من علامات تخلف الأمم انخراطها في الجدل الملهي عن الأهم، واشتغالها بالنقاشات العقيمة والخلافات التافهة حول قضايا هامشية لا وزن لها في ميزان دين الحق وأسباب النجاح في الدنيا. ومن ذلك المعركة الكبرى التي تطلقها طائفتان حول الاحتفال بمولد المصطفى صلى الله عليه وسلم. فرقة تجعل الاحتفال طقوسا دينية مبتدعة للتبرك واكتساب الأجر يتجه إليها حتى الفسقة والمكثرون من المعصية في سائر الأيام، وطائفة ذات جفوة وقسوة جعلت كل ابتهاج بذكرى مولد النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام بدعة منكرة يكادون يخرجون المؤمنين من الملة بسببها. ولو تُرك الأمر طبيعيا تلقائيا من هؤلاء وهؤلاء لكانت مناسبة مولد الرسول الأكرم ذكرى عادية ممتعة ونافعة يتذكر فيها الناس حبيبهم فيصلون عليه ويكون الأجر بسببب الصلاة عليه وليس بسبب احتفالهم بذكرى المولد، ولاحتفلوا بذكراه تعبيرا عن حبه والانتماء له بينهم، وإظهار التمسك بدينه أمام الأمم ومختلف الملل، وليس طلبا للأجر والثواب على ذلك ما دام لا يوجد نص في ندب الاحتفال بمولده، وإذا أراد الله أن يؤجر أحدا على ذلك وفق نيته فذلك شأنه سبحانه لا يطلع عليه أحد ولا يملك أن يغيره أحد. ولو اختار المؤمنون لأنفسهم يوما لتذكير أنفسهم بواجباتهم تجاه نبيهم وكان ذلك اليوم هو مناسبة مولده، بغرض الثبات والدوام كل سنة، وليستغلوا استعداد النفوس لاستماع الذكرى لما كان في ذلك حرج، بل قد يأجرهم الله على ذلك إن أخلصوا، لا لأنهم أقاموا برنامج الذكرى في يوم مولده ولكن بسبب الأعمال التي يوفقون إليها في البرنامج ذاته. وأما بخصوص منع  الاحتفال بالمولد، أو بعض أشكال الاحتفال، فمن مسؤولية الحاكم الشرعي وحده القيام بذلك استثنائيا إذا رأى في المنع مصلحة أو دفع مفسدة مؤكدة أو راجحة في مجالي الدين أوالدنيا أو من باب سد الذرائع في مرحلة من المراحل، كموضوع المفرقعات مثلا التي تحولت المبالغة والغلو في استعمالها إلى آفة اجتماعية تهدد سلامة الأفراد والممتلكات وتشوه صورة الإسلام ورسوله المجتبى.

إن الاحتفاء بالمصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام هو في الالتزام بحقوقه كل يوم، وإن كان من فضلٍ لذكرى مولده فهو للتذكير بهذه الحقوق ومنها: الإيمان به وبعموم رسالته للعالمين وللثقلين وختامها للرسالات إلى يوم الدين، وأن لا دين إلا هي، وصلاحها لإصلاح الدنيا والآخرة. ومن حقوقه حبه حتى يكون أحب إلينا من أنفسنا وأهلينا، واتباع سنته والتأسي بأخلاقه، ودوام الصلاة عليه وعلى آله وصحبه. ومن حقوقه تبليغ دينه والدعوة إلى الالتزام بكتاب الله وسنته، ونصرة أمته وموالاة أتباعه والشفقة على ضعفائهم ونصرة مظلومهم ونجدتهم وموالاتهم على هدى وبصيرة. ومن حقوقه الإيمان بشفاعته يوم القيامة والانتفاع بالصلاة عليه، وعدم وصفه بما يختص به الله، وعدم الاعتقاد بنفعه وضره، وتجنب الغلو في إطرائه بما يخالف الإيمان والاعتقاد الصحيح.

النصوص التي تدل على هذه الواجبات تجاه رسول الله كثيرة يمكن لأي واحد الاطلاع عليها بمجهوده الشخصي ولكن أحببت أن أذكر ببعضها طلبا للأجر والثواب لنا جميعا بحول وقوته ومنها:

قوله تعالى:

((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )) الحديد 28.

((قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ))  آل عمران 31.
((وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب )) الحشر7.

((قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله )) آل عمران31.

((لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا ۚ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا ۚ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ))   النور 63 .

((لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا )) الأحزاب21 .

(( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما )) الأحزاب56 .

((قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ۚ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ )) الأعراف 188

ومن أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم:

ـ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ)) البخاري ومسلم

ـ عن أنس بن مالك في حديث طويل منه (( …من رغب عن سنتي فليس مني)) البخاري ومسلم

ـ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)) متفق عليه
ـ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:((فإنه من صلى علي واحدة صلى الله عليه بها عشرا )) رواه مسلم.

تعليق