قد تكون تجاربُ الوحدة التنظيمية بين الحركات الإسلامية التي تأسّست في الإطار التعدّدي التلقائي أسهلَ من مشروع الوحدة التنظيمية بين الحركات التي انقسمت على نفسها، والتي تعرّضت إلى هزّاتٍ عنيفة، طغت فيها أصواتُ الجِراح والتلاوم وتبادل التّهم وتحميل المسؤولية في الانشقاق إلى الآخر.

ومع ذلك: لا يُعقل أنْ نسجِن أنفسَنا في الماضي، ولا يُقبل أنْ نعذّب ذواتنا بالرّوابط السّلبية، ولا يُسمح أنْ نرهن مشروعنا في أخطاءِ الأمس، لنعكّر على أنفسنا صفوَ الحاضر، ونعرقلَ أشواق الانطلاق إلى المستقبل.

صحيحٌ أنه لا يمكن تجاوز ذلك، إلا أنّ النّظر في الماضي لا يُقبل إلا بمقدار ما ننتفع به – عبرةً وتجربةً – كما قال تعالى:”.. فاعتبروا يا أولي الأبصار.” (الحشر: 02)، لأنّ من أخصّ خصائص التفكير الاستراتيجي هو: استشراف الماضي، والغوص في أعماق التاريخ، وتقليب صفحات التجارب السابقة، والتبصّر بمدرسة الأيام والليالي، بما يرتقي بنا إلى عالَم الأفكار، دون الانحطاط إلى عالَم الأحداث والأشخاص، وهو ما احتفى به القرآن الكريم، إذْ كان “التاريخ” و”القصص” و”استشراف الماضي” يحتلّ مساحةً تعبيريةً واسعة، استغرقت ثلث القرآن الكريم من أجل التفكّر، وليس من أجل التفكّه والغرق في فنجان الأحداث التي طواها الزّمن، كما قال سبحانه:”.. فاقصص القصص لعلّهم يتفكّرون.” (الأعراف:176).

في مثل هذه الحدود يمكن تقليب صفحات ما حدَث، بعيدا عن التأُّوّهات المنكسرة والتحسّرات المفجوعة، التي تجدّد الأحزان وتنْكَؤ الجِراح وتدور حول المآسي الغابرة، وهو ما يكرهه الإسلام ويترفّع عنه الكبار ولا يقع في مثله إلا مرضى القلوب، كما قال تعالى عن بعضهم: “يُخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك، يقولون لو كان لنا من الأمر ما قُتِلنا ها هنا..“(آل عمران:154)، وقوله: “الذين قالوا لإخوانهم وقَعَدوا: لو أطاعونا ما قُتِلوا..“(آل عمران:168)، وهي مأساة الانكسار في غزوة أُحد، فنزلت الآياتُ القرآنية تداوي الجِراح وتلُمّ الشّمل وتعلّق عيون الصحابة بالمستقبل، وتحرّرهم من التلاوم على الماضي والبكاء على الانكسار والموتى فقال:”..لو كنتم في بيوتكم لبرَز الذين كُتِب عليهم القتل إلى مضاجهم“(آل عمران:154)، وقال لنبيّنا صلى الله عليه وسلّم:”.. فاعْفُ عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر..“(آل عمران:159).

ولذلك نقول: إنّ “أخطاء الأمس” ليست مبرّرا لعرقلة “وَحدة اليوم”، وأنّ المسؤولية عمّا حدَث مسؤوليةٌ مشتركة ولو بدرجاتٍ متفاوتة، ولم يكن أحدٌ منّا معصومًا، فلا نحن ملائكة، ولا غيرُنا شياطين.

وصدَق مَن قال: أنّ العقول الكبيرة تناقش الأفكار، والعقول المتوسّطة تناقش الأحداث، والعقول الصغيرة تناقش الأشخاص.

فلا يمكن أنْ يتوقّف تاريخ “الحركة” عند لحظةٍ زمنية جامدة، بل هو عنفوانٌ من التاريخ المتحرّك نحو الأمام، وقد أثبتت الحقائق التاريخية في ملف العلاقة بين الحركات الإسلامية في الجزائر وغيرها – ومنذ عهد السّرية – أنه مَا تكبّرت جماعةٌ على غيرها إلا وضَعَها الله وعاقبها أمام عاديات الزّمان.

وقد قال الشاعر:

تواضع تكنْ كالنّجم لاَحَ لناظِره ** على صفحات الماء وهو رفيع

ولا تكن كالدّخان يعلو بنفســـه  **   إلى طبقات الجوّ وهو وَضِيــع
فأقبحُ شيءٍ أنْ يرى المرءُ نفسَه ** رفيعًا وهو عند العالمين وضيع

إنّ مشروع الوحدة أكبر من الأشخاص وأرقى من التنظيمات، وأنّ الخيارات والمقاربات والسياسات والاجتهادات الفكرية والتنظيمية ليست قرآنا منزّلا، وبالتالي فهي قابلةٌ للنقد والمراجعة، وستكون “الوحدةُ” فرصةً وامتحانا نفسيا للقدرة على التجدّد، ومحطةً واختبارا فكريا لمدى القدرة على التجديد، في إطار الحركة الأم، التي هي الإرث التاريخي المشترك، والميراث الشرعي الذي تركنا عليه المؤسّس الشيخ محفوظ نحناح عليه رحمة الله، والرّصيد الكبير الذي هو وَقْفٌ لكلِّ الجزائريين، وليست حِكرًا على أحدٍ حتى يَغلِق أبوابَها في وجوه الآخرين..

إنّ مجلس الشورى الوطني قد ألزمنا بإنجاز “مشروع الوحدة” كمشروعٍ استراتيجي منذ: 03 سنوات، وهو في أرضيته التي تأسّس عليها: “مشروع وحدة” وليس “مشروع عوْدة“، وهو ما يقتضي الأخذ والعطاء، بما تتطلّبه المفاوضات من التوافقات والتنازلات المتبادلة، وأنّ الاتجاه المنطقي هو الانسجام مع “القيمة الرّمزية للوَحدة” تصاعديًّا بإنجاحها في التفاصيل لا العكس.

فلا يُعقل أنْ تغلبَ “الإجراءاتُ” “المبادئ”، أو تشغِلنا “الجزئياتُ” عن “الكليات”، أو تستبدّ بنا الطموحاتُ الذّاتية: الإنتخابية والتنظيمية على حساب المشروع الاستراتيجي والرؤية الكلّية والهدف النبيل، لأنّ المتجرّد من حظوظ النفس الشخصية، والمتحرّر من الخلفيات والرّوابط السّلبية لن يجد نفسَه في عداوةٍ مع هذا الخيار المبدئي، والذي ألزمتنا المؤسساتُ بتحقيقه.

والعاقل المتبصّر هو مَن يرى ببصيرته القلبية ذلك الكسْب المبارك لهذه “الوَحدة“، التي تسمو فوق الأشخاص والتنظيمات والانتخابات، وهي تجمع بين “الانتخابات” و”الوَحدة الاندماجية” وفق رؤيةٍ استرتيجيةٍ متكاملة، ويمكن إجمال هذه المكاسب فيما يلي:

1_ الكسْب القيمي والمبدئي: إنّ قرار “الوحدة التنظيمية” ليس إجراءً سياسيا أو إداريا، بل يتجاوز ذلك إلى البُعد القيمي والمبدئي، وهو لا يخضع إلى قرارٍ، بل إلى التشبّع بالثقافة الوَحدوية، التي تقفز فوق ذلك الخزي الذي فرَضه الواقع الانقسامي، وهو ما يحتاج إلى شجاعةٍ وجهادٍ نفسيٍّ كثمرةٍ لمخزونِ التربية وسَعَة الفكر والأفق، تعبّر عن أصالة أصحاب المشروع واصطباغهم بالقيم.

ومهما يُقال عن “الوحدة” من الناحية “التنظيمية” أو “الانتخابية” أو “السياسية” فهي تحمل بُعدًا رمزيا تصالحيا، لا يخفى فضلُه وأجرُه، وأنّ بقاءَ فسادِ ذات البَيْن يمسّ بقدسية الفكرة وبنصاعة الرّسالية في المشروع، وهو ما حذَّرنا منه صلى الله عليه وسلّم بقوله:”إياكم وفسادُ ذات البين، فإنّ فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول تحلق الشّعر ولكنْ تحلق الدّين.“، وإنّ أعمالنا – مهما بلغت من الانجازات – لا تُرفع فوق رؤوسِنا شِبْرا حتى نصطلح، كما ورد في الحديث: “تُرفع الأعمال كلّ يوم إثنين وخميس، فيُغفر لكلّ عبدٍ لا يشرك بالله شيئا، إلا رجلا بينه وبين أخيه شحناء فيُقال: انظِروا هذين حتى يصطلحا، انظِروا هذين حتى يصطلحا، انظِروا هذين حتى يصطلحا..“.

وإنّ هذا الكسب القيمي له وقْعُه السّحري على النفوس المؤمنة من الطرفيْن ومن المتوقفين ومن إخوانٍ لنا آخرين، وله قبوله في ضمير الرأي العام، الذي يعيب علينا الانقسام ولا يرضى لنا إلا الوَحدة.

2_ الكسْب الاستراتيجي: فقد تكون هناك إحراجاتٌ واقعية وإكراهاتٌ ظرفية في الخطوات التأسيسية للوحدة الاندماجية، وخاصة في المحطة الانتخابية الحسّاسة، وفي المرحلة التوافقية الانتقالية، وهي طبيعيةٌ جدًّا، ولابدّ من استيعابها نفسيا وتربويا وأخلاقيا.

فلا تزال رواسب الماضي تلاحقنا، ولا تزال الرّوابط السّلبية تضغط علينا، ولا تزال بعض المخلّفات النّفسية تستبدّ بنا، ولا تزال بعض الأبعاد الشخصية والطموحات الذاتية تكبحنا، ولا يزال “الشيطان” رابِضٌ عند تفاصيلنا.

ومع ذلك فإنّ الكسب الاستراتيجي على المدى البعيد سيخفّف من وطأة آلام المخاض العسير لولادة هذا المشروع، وستتحقّق العديد من المكاسب الفكرية والتصوّرية، والمكاسب التنظيمية والهيكلية، والمكاسب في الوظائف الاستراتيجية والأساسية، والمكاسب التربوية والمؤسساتية، والمكاسب السياسية والانتخابية، والمكاسب في الفضاءات الخارجية والعلاقات الدولية، والتي ستصبّ في إطار الحركة الأم.

3_ الكسْب السّياسي والانتخابي: فقد أضرّت بنا الانشقاقات والانقسامات، وأثّرت على رمزيتنا ومصداقيتنا أمام الرأي العام، وهزّت معنوياتِ العديد منّا، وأصبحنا في نظر الآخر غيرَ جدِيرِين بالاحترام، فلا يُعوّل علينا سياسيا ولا إنتخابيا، وذلك بتشتّت الأوعية التنظيمية والانتخابية، وتبدّد الموارد المادية والبشرية.

وإنّ هذه الوَحدة – وفي ظلّ قانون الانتخابات الحالي – ستُعطي لنا قيمةً مضافةً قد تنقذنا من عتبة الإقصاء في العديد من الولايات، ولا تجرّئ على التزوير ضدّنا، خاصة في ظلّ تحالفاتٍ أخرى قد تكون على حسابنا شعبيًّا أو سلطويًّا، كما أنها ستوفّر لنا خطابا انتخابيا مريحا، يجنّبنا التبرير في حالة بقاء الانقسام والشذوذ عن التكتلات الأخرى.

تعليق