أثار  قرار مجلس الشورى الوطني للحركة بالمشاركة في الانتخابات التشريعية القادمة: 2017م، نقاشا حادّا حول طبيعة المشروع التغييري لها، وهي التي قطعت أشواطا في المفاصلة بين “خيار المشاركة في الحكومة” وبين “خيار المعارضة” والتمايز بينهما، عبر تركيز الخطاب وتعزيز الموقع السّياسي الجديد في المعارضة.

فبيْن المنهج السّياسي الإصلاحي وبين المنهج الجذري الثوري، ينتظر البعض من الحركة – خطاً – توجّهاتٍ راديكالية تتّجه نحو المقاطعة والعصيان المدني وركوب موجة أيّ ثورةٍ شعبية، أمام ترهّل مؤسسات الدّولة، وحالة الإخفاق والإفلاس، التي تُنْذِر بانهياراتٍ اجتماعية، وتصاعد موجةِ احتجاجاتٍ شعبيةٍ واسعة، وتحوّلها إلى أزمةٍ أمنية وسياسية، تكون المواجهة فيها بين “السّلطة” و”الشّعب”، فيشتغل الزّمن لصالح المعارضة.

وأنّ المسار السّياسي عبر الآلية الدّيمقراطية بواسطة المشاركة في الانتخابات: مسارٌ عبثي، لا يطيل إلا في عُمْر النّظام، وهو ما يدفعنا إلى الحديث عن طبيعة المنهج التغييري الذي نؤمن به.

*) منهج المشاركة:

لقد تبنّت الحركةُ منهجَ المشاركة السّياسية (وهو أوسع من مجرد اختزاله في المشاركة في الحكومة)، وهو يعني الانخراط في الاهتمام بالشّأن العام، والمشاركة في الحياة السّياسية عبر التأسيس الرّسمي للحزب، والخروج من السّرية إلى العلنية، والمشاركة في الانتخابات كآليةٍ للوصول إلى الحُكم، والمشاركة في المجالس المنتخبة والهيئات التنفيذية ومؤسسات الدولة.

وتأكّدت حتمية ذلك مع “المحنة” التي مرّت بها البلاد سنوات التسعينات – بعد تصاعد موجات “العنف والتطرّف” و”الخيارات الإستئصالية والصدامية”- لتحقيق جملةٍ من الأهداف الاستراتيجية مثل: المحافظة على الوحدة الوطنية المهدّدة بالتقسيم، والمحافظة على الدولة الجزائرية عبر إعادة المسار الانتخابي لمؤسساتها ولو كانت معطوبة الشرعية، إذْ هي أفضل من عدم وجودها أصلا، وحقن الدّماء والتمكين للمصالحة الوطنية، والمحفاظة على صورة الإسلام والحركة الإسلامية من العنف والإرهاب، والتحالف مع التيار الوطني المحافظ داخل مؤسسات الدولة، والحفاظ على الهوّية والثوابت الوطنية، وانتشالها من حالة الإستفراد العلماني الإستئصالي.

كما كانت لها أهدافٌ سياسية: كطرح نفسها كبديلٍ وسطيٍّ لحالة الإستقطاب بين طرفي الصّراع الدّموي، واكتساب الخبرة والتجربة السّياسية لإطارات الحركة داخل مؤسسات الدولة، وترجيح موازين القوة لصالح الإصلاح والتغيير من داخل السّلطة..

وهو “منهج المشاركة” الذي تركنا عليه فضيلة الشيخ الرئيس المؤسّس محفوظ نحناح – عليه رحمة الله، ولا زلنا أوفياء له، إذْ أنّ “خيار المشاركة” يعني في ذلك الوقت: “الخيار السّياسي السّلمي” في التغيير وحلّ الأزمة، وليس مجرد “التواجد في الحكومة“، وهو يقابل “خيار العنف“، الذي يمثّل خيار التغيير الثوري الجذري والشّامل، ورفعت الحركة شعار: “نحن ضدّ العنف من أجل الوصول إلى السّلطة أو من أجل البقاء فيها.“.

 وبالرّغم من تواجد الحركة في الحكومات المتعاقبة إلا أنّها كانت تلعب دورَ المعارضة الإيجابية، ويتجلّى ذلك في مواقفها من القضايا العادلة للأمّة، واستهداف الهوية والثوابت، ومشاركاتها في الانتخابات منفردةً عن حزبي السّلطة، ومواقفها من مشاريع القوانين داخل البرلمان، ومبادراتها السّياسية ضدّ الفساد، حتى كان يُقال عنها أنّ: لها رِجلاً في السّلطة ورِجْلاً في المعارضة.

وقد نصّت لائحة السياسة العامة للحركة، المصادق عليها في المؤتمر الخامس في ماي: 2013م، ضمن التوجّه السّياسي العام، والرؤية الإصلاحية للجزائر المنشودة: “حركة مجتمع السّلم  حركةٌ سياسيةٌ شعبيةٌ إصلاحية شاملة، تعتمد على منهجٍ تغييريٍّ سلميّ وسطيّ معتدل، يستهدف بناء الفرد والأسرة والمجتمع، وتشارك في العملية السياسية من أجل استكمال بناء الدولة الجزائرية الديمقراطية الاجتماعية ذات السّيادة في إطار المبادئ الإسلامية، من خلال التداول السّلمي على السّلطة، بالوسائل الديمقراطية.“.

*) نحن لسنا في حالة “صدامٍ مع النّظام” أو في حالة “صراعٍ عدميٍّ مع السّلطة”، بل في حالة “معارضةٍ سياسية” سلميةٍ لها؟  

يُعتبر “خيار المشاركة في الحكومة” أو “خيار المعارضة” السّياسية من القضايا الاجتهادية التقديرية البشرية، وهي ليست خياراتٌ استراتيجية دائمة، إذْ تخضع إلى جملةٍ من أنواعٍ من الفقه، مثل: “فقه الموازنات” و”فقه الأولويات” و”فقه الواقع” و”فقه المقاصد”، وفق معطيات كلّ مرحلة، وهي لا تخضع إلى النّصوص: قطعية الثبوت وقطعية الدّلالة، بل إلى القواعد العامة والمقاصد الكلّية للشريعة الإسلامية في تحقيق المصلحة ودفع المفسدة.

ويُحتكم فيها في صناعة القرار واتخاذه، وفي تقدير الموقف وتبنّيه إلى آلية “الشورى”، استجابةً لقوله تعالى للنبي صلّى الله عليه وسلّم في المسائل الظّنية والاجتهادية، والتي لم يردْ فيها نصٌّ صحيحٌ أو صريحٌ: “وشاوِرهم في الأمر“(آل عمران:159).

وهي تنتمي إلى دائرة “الخطأ والصّواب” وليس إلى دائرة “الحقّ والباطل“، ولا يُحْرم صاحبُها من: الأجر، مثل الاجتهاد السياسي للحاكم، كما ورَد في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم: “إنّ الحاكم إذا اجتهد وأصاب فله أجران، وإذا اجتهد وأخطأ فله أجرٌ واحد.“.

ومن المغالطات: اعتبار “خيار المعارضة” مقابلا لـ: “خيار المشاركة“، إذْ لا يقابل – وفق الأدبيات السّياسية الحالية للحركة – إلاّ “خيار الموالاة” للحكومة، وأنّ التأسيس لموقع المعارضة، الذي تبنّته مؤسسات الحركة (مجلس الشورى الوطني بفكّ الارتباط عن التحالف الرئاسي، وقرار عدم المشاركة في الحكومة سنة: 2012م)، ثمّ التأكيد على ذلك في المؤتمر الخامس سنة:2013م، والذي أكّد على القاعدة العلمية والسّياسية المنطقية للموقع السّياسي للحركة في الحكومة أو في المعارضة، والذي تحدّده نتائج الانتخابات، فجاء في لائحة السّياسة العامة كذلك: (ترى الحركة أنّ معيار المشاركة في الحكومة أو اختيار موقع المعارضة، تتحكّم فيه نتائج العملية السّياسية والظروف المحيطة بها، والحركة في كلِّ الحالات تتصرّف ضمن منطلقاتها ومبادئها، وتقدير المصالح والمفاسد، في إطار استقلالية قرارها، وتميّز مواقفها، وما تقدّره مؤسساتها التنفيذية، وتقرّره هيئاتُها الشّورية.).  

 إنّنا “حركةٌ إصلاحية” ولسنا “حركةٌ ثورية”، إذْ ننتمي إلى منهج الأنبياء في “الإصلاح والتغيير”، كما قال تعالى على لسان سيّدنا شعيب عليه السلام: “إنْ أريد إلا الإصلاح ما استطعت..“(هود:88)، وهو لا يعني الحلّ الجذري الثوري والشّامل، بل “إصلاح” ما هو موجود مع الإبقاء عليه، ولا يكون ذلك إلا في حدود “الاستطاعة” الممكنة.

 وقال صلى الله عليه وسلّم:” إنّما بُعثت لأتمّم مكارم الأخلاق.“، فهو يبْنِي على ما هو موجود من القيم والأخلاق، ولو في بيئةٍ جاهليةٍ مشركة، فما بالنا في الواقع المسلم، إذ لا ندعو الناس للدخول في الإسلام بل إلى ترشيد تديّنِهم، كما لا ندّعي استئناف الحياة الإسلامية من جديد على أنقاض الآخرين، وفق منهج إخوة يوسف عليه السّلام، إذْ قالوا:”اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ“(يوسف:09).

تعليق