السّلمي، وما نتحرّى فيه من الصّواب في الآراء والمواقف، يندرج ضِمن هذا الواجب من “الحضور” والفاعلية” و”الحركية” و”المشاركة” في الشّأن العام من أجل إقامة الشّهادة على النّاس، بغضّ النّظر عن النتائج المادّية الخادعة.  

 وإذا كان هناك مَن استبدّ به “اليأس” وأخذ به “التشاؤم”، يُحاجِجُنا بألاّ أمل مع هذه الأنظمة، ولا سبيل إلى تغيير أوضاع هذه الشّعوب، التي تتجاوز وُسْعَنا وطاقتَنا بموازين القوى الإقليمية والدّولية التي ليست في صالحنا، فإنّنا نستدعي هذه الحقيقة القرآنية: “قالوا معذرةٌ إلى ربّكم، ولعلّهم يتقون.“..

 لقد رافقتنا العناية النّبوية الشّريفة، ورسّخت فينا “الإيجابية”، التي تطارد تلك “السّلبية” العامة والقاتلة، بسبّ الظّلام بدل إشعالِ الشّموع، واليأس من صلاح النّاس بدل الأمل الواسع فيهم، فقال: “مَن قال هلَك النّاسُ فهو أهلَكهم.“، أي فهو السّبب في هلاكهم، إذ الواجب يقتضي أنْ يأخذ بأيديهم إلى الخير: قولاً وعملاً وحالاً، ولو بالدّعاء لهم لا عليهم.

  وفي روايةٍ أخرى: “فهو أهلكُهم.” أي أشدُّ هلاكا منهم، بهذه الرّوح الانهزامية والتّشاؤمية.

تعليق