جُبِل الإنسان على تمثّل شخصيةٍ مثاليةٍ تُغرِي بالاتباع والقدوة، لأنّها المُلْهِمةُ والآخذةُ بلُبّه في الحياة.

وتلبيةً لهذه الحاجة الفطرية اللازمة، فقد تكفّلت العناية الإلهية برسم صورة “الإنسان الأنموذج المعياري“، بتلك الصفات المثالية الواقعية، التي مثّلت قمّة السّمو الرّوحي والرّفعة الخُلُقية والرّحابة الفكرية، والتي تجسّدت في رسول الله صلى الله عليه وسلّم، إذْ اجتمع فيه ما تفرّق في غيره، وأصبح كلُّ مكلَّفٍ بقوله تعالى: “لقد كان لكم في رسول الله إسْوَةٌ حسنة..“(الأحزاب:21) له نصيبٌ من الاقتداء به، مهما كان بُعده الزّماني والمكاني.

ومهما اجتهد البُلغاء والشعراء في وصفه، فلن يصلوا إلى تلك القمّة السّامقة للبلاغة القرآنية في استيعاب وصفه وتصوير أنموذجه الواقعي، بأدقّ الأوصاف وأرقّ العبارات وألطف الصّور الفنّية في رسم كتلته الجمالية.

 وهي حصيلةٌ لذلك الإعداد الرّباني لشخصيته القيادية الاستيعابية، التي صِيغت بعنايةٍ إلهيةٍ فائقة.

ومن أجمل ما ألبَسَه القرآنُ الكريم من الصّفات، ما قاله تعالى عنه في آخر سورة التوبة: “لقد جاءَكم رسولٌ من أنفسِكم، عزيزٌ عليه ما عَنِتْم، حريصٌ عليكم، بالمؤمنين رؤوفٌ رحيم.”(التوبة:128).

  وهي من الآيات التي جاءت لتشديد التركيز على صورة الجلال والجمال والكمال البشري له “صلى الله عليه وسلّم“، ضمن تلك اللوحة الفنية الجميلة التي يسعى التصويرُ القرآني التسلّل بها إلى أعماق النّفس البشرية حتى تلامس فطرتها السليمة فتتعلّق بهذا العطاء الإلهي، الذي تجلّت مظاهره الواقعية في عطاءات النبوّة الإنسانية الرّاقية.

 وسياق الآية الكريمة يتّجه بالخطاب إلى المشركين، الذين غلّظ عليهم القول والفعل في بدايات السّورة، ليأتي التذييل بهذه الآية الرّقيقة وبهذه المعاني اللطيفة، لتؤكّد أنّ تلك “الغِلظة” هي من صميم “الرّحمة بهم”، وأنّ معنى تلك “القسوة” لا يستقيم مع الكُرْه لهم أو الانتقام منهم، كعدم استقامة العملية الجراحية المؤلمة من الطبيب في علاجهم.

وأنّ التعبير القرآني البليغ في قوله: “..من أنفسِكم.” أكثر إحساسا وأعمق تأثيرا في النّفس، إذْ هو تعبيرٌ عن صلة النّفس بالنّفس، وارتباط القلب بالقلب، وانسجام الرّوح مع الرّوح، وهو جزءٌ لا يتجزّأ من الذّات، فهو منكم: تعرفون حسَبَه ونسَبَه وصِدْقَه وأمانته.

 والحِرْص: هو غاية الرّغبة في الحصول على المفقود، وشدّة العناية بالحفاظ على الموجود.

 وقد تكرّرت هذه الصّفة القرآنية، كصفةٍ قياديةٍ بارزة فيه “صلّى الله عليه وسلّم“، مثل قوله تعالى: “إنْ تحْرِص على هُدَاهم..“(النّحل:37)، وقوله: “وما أكثرُ النّاس ولو حرَصَت بمؤمنين.”(يوسف:103)، وهي تتجاوز الصفة القيادية في مجرد الحرص على أبناء الصّفّ الدّاخلي فقط، بل تتعدّاها إلى فُيُوضاتِ “النّفس الكبيرةٍ” و”العاطفة الجيّاشة” التي تستوعب الدّائرة الأوسَع من الغير.

*) من العطاءات القيادية للنّبوّة: الحِرص على أبناء الصّف:

  وهم مَن خصّهم الله تعالى بوجوهٍ من التوفيق والاستقامة، وهي لا تعني الصّفة الملائكية فيهم أو الصّورة المثالية لهم، لطغيان صفة القصور البشري التي تلاحقهم، وهو ما يتطلّب المرافقة التربوية لمعالجتهم، والصّفة القيادية الجميلة من “الحرص” حتى تستوعبهم، وهي من ضريبة “القيادة” التي يجب أنْ تتحمّلها.

فلطالما كانت هناك مرافقةٌ قرآنيةٌ للجماعة المؤمنة، ترسم بها اللّوحةَ الجمالية لحدود العلاقة بين القيادة والجندية، وتبرّز من الصفات القيادية ما تحافظ به على هذا الكيان التنظيمي، الذي يقود مسيرة الجماعة ويضبط حركة هذا الدّين في واقع النّاس، فيقول تعالى مخاطبا تلك القيادة: “واخفِضْ جناحَك لمن اتّبعك من المؤمنين.” (الشعراء:215).

وبالرّغم من صفة “الإيمان” و”الاتّباع” فيهم إلا أنّ العناية القيادية لهم مطلوبةٌ ومعتبرة، وهي كنايةٌ عن التواضع واللّين بأبناء الصفّ، في صورةٍ حسّية مجسّمة لتلك “العاطفة الحانية” في الأنموذج الواقعي لذلك “الطائر” الذي يحرِص على حياةِ ودِفْء وقُرْب فِراخه في عُشّه.

 وبالرّغم مما يقع من بعض الأتباع من الأخطاء والتقصير، وما قد يترتّب عنها من الهزيمة والانكسار كما وقع في غزوة أحد، ومع ذلك يأتي التأكيد القرآني على هذه الصفات القيادية الاستيعابية، فيقول تعالى لنبيّه صلى الله عليه وسلّم: “فبما رحمةٍ من الله لِنْتَ لهم، ولو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضّوا من حولك..“(آل عمران:159).

فالآية تلامس جواهر النّفوس التي تنتهي بالكمال البشري إلى درجة جنس أرواح الملائكة، التي لا تنفعل بظواهر الجسمانيات الخادعة، فلا تنتقم لذاتها، ولا تنفعل تحت ضغط اللحظة الراهنة، بل تستوعب بروحانيتها العالية المواقف المحرجة، فيصبح “اللين” مع الجنود من “رحمة الله” التي أصبغها على القيادة، وأنّ “الحِدّة” و”الغِلْظة” في الأفكار والأحكام والمواقف من “قسوة القلب” التي تنتهي إلى تفرّق الأفراد ونفور النّفوس وعدم تآلف القلوب، وهي من الحقائق التصوّرية للمنهج الإسلامي، الذي تستقيم عليها الجماعة، وينشأ عليها التنظيم، وينتظم عليها العملُ الجماعي.

إنّ صفة “الحِرص” القيادية لا تتوقّف عند الحدود التنظيمية للجماعة المتمركزة على ذاتها، بل تمتدّ إلى “إشراقةٍ إنسانيةٍ واسعة”، تستوعب بذلك الفيض الواسع من النّفس الكبيرة: المخالفين في “الدّين والعقيدة”، بالحرص على استيعابهم دينيًّا، لا مجرد استيعابهم تنظيميًّا، فقال تعالى – وهو يصوّر تلك الحالة النفسية الحريصة لرسول الله صلى الله عليه وسلّم -: “فلعلّك باخِعٌ نفسَك على آثارهم إنْ لم يؤمنوا بهذا الحديث أسَفا.“(الكهف:06)، أي: فلعلّك قاتلٌ نفسَك حُزْنًا عليهم إنْ لم يؤمنوا بهذا القرآن، وأنت ترى – يقينا – مصيرَهم المحتوم إلى النّار.

 إنّ هذه الشخصية المغناطيسية القيادية تصل بتلك القوّة التأثيرية من الجذب المركزي أنْ تحرّك الكائناتِ من حولها، بتفاعلٍ كونيٍّ غريب، وبظاهرةٍ عاطفيةٍ نادرة، بصفةٍ قياديةٍ إستيعابية كبيرة.

فقد أثبت “صلى الله عليه وسلّم” تلك العلاقة العاطفية بينه وبين الجمادات، فجاء في الصّحيحين أنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم قال: “إنّ أُحُدًا جبَلٌ يحبّنا ونحبُّه.“، وقد رقَصَ يوما طرَبا بصعود رسول الله صلى الله عليه وسلّم وأبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم فوقه فارتجفَ، فقال “صلى الله عليه وسلّم” مخاطبا إيّاه مخاطبةَ الحبيبِ العاقل: “أُثبُت أُحُد ففوْقك نبيٌّ وصدّيقٌ وشهيدان.“.

إنها مناسبة المولد النبوي الشريف، التي نتعطّر من رحيقها في كلّ سنة، بعبرةٍ ممتدةٍ في شخصيته “صلى الله عليه وسلّم” التي استوعبت زوايا الكون، وجعلت العالَم العلويّ والسّفلي يتفاعل معها، ولا يسعنا معها إلا التناغم مع هذه السّمفونية العابرة لحدود الزمان والمكان، بالدعاء والمدح والثناء الدائم والخالد عليه، فقال تعالى: “إنّ الله وملائكته يصلّون على النبيِّ، يا أيها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليما.”(الأحزاب:56).

إنّها جنَبَاتُ الوجودِ التي تردّد هذا الثناء الكوني عليه، فتُشرِق أرجاؤُه بهذا النّور النبوي الشريف.

(صلى الله عليه وسلّم)

تعليق