وضعت حركة مجتمع السلم مشروع الوحدة والتعاون والتنسيق بين الإسلاميين ضمن مشاريعها في خطتها الخماسية مباشر بعد مؤتمرها الخامس وشكلت لجان اتصال دائمة في كل الاتجاهات وبذلت في ذلك جهدا كبيرا نذكر من ذلك بعض المعطيات وفق كل جهة:

1- مع جبهة التغيير : لا نفصل القول في هذا الموضوع باعتبار أن الإنجاز قد تم سوى التوضيح أنه شكلت أربع لجان عبر ثلاث سنوات لإنجاز مشروع الوحدة, كلما يقع تعثر نغير اللجنة كلها أو نطعمها بسحب أفراد وإضافة أفراد وفق منهجية علمية اعتمدت التراكمية وفنون إدارة الاختلاف والتفاوض والصبر والمواصلة مهما كانت الصعوبات حتى وصلنا إلى المبتغى بفضل الله تعالى عبر اللجنة الأخيرة التي ترأسها الأستاذ عبد العالي حساني مع الشكر والتقدير لكل من ساهم في هذا البر منذ الانشقاق وما هذه النتيجة إلا تتمة لمجهودات هؤلاء الخيرين, والمهم في هذا المسار أننا لم نعلن عن الاتفاقية حتى اتفقنا على التفاصيل بحكم أن الاتفاقات المبدئية تلغيها عادة التفاصيل.

2-مع حركة البناء: تطورت مساعي الوحدة مع حركة البناء عبر عدة مراحل منها:- بعد المؤتمر الخامس مباشرة شكلنا وفدا كبيرا من قيادات ورموز الحركة وزرنا مقر حركة البناء قبل أن يأخذوا الاعتماد القانوني حيث التقينا بوفد من مكتبهم بقيادة الشيخ مصطفى بلمهدي وعرضنا عليهم الوحدة الاندماجية لنعود وفق ما كنا عليه, ودون ذكر تفاصيل ما جرى بيننا من حديث (في الوقت الحالي) توصلنا إلى اتفاق أن يكتب كل طرف تصورا للوحدة ويرسله للطرف الآخر فقمنا بفعل ذلك من جهتنا وأرسلناه لهم (الوثيقة موجودة وقد ننشرها لاحقا) ولم يأتنا منهم شيئ ( دون ذكر الجواب غير الرسمي وغير المقبول الذي جاءنا بطرق غير مباشرة وعبر وسائل الإعلام). – لما تحصل الإخوة في البناء على الاعتماد القانوني شكلت وفدا من الحركة وذهبت لتهنئتهم حاملا معي الهدايا. وكانت فرصة لتذكيرهم باستعدادنا الدائم لمناقشة موضوع الوحدة. ومنذ ذلك الحين انقطع الحديث في هذا الموضوع بيننا.

-حينما اقتربت الانتخابات بادر إخوة من البناء إلى طلب اللقاء للحديث في موضوع الوحدة والتحالف  فوقعت ثلاثة لقاءات:أ-لقاء في مكتبي مع الأستاذ أحمد الدان بحضور الأستاذ فاروق طيفور, وكان  الحديث بيننا عاما عن شؤون البلد والقضايا الدولية وكانت فرصة لي لتعريفه برؤيتنا السياسية وأخبرته بقرار مجلس الشورى بخصوص الانتخابات وأن التحالف بشأنها يكون محليا وأن الذي ندعو إليه من جهتنا هي الوحدة التي تكون الانتخابات فيها تحصيل حاصل.ب- حضور مأدبة عشاء دعانا إليها إخواننا في البناء حضرها وفدان قياديان من الحركتين وكان الحديث بيننا طويلا عن الأوضاع والتطورات الحاصلة عالميا وعلى مستوى الحركة الإسلامية وقد فهمنا منهم بأنهم يريدون أن يكون بيننا تنسيق في المرحلة الراهنة وتحالف في الانتخابات فكان ردنا واضحا صريحا بأن الذي ندعو له هو الوحدة الاندماجية التنظيمية وعندئذ تكون الانتخابات جزء من المشروع. أما إذا كان الأمر يتعلق بالانتخابات فقط فإن قرارنا هو أن تكون التحالفات محليا. وقد مثل هذا اللقاء فرصة مهمة للحديث عن العلاقة بالإخوان المسلمين حيث بينا لهم بحكم احتكاكنا الواسع والعميق مع الحركات الإسلامية في العالم بأن ثمة تطورات كبيرة في الفكر الإسلامي وطبيعة العلاقة بين الحركات الإسلامية الوسطية وتوجهاتها لتكون طبيعة هذه العلاقة تنسيقية تكاملية مرنة عصرية مؤسسية هي أكثر فائدة وفاعلية وأكثر أمانا وتناسقا مع دساتير وقوانين الدول. وأن هذا التطور يساعد على الوحدة بيننا لخدمة بلدنا وأمتنا والمساهمة في تطوير الحركة الإسلامية عبر العالم لصالح المشروع الإسلامي, ثم تحدثنا عن وضع الجزائر فقلنا بأن أكبر ما يعبد به الله في هذه المرحلة الحساسة (في اعمال التطوع) هي المحافظة على الجزائر وخدمتها وبينا لهم رؤيتنا في ذلك بالتفصيل. وتم الاتفاق على تشكيل لجنة من كل طرف لمواصلة النقاش فأخبرناهم فورا بأن رئيس لجنتنا الحوار معهم هو فاروق طيفور. مع التأكيد بأن ما نقل عنا من حديث بخصوص الإخوان المسلمين في هذا اللقاء غير صحيح وقد نبين توضيحات مهمة في الموضوع لاحقا.
ج- التقت اللجنتان واتضح بأن الإخوة في البناء يركزون على التنسيق والتحالف الانتخابي وهذا شيء جيد يمكننا أن ننسق في أشياء كثيرة وبخصوص الانتخابات سيكون التحالف بشأنها محليا ما دام لا يوجد مشروع وحدة.

3-مع حركة النهضة: تعتبر حركة النهضة هي الحركة الأقرب إلينا في المرحلة الماضية من حيث الانسجام والتقارب النفسي والفكري والنجاح في التنسيق والتعاون في مشاريع استراتيجية مهمة منها تكتل الجزائر الخضراء, أسطول الحرية, مؤسسة القدس والعمل الفلسطيني بشكل عام, العمل الشبابي, تنسيقية الحريات والانتقال الديموقراطي وهيئة التشاور والمتابعة ولهذا انطلق النقاش في موضوع الوحدة مبكرا بيني وبين الأستاذ محمد دويبي الأمين العام لحركة النهضة, وقد اتضح لنا في الحركة من  خلال تجربة تكتل الجزائر الخضراء من جهة, والتقارب الكبير بيننا من جهة أخرى بأن الوحدة بيننا ممكنة وأن الترشح في الانتخابات معا لا تضمنه إلا الوحدة الاندماجية بين الحركة والنهضة. أخبرت بذلك الأستاذ محمد دويبي وبعض قيادات النهضة وفي لقاء رسمي مع اللجنة المكلفة من قبلهم برئاسة الأستاذ فاتح ربيعي وقدمنا لهم تصورا شاملا كيف تكون الوحدة. كان هناك إصرار  من قبل إخواننا في حركة النهضة على تكرار تجربة تكتل الجزائر الخضراء مع أخذ بالاعتبار بعض السلبيات ولذلك لما اتخذ مجلس شورى الحركة قرار التحالفات الانتخابية المحلية انقطع الحوار في الموضوع بيننا إلى أن سمعنا بالتحالف بين حركتي النهضة وجبهة العدالة والتنمية عبر وسائل الإعلام.

4-مع جبهة العدالة والتنمية: لم يتم مباحثة موضوع الوحدة بشكل جدي ومؤسسي عبر لقاءات مخصصة لهذا الموضوع في أي وقت من الأوقات مع إخواننا في جبهة العدالة والتنمية. وكل الذي حدث هو حوارات بيني وبين الشيخ عبد الله جاب الله تطرقنا فيها إلى موضوع الوحدة اتضح فيه بأن ثمة رغبة معلنة بين الطرفين لتحقيق هذا المقصد ولكن دون اتفاق على أي شيء رسمي وأي مسار أو وسيلة تضمن استمرار النقاش. وكل المشاريع الوحدوية التي تبنتها أو أدارتها أو دعت إليها جبهة العدالة والتنمية سمعنا بها عبر وسائل الإعلام سواء ما عرف بمبادرة لم الشمل أو مبادرة التحالف الاستراتيجي بين النهضة وجبهة العدالة والتنمية ثم بينهما وحركة البناء.

5-مشروع التحالف الاستراتيجي بين حركة النهضة وجبهة العدالة والتنمية: لم نسمع بحيثيات وتطورات هذا المشروع ألا عبر وسائل الإعلام. ولم نتلق اتصالا في الموضوع إلا ونحن خارجون من اللقاء مع جبهة التغيير الذي أمضينا فيه اتفاقيات الوحدة يوم الأربعاء 5 جانفي من خلال مكالمة هاتفية من الأستاذ فاتح ربيعي أخبرني فيها عن رغبة الأطراف الثلاثة في لقائي, وفي اليوم الموالي وصلتني رسالة منهم بإمضاء الرؤساء الثلاثة بغرض ترتيب لقاء لمناقشة موضوع التحالف الاستراتيجي. أخبرت أعضاء المكتب التنفيذي لحركتنا بالموضوع في نفس اليوم وأرسلت لهم صورة الدعوة كما أخبرت الأستاذ عبد المجيد مناصرة بالموضوع وأثناء انعقاد مجلس الشورى الوطني للحركة يوم الجمعة 6 جانفي بلغت أعضاءه بهذه الدعوة وبتفاصيل الاتصالات والحوارات بكل الإسلاميين.  وبعد مجلس الشورى الوطني والمصادقة على اتفاقية الوحدة الاندماجية مع جبهة التغيير أرسلت ردا مكتوبا لكل من الشيخ عبد الله والشيخ مصطفى والشيخ دويبي أبلغهم بترحيبنا باللقاء بهم.6-لا يمكن أن نطوي ملف الحديث عن مساعي الوحدة دون الحديث عن اتصالاتنا بمجموعة معتبرة ومحترمة من القيادات الذين خرجوا من الحركة في بداية ومنتصف التسعينيات في حياة الشيخ محفوظ رحمه الله وهم يعملون الآن معا في المجال الدعوي والخيري حيث تمت لقاءات عديدة بينا من خلال وسطاء تارة وعن طريق الحاج جعفر شلي تارة إلى أن توصلنا إلى لقاء مباشر بيني وبينهم عرضت لهم رؤى الحركة في مختلف المجالات وكيف تكون الوحدة بينهم وبين الحركة. أعجبوا كثيرا بتوجهات الحركة ووافقوا على تصور الوحدة الذي عرضناه عليهم,  غير أنهم أخبرونا في ما بعد بأن ظروفهم غير مناسبة لهذا وأنهم  يعتبرون الحركة قد أدت الذي عليها معهم وبقي الاتصال إلى الآن.والخلاصة من هذا السرد التاريخي أن الحركة تعتبر الوحدة مشروعا جادا يقوم على أسس شرعية وواقعية متينة لا علاقة له بالانتخابات ابتداء, ولكن قد تكون الانتخابات سببا لتسريع الخطوات نحوه. أما إذا كان الأمر يتعلق بالانتخابات فقط فإن التجربة بينت  أن الأفضل أن يتم التحالف على مستوى الولايات وفق التواجد الحقيقي لكل حزب.

د.عبد الرزاق مقري

تعليق