بقلم: أ. ناصر حمدادوش

لابد أن تتوقف نظرةُ المثالية وهالةُ القداسة على الحركة الإسلامية وقياداتها، لأنها ببساطة ليست هي: الإسلام، ولا يمكنها أن تحتكر الدّين وتؤمّم الحقيقة، ولا يمكنها أن تبلُغَ العصمة والكمال البشري، ولا يمكنها حيازة الحقّ وادّعاء الصّواب المطلق، وبالتالي: لا يمكنها أن تستعليّ عن النّقد والمراجعة. وإذا كان “الدّين” – في حدّ ذاته – وهو بحاجةٍ إلى المراجعة والتّجديد على رأس كلّ مائة سنة، كما ورد في الحديث الشريف: ”  إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا “، فإن الحركة الإسلامية – وهي لا تمثّل إلا تجربةً بشرية قاصرة، ويعتريها ما يعتري الحياة البشرية من: القوّة والضّعف ومن الخطأ والصّواب ومن النّقص والكمال- لن تكون مترفّعةً عن: المراجعة والنّقد والتقويم والتقييم.

وإذا كان صاحب الرّسالة، وذروة الكمال البشري، ومَن زكّاه الله تعالى في شخصه، وهو المؤيد بالوحي والمُسدّد به، وهو المعصوم وصاحب الرّسالة الخاتمة، ومع ذلك لم يسعه إلا الاستفادة من تجارب الآخرين بأمره تعالى: “أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده.”(الأنعام:90)، قد تعرّض إلى مراجعاتٍ قرآنيةٍ نقديّة جريئة وقاسية، كما قال تعالى مثلا:” ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم ” (القلم:48)، فإنّنا وإنْ كنّا حركةً إسلامية فهذا لا يعني أننا نحن “الدّين” نفسه فلا يجوز لأيٍّ كان المساس بنا، وكوننا نستمدّ مشروعنا من النصوص الدينية فهذا لا يعني أن اجتهاداتنا البشرية في فهمها واستنباط الأحكام منها تحوز على نفس القداسة والعصمة، وكوننا نحمل مشروعا إسلاميا فهذا ليس مبرّرا لتراجع المساحات النقدية لنا (من أنفُسنا أو من غيرنا)، فـ: “كلّ بني آدم خطّاءٌ، وخير الخطّائين التوابون.”، وقد قال عمر رضي الله عنه:” رحم الله امرىء أهدى إليّ عيوبي.”.

فهل هو قدرنا أن نلغي عقولنا ونكبّل إرادتنا ونستنسخ أخطاءنا ونتركها تمتد في خيْباتنا المتكرّرة عندما ننظر إلى النقد والمراجعة وكأنّه حطٌّ من قيمة الحركة، أو انتقاصٌ من قدْر قياداتها، أو نشرٌ لغسيلها وفضحٌ لأسرارها أمام خصومها؟؟ وهل نحن فوق مرتبة الصحابة والقرآن الكريم يعالج أخطاءهم، وهم في قمّة العطاء والتضحية والجهاد، ولا يجاملهم وهم في أخطر مراحل التدافع، ولا يبرّر لهم وهم في أشد مآزق الهزيمة في غزوة أُحُد.

فعندما تساءلوا: ” ..أنّا هذا؟..” أجابهم القرآن الكريم بكل جرأةٍ وشجاعة:”.. قل هو من عند أنفسكم.”     (آل عمران:165)، وعندما صوّرهم في مشهدٍ آخر بعد النّصر في غزوة بدر، وكشف عن خفايا أنفسهم، ونشرَها عليهم قرآنًا يُتلى إلى يوم القيامة، وقد تحرّكت الفطرة البشرية لتمدّ يدها إلى ما تحبّ من زينة الحياة الدنيا، قال تعالى عنهم – بما لم يكونوا يتوقّعونه من أنفسهم – : “.. منكم مَن يريد الدنيا ومنكم مَن يريد الآخرة ..”(آل عمران:152)، وعندما ساءت أخلاقهم وتنازعوا حول الغنائم سجّلها عليهم بكلّ صراحةٍ ووضوح فقال تعالى: “.. فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم ..” (الأنفال:1)، ويوم حنين إذ اغترّوا بالكثرة، واعتقدوا فيها الغلبة نزل القرآن الكريم منتقدًا ومحذّرا: ” وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ .”(التوبة:25)…

هل قياداتنا أسمى من الأنبياء المؤيّدين بالوحي وقد عاتبهم الله تعالى على بعض أعمالهم، وكان آخرهم الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلّم، والقرآن الكريم يقرع آذان العالم ببعض النقد والمراجعة له، فعندما اجتهد في التركيز على مستوى خطِّ السّلطة والحرص على رجالاتها وقياداتها، وانشغل بهم عن الشّعب والقواعد (ممثّلةً في الرّجل الأعمى)، نزل القرآن الكريم سريعا للتقويم والتسديد وبدون التأخير عن وقت الحاجة: ” أمّا مَن استغنى، فأنت له تصدّى، وما عليك ألاّ يزّكّى، وأما مَن جاءك يسعى، وهو يخشى، فأنت عنه تلهّى..”(عبس: 05 – 10).

كيف يمكننا أن نستفيد من أخطائنا ونحن لا نملك الشجاعة للاعتراف بها؟ وكيف يمكن أن نجوّد من أدائنا ونحن لا نخجل من التّستر على عيوبنا؟ وكيف يمكن أن نتجرّد للفكرة ونحن نصرّ على تقديس الأشخاص على حسابها؟ وكيف يمكن أن ننفتح على غيرنا ونحن نعيش داخل أسوارٍ سميكةٍ من الحزبية الضيّقة والانغلاق على الذات وعن الآخر، فلا نقبل النّصيحة ولا النّقد ولا المراجعة؟؟؟.

إنّ منهج النقد وعلم الجرح والتعديل، وجرأة العلماء على الأخذ به، والتمييز الدقيق في مسائله، والشجاعة الأدبية في تناول رجاله، مع مراعاة آدابه واستحضار شروطه، والحسّ النقدي الذي ولّد القلق الحضاري، هو الذي حفظ لنا عالم القيم في “الكتاب والسّنة”، بعيدا عن الارتكاس من عالم الأفكار إلى عالم الأحداث إلى عالم الأشياء، وكانت عباراتٌ مثل مقولة “ابن دقيق العيد” رحمه الله:” أعراض المسلمين حفرةٌ من حُفر النار، وقَفَ على شفيرها طائفتان: المحدّثون والحكام (السّياسيون).”، لم تثْنِهم عن الوقوف بحزمٍ عن قول الحقّ، ولا يخشون في الله لومة لائم، وقد قيل في قاعدةٍ ذهبية: ” شيخ الإسلام حبيبٌ إلينا، ولكنّ الحقّ أحبُّ إلينا منه..”، وقول الإمام مالك – عليه رحمة الله :” ..وكلٌّ يُؤخذ من كلامه ويُترك إلا صاحب هذا القبر ..(صلى الله عليه وسلّم).”، وهو ما جعل العلماء يدقّقون في شروط الجرح، والتي نغفل عنها في خضمِّ الأحداث والحكم عليها وعلى الأشخاص، ومنها:

_ الالتزام بآداب وشروط  مشروعية النّقد والتقويم ومنها:الأهلية والكفاءة العلمية، وتحقّق الحاجة الحقيقية لذلك، وألاّ يتجاوز التقويم مقدار الحاجة إليه: ” فالضّرورات تقدّر بقدرها “، والدّقة والمطابقة بين حقيقة الحال والإنصاف في الحكم: ” .. ولا يجرمنّكم شنئان قومٍ على ألاّ تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتّقوى..”(المائدة:08)، وألاّ تُسرد السّلبيات دون الإيجابيات، وفق قاعدة “عبد الله ابن المبارك ” في الرّجال: ” إذا غلبت محاسن الرّجل على مساوئه لم تُذكر المساوئ، وإذا غلبت المساوئ على المحاسن لم تذكر المحاسن.”.
_ التفريق بين تصرفات الأشخاص غير المعصومين: ” فكلُّ بني آدم خطّاء..”، وبين عصمة الجماعة ونُبل الفكرة وطهارة الحركة التي لا تجتمع على ضلالة، وهي كالمسافة بين الدّين الإلهي الكامل وبين التديّن البشري القاصر..

_ التمييز الدّقيق بين انتقاد تصرّفات الأشخاص وأفعالهم وبين خطورة المساس بكرامتهم الذاتية والتغوّل في خصوصياتهم الفردية (إلا المجاهرين والمصرّين) اقتداءً بقوله صلى الله عليه وسلّم:” ما بال أقوامٍ ..”، وقول سيدنا لوط عليه السلام لقومه – وقد أتوا بفاحشةٍ ما سبقهم إليها أحدٌ من العالمين -: ” إنّي لعملكم من القالين “(الشعراء:168) أي لفعلكم من المبغضين، وإلا تحوّلت المسألة إلى الهدم والتدمير هدفها التشهير والإساءة..
_  انتقادُ جانبٍ من جوانب القصور لا يعني إهالة التراب على كلّ الجوانب الإيجابية والمشرقة، ولا يعني الإلغاء الكامل للإنجازات والمكتسبات، كما لا يعني اختزال كلِّ المسألة في كبوةٍ واحدةٍ والحكم عليها من خلالها..

*) موقفنا عند “الاختلاف”:  هناك من لديه حساسيةٌ مفرطةٌ من الاختلاف، ولديه رُعبٌ مبالغٌ فيه من أيِّ اهتزاز، ولديه “فوبيا” غيرُ مبرّرةٍ من التدافع ولو كان قدراً مقدورا، فما موقفنا من كلّ هذا؟

1) رباطة الجأش عند الاختلاف: فالله تعالى يقول: “وجعلنا بعضَكم لبعضٍ فتنةً أتصبرون؟..” (الفرقان:20)، والاختلاف سُنّة كونية كما قال:” ولو شاء ربُّك لجعل النّاس أمّة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا مَن رحم ربُّك، ولذلك خلقهم.”(هود:118 ، 119)، فقد وقع الخلاف بين ملائكة الرّحمة وملائكة العذاب فيمن قتل: 100 نفس، بل ووقع الخصام بينهم كما قال تعالى: ” ما كان لي من علمٍ بالملأ الأعلى إذ يختصمون”(ص:69)، ووقع الخلاف بين الأنبياء مثل الشقيقيْن موسى وهارون عليهما السلام حتى قال له: ” فلا تشمت بي الأعداء”(الأعراف:150)، ووقع الخلاف بين الصحابة رضوان الله عليهم حتى سال بينهم الدّم، كما وقع في “معركة الجمل” سنة: 35 هـ – مثلا – وكان مع عليٍّ رضي الله عنه: 20 ألفا، ومع عائشة رضي الله عنها: 30 ألفا، وأصحاب الفتنة بينهما: 2500، ومع ذلك لا نقول إلاّ:” تلك دماءٌ طهّر الله منها أيدينا، فلا نلوّث بها ألسنتنا”، ونقول ما قاله عليٌّ رضي الله عنه: “إنِّي لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزّبير وعثمان ممن قال الله فيهم:” وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ.”. (الحجر:47).

2) وقوع الفتنة – حتى ولو وصلت إلى القتل والدّم – فهي لا تعني بالضرورة نفي الإيمان والصلاح والخير والأمل بين المُختلِفين أو المتقاتلين، والدليل على ذلك إثبات الإيمان للطائفتين المتقاتلتيْن في قوله تعالى: “وإنْ طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ..”(الحجرات:09).

3) الواجب هو السّعي بالإصلاح، والتّدخل بالخير، وعدم السّلبية والانسحابية بسبّ الظّلام، وادّعاء الصّفاء والخيرية والتميّز عنهما، قال تعالى: “.. فأصلحوا بينهما..”.

4) تحرّي الصّواب والانحياز له، وتجنّب سلبية الحياد التي يضيع معها الحق، قال تعالى:”.. فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ، فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ.”(الحجرات:09).

تعليق