توالت الاعترافات الرسمية بصعوبة الوضع المالي والاقتصادي للبلاد. بعد أن كان جميعهم يخفون الحقيقة عن الجزائريين أملا في ارتفاع أسعار النفط من جديد لكي يقدروا على استمرار التغليط وتغليف عقول الجزائريين بالأوهام في الوقت الذي يستمر فيه الفاسدون في النهب والسرقة والصفقات المغشوشة ها هم الآن جميعهم يقرون بأن أوضاعنا تسير بسرعة نحو آفاق مخيفة. ها هو بنك الجزائر يعلن عن خسران 20 مليار دولار من احتياطي الصرف خلال 90 يوما، وتعمق عجز الميزان التجاري 4,2 مليار دولار، وتعمق عجز الحساب الجاري ليصل إلى 7.78 مليار دولار،  وسجل ميزان المدفوعات بتراجع قدره 10.72 مليار دولار، وعرفت قيمة تراجع الدينار 11 بالمائة مقابل الدولار الأمريكي، ولأننا لا ننتج شئيا في بلادنا نبيعه من غير المحروقات فإن رقم ازدياد الصادرات خارج المحروقات رقم مهمل، ولأننا نشتري كل احتياجاتنا من الخارج، لم تقدر الحكومة على تقليص الواردات إلا بمقدار 8.4 بالمائة بما لم يؤثر على التوازنات الكبرى. معنى هذا الكلام بالنسبة لغير المتخصصين وغير المتابعين أن الجزائر تسير نحو الإفلاس لا قدر الله بسرعة أكثر مما كنا نتوقع، وأن شراء السلم الاجتماعي أصبح غير ممكن، وأننا متجهون نحو تقشف قاس على الشعب الجزائري، وأن الجزائريين الذين عاشوا في الوهم لمدة طويلة سيجدون أنفسهم في دوامة خطيرة لا أريد أن أصفها، وأننا سنكون عندئذ جميعا خاسرون.

قبل أن أوجه نداء خاصا بالمناسبة، أطلب من الجميع أن يتخلى عن كبريائه وأن يقف وقفة تقدير وأن يرفع القبعة احتراما لحركة مجتمع السلم التي كانت الحزب الوحيد الذي استشرف هذا الوضع وحذر منذ سنتين من سوء العواقب وكشف الحقيقة بالأرقام للرأي العام، ليكرر هذا الحزب تميزه بالاستشراف المستقبلي كما كان الحال في التسعينيات. أثناء تنبيهنا لهذا الوضع منذ سنتين كان بعض الأطراف السياسية لا يهمهم إلا الكرسي، بالتشبث به أو التسارع إليه، وكان بعض السياسيين والإطارات الحزبية يستغربون حديثنا وكأننا نتكلم بلغة من كون آخر، وكان بعض المسؤولين والمتصلين بهم يتهموننا بأننا نسود صورة الجزائر. على هؤلاء جميعا أن يتواضعوا ويرفعوا القبعة، ومن شك في ذلك وتنكر له فأخبره بأن من المشاريع الاستراتيجية التي نحقق فيها نجاحا مشروع ” الأرشيف” للمحافظة على الذاكرة وتنظيم كل شاردة وواردة مما نقوله ونفعله وما يقوله غيرنا ويفعلونه.

وبعد هذا أدعو السلطات الرسمية للتعقل وقبول مبادرة المعارضة المجتمعة والموحدة قبل فوات الأوان، فهي معارضة راشدة عاقلة صاحبة مشروع، وأدعو نفسي وحزبي وجميع الأحزاب والشخصيات السياسية والوطنية إلى الابتعاد عن الأنانيات الحزبية والشخصية وإعطاء الأولوية لما يخدم البلد وأهله وتكثيف الحوار والتعاون للضغط السلمي على النظام السياسي لكي يتجاوب مع مطالب التغيير والإصلاح حتى لا نغرق جميعا. إن الجزائر مهددة أيها الناس بالانقسام، والأمر لا يتعلق بغرداية فقط كما يعتقد البعض. إنه لا يزال عندنا الوقت لتفويت الفرصة على الكيد الخارجي برص الصف الداخلي. إن الكيد الخارجي له أدوات كثيرة وأخطرها الوصول بالأنظمة التي تحكم البلدان التي يراد تقسيمها والسيطرة عليها لتكون أنظمة فاشلة فتكون الدولة فاشلة… لا تتركوا النظام السياسي ولا أي كان يجعل دولتكم دولة فاشلة. لا يزال الوقت، اعملوا، اعملوا، اعملوا.

د.عبد الرزاق مقري

تعليق