من أجمل ما قرأت لفضيلة الشيخ: محمد الغزالي – عليه رحمة الله كتاب: “جدّد حياتك”، وهو عبارةٌ عن مقارنةٍ بين تعاليم الإسلام كما وصَلت إلينا، وبين أصدق وأنظف ما وصلت إليه الحضارة المعاصرة في أدب النّفس والسّلوك، وأنّ روعة التقارب وصدق التطابق بينهما يبعث على الإعجاب والفخر.

 وهو عبارةٌ عن ردٍّ لكتاب: “دَعِ القلق وابدأ الحياة” للعلامة الأمريكي “ديل كارنيجي” إلى أصوله الإسلامية، وهو الذي لا يفقه من ديننا شيئا، ولكنّ خلاصات تجارب الفلاسفة والمربين أثبتت صدق ذلك التوافق، لينسجم “وحي التجربة” مع “وحي السّماء”، تناغمًا مع قوله تعالى: سنريهم آياتِنا في الآفاق وفي أنفسِهم حتى يتبيّن لهم أنّه الحقّ(فُصّلت: 53).

ذلك أنّ الانحطاط الفكري في البلاد الإسلامية يثير اللّوعة، وأنّ اليقظة العقلية في البلاد الغربية يثير الدّهشة، وما هي إلا صدى لتلك الفطرة الإسلامية والإنسانية الصافية، فطرة الله التي فطر النّاس عليها، لا تبديل لخلق الله، ذلك الدّين القيّم..(الرّوم:30).

ومن أنْفَس فصول هذا الكتاب المُمْتع عنوان: حياتك من صُنع أفكارك.

يقول ديل كارنيجي: “إنّ أفكارنا هي التي تصنعنا، واتجاهنا الذّهني هو العامل الأوّل في تقرير مصايرنا..”، لأنّ قيمة العمل وصاحبه ترتبط ارتباطا وثيقا بحقيقة الأفكار التي تهيمن على ذهنه، وتستبدّ بالمشاعر التي تختلج في نفسه، كما قال امبراطورٌ روماني: “إنّ حياتنا من صُنع أفكارنا.”.

 ولعلّ هذه المعاني الإنسانية التي اهتدى إليها هؤلاء “العقلاء” تنسجم مع جزءٍ من التصوّر الإسلامي لهذه الحقيقة، فقد أراد النبيُّ صلى الله عليه وسلّم أن يبرمج “مريضًا” برمجةً عقلية على المعاني الإيجابية في التعاطي مع “المرض”، وهو جزءٌ من “الاعتقاد في الشّفاء” وهو “نصف العلاج”، ومن سنّته صلى الله عليه وسلّم: “التفاؤل بالخير”، حتى يتمّ استدعاءه من “عالم الأفكار النظرية” إلى “حياة الإنسان الواقعية”، فقد جاء في صحيح البخاري أنّ النبي صلى الله عليه وسلّم عَادَ أعرابيًّا وهو يتلوّى من شدّة الحُمّى، فقال له – مواسيًّا ومنتشلا لمعنوياته – : طهورٌ إنْ شاء الله، لا بأس عليك”، وهو دعاءٌ له بالشفاء، وتفكيرٌ إيجابي اتجاه المرض، فقال الأعرابي: “بل هي حُمّى تفور، على شيخٍ كبير، لتُورِده القبور. فقال صلى الله عليه وسلّم: “فهي إذًا.”، فما أمْسى من الغد إلا ميّتا.  

وقيل أنّه صلى الله عليه وسلّم عَلِم بذلك من جواب الأعرابي، إذ يرجع ذلك إلى الاعتبار الشّخصي، كما قال: “فمن رضِيَ فله الرّضا، ومَن سخِط فعليه السّخط”.

وهو ما رآه كذلك “المتنبّي” إذْ يقول:    

وما الخوف إلاّ ما تخوّفه الفتى *** وما الأمْنُ إلاّ ما رآه الفتى أمْنا

وهي الحقيقة القرآنية التي تُرجِع أصل التغيير في الحياة إلى أعماق النّفس البشرية، وأنّ شيئا لن يتغيّر في واقع النّاس حتى يغيّروا الحالة النّفسية المصاحِبة، فقال تعالى: “إنّ الله لا يُغيّر ما بقومٍ حتى يُغيّروا ما بأنفُسِهم”(الرّعد:11)، وذلك بمراقبة سريرتهم، فتكون مشيئة الله تعالى النّافذة فيهم مترتّبةٌ على مشيئتهم وِفق ما يستقرّ في أعماقهم من أحوالٍ ومشاعرٍ وأفكار. 

وانظر إلى تغيّر التعامل الإلهي مع العبد بالثواب والجزاء، بناءً على تغيّر أفكاره ونظرته إلى نفس العمل، فقال تعالى عن صورةٍ مشرقةٍ من أصحاب الأفكار الإيجابية: ومِن الأعراب مَن يؤمن بالله واليوم الآخر، ويتّخذ ما يُنفق قُرباتٍ عند الله وصلوات الرّسول، ألا إنها قُربةٌ لهم(التوبة:98، 99).

ولكنّه وبمجرّد أنْ تقلِب تلك الصورة المشرقة بحالةٍ نفسية سيّئةٍ وتفكيرٍ سلبيٍّ، يتحوّل نفسُ الفعل إلى عاقبةٍ سوداء ونتيجةٍ مُقْرفة، فقال تعالى عن صنفٍ آخر: ومِن الأعراب مَن يتّخذ ما يُنفِق مَغْرَمًا، ويتربّص بكم الدوائر، عليهم دائرة السّوء..(الرّعد:98).

ذلك أنّ الأحوال النّفسية والأفكار الإيجابية تصنع من أشكال الأعمال البسيطة إنجازاتٍ ضخمة، تليق بحالة الرّوح المعنوية العالية، التي تُماثل الارتفاع عن الأرض فتتغيّر الأشكال والأحجام، بما يوسّع النّظر إليها وتكتمل الصورة بالأفق الأرحب، وهي نفسُها زاوية النّظر في الجانب المعنوي، عندما يرتقي الإنسان في مدراج الصّالحين من السّمو الفكري والكمال الخُلُقي، يرى الكون والإنسان والحياة أجمل وأوسع، شعاره وهو يستمتع بالمكاره ويهْزأ بالصعاب ويسْخر من التحدّيات، ويقول وهو “يصنع من الليمونة الحامضة شرابا حُلْوَا”: (إنّ قتلي شهادة، وسجني خُلوة، ونفيي سياحة.)، لأنه موقِنٌ أنّ السّعادة تنبع من أعماق الذات وأغوار النّفس، وهي لا تُباع ولا تُشترى في الصيدليات، تصل بصاحبها إلى ذلك الزّهو، فيقول: (نحن في لذّةٍ لو علِم بها المُلوك لقاتلونا عليها بالسيوف.).

 ما أجمل ما قيل: (كُنْ جميلاً ترى الوجود جميلا)، وما تلك الأحوال الخيّرة التي تتفاعل داخل ضمير الإنسان إلا عنوانٌ عريضٌ لذلك الخير الهادِر الذي سيسوقه الله تعالى للعبد، وهو يعيش بذلك الأمل، ويتفاعل مع الحياة بروحٍ إيجابية، كما قال تعالى: ..إنْ يعلَم الله في قلوبِكم خيرًا يؤتكم خيرا..(الأنفال:70)، فيتّضح – حقيقةً – أنّ حياتنا اليومية ما هي إلا انعكاسٌ طبيعيٌّ لنيّاتِنا وأفكارِنا وأصواتِنا الداخلية، وأنّ اللّوحة الفنية الجميلة لواقعنا يمكن نسج خيوطها في عالم أفكارنا.

وما أصدق ما هدَى إليه الوحي الإلهي، بتقرير حقيقةٍ رائعة في التعامل الرّباني مع العبد المؤمن، وهو الذي يعتقد الإرادة الكاملة والقوّة المطلقة في الله تعالى، الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فيقول سبحانه في الحديث القدسيّ الجليل، وهو يغرِينا بحُسن الظنّ به: “أنا عند حُسن ظنّ عبدي بي، فليظنّ بي ما يشاء..”، وفي رواية: “أنا عند ظنّ عبدي بي، فإن ظنّ خيرًا فله، وإن ظنّ شرًّا فله.”، وهي ثمرة المعرفة الحقيقية به عزّ وجل.

وقد اختطف “شاعرٌ” ذلك المعنى الدقيق في حُسن الظنّ بالله، حتى رآه واقعًا جميلا، فقال:

وإنّي لأرجو الله حتى كأنّما *** أرَى بجميلِ الظنّ ما اللهُ صانع

إنّه لا يخفى ما للرّوح المعنوية من أثرٍ سِحريٍّ في التضحية والإنجاز والعطاء، ولقد كانت العناية الإلهية ترافق الصحابة رضوان الله عليهم في أحْلك الظروف لتنتشلهم من وَطْأة الحصار النّفسي وقسوة اختلال موازين القوّة ضدّهم، وكان من تلك العناية الإلهية ما تراه العين وما يُخيّل إليها في المعركة من أفكار، وما يترتّب عن ذلك من الحالة النّفسية الإيجابية التي تساعد على الثبات ومواصلة الصّراع، وخاصّة بالنسبة للقيادة، فقال تعالى عن تلك اللوحة النّفسية التي يرسمها الخيال والفكر بتدخّل القدرة الإلهية التي تعمل في الخفاء: إذْ يُرِيكَهم الله في منامِك قليلا، ولو أرَاكَهم كثيرًا لفشِلْتم ولتنازعتُم في الأمر، ولكنّ الله سلّم..(الأنفال:43)، وهو من التدبير الإلهي، الذي علِم فيهم الصّدق والإخلاص، ما كان سببًا في جرأتهم النِّزال وقوّتهم في الحق.

وهي لمسةٌ إلهيةٌ من النِّعم المعنوية التي تترجم – فعلاً – مقولة: إنّ حياتَنا من صُنع أفكارنا .

تعليق