لا تزال “حركة مجتمع السّلم” محلّ الاهتمام السياسي القوي وطنيًّا ودوليًّا، جعلها محلّ الأنظار من الجميع في مواقفها ومواقعها السياسية.

فقد كانت محوريةً في موقع المشاركة في الحكومة والتحالف الرئاسي كنقطةِ توازنٍ فيه، كما أنّها أصبحت نقطةَ قوة لدى المعارضة في فاعلية الحضور والتأسيس لفضاءاتها مثل: “تنسيقية الحريات والانتقال الديمقراطي” و”هيئة التشاور والمتابعة”.

وهي الآن تحت “الأضواء الكاشفة” والتركيز السياسي والإعلامي من الجميع، وخاصة بعد قرار المشاركة في الانتخابات التشريعية القادمة في ماي: 2017م، والإعلان عن منطقها السياسي في تحديد موقعها المستقبلي بناءً على نتائج الانتخابات، لتجسيد الإرادة الشعبية في تحمّل المسؤولية السياسية.

وقد شغلت الرأي العام، وأصبحت محلّ اهتمام مكوّنات الحياة السياسية، لما يميّزها من ثقافةٍ تشاركية وسلوكٍ وحدويٍّ ورؤيةٍ توافقية عجيبة، وأينما يحلّ طيفها يضفي زخمًا ومصداقيةً وقيمةً مضافة، وهي التي يزخر رصيدها التاريخي بهذا الوَهج السّياسي القوي، بالرّغم مما تعرّضت له.

ولعلّ من نقاط قوّتها: نظرتها المقاصدية، وثقافتها المؤسساتية، وآلياتها الديمقراطية، وقدرتها على التكيّف، وبراعتها في إدارة الأزمات، والتجاوب مع التحوّلات، ومقاومتها السياسية للفساد والفشل، وسيادتها في اتخاذ القرار، ونبذها للمحورية حول “كاريزما الأشخاص”، وتحرّرها من التمركز على الذات..

ولقد تشكّلت عقليةٌ مقاصدية لدى أبناء الحركة، وفق مجموعةٍ من أنواعٍ من الفقه المعاصر مثل: فقه الموازنات وفقه المقاصد وفقه الأولويات وفقه الواقع وفقه المآلات، وترسّخت قناعةٌ بأنّ نضج الأفكار وتنوّعها علامةُ صحّةٍ وليست – بالضرورة – نقطةُ خلافٍ أو ضعف، وأنّ التدافع الداخلي الإيجابي حولها مظهرٌ من مظاهر المناصحة والنقد والمراجعة الذاتية، من أجل النظر في القضايا والمواقف من زوايا مختلفة وبنظرةٍ تكاملية، حتى أصبحت الحركة تتميّز بهذا الاجتهاد الجماعي المؤسساتي، على اعتبار أنّ ما يُعرض على “الشورى” قضايا نسبية وليست مطلقة، وأنّ الجمود على الرأي الواحد عنوانٌ على الشّلل في الفِكر وغلقٌ لمسارات الاجتهاد والإبداع، وإضفاءٌ للقداسة على قضايا سياسية واجتهادية لا يليق.

وقد تميّزت الحركة بمجموعةٍ من القواعد الجمالية في بُعدها الديمقراطي الداخلي، ومنها:

1) القرار بالشورى:

إنّ الاحتكام إلى القيم السياسية والإسلامية الكبرى كانت ميزةً فارقةً في آليات عمل الحركة، حيث تمّ الانتقال من الترف الفكري غير الملزِم إلى الحوار المؤسساتي المسؤول، والذي يفضي في نهاياته إلى قراراتٍ ملزمةٍ للجميع، وفق قاعدة التصويت بالأغلبية والخضوع لها.

فلقد سلّمنا بأن “الشورى” هي مَن تعطي الشرعية في بناء واختيار القيادة، وأنّ “المشاورة” هي مَن تعطي الشرعية لصناعة القرار والأداء القيادي لها، وهي تكليفٌ قرآني للقيادة مهما كان شأنها، كما في قوله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلّم – مهما تميّز بالعصمة والكمال والتسديد بالوحي – إلا أنه ملزمٌ باستمداد الشرعية في القرارت والمواقف من “المشاورة”، فقال: “وشاوِرْهم في الأمر..”(آل عمران:159).

وتجلّى التجسيد الفعلي لهذه القيمة السياسية العليا للشورى في “سلطة مجلس الشورى الوطني”، التي ظهرت في العديد من المواقف والمحطات بأنها قراراتٌ سيادية، وهي غير خاضعة لأيّ إملاءاتٍ أو ضغوطٍ أو ولاءات، تذوب معها “القناعات الشخصية” و”الاعتبارات الفردية”.

ويؤكد ذلك الموقف من “الانتخابات الرئاسية” في أفريل 2014م: إذ كان “المكتب التنفيذي الوطني” يرى المشاركة فيها وبسيناريوهات مختلفة، إلا أنّ قرار “المجلس” بمقاطعتها كان حاسما وقويا.

وكذا الموقف من “الوحدة الاندماجية” مع “جبهة التغيير”، والذي خضع إلى امتحانٍ عسيرٍ من النقاش الفكري الرّاقي ومن التجاذب القيادي اللافت، تحت ضغط تطوّرات الملف وهواجس المخاوف المشروعة منه، إلا أنّ القرار كان مسؤولا، تجاوز كاريزما الأشخاص – مهما علا شأنهم التاريخي والقيادي – ليرسم لوحةً جمالية عن الديمقراطية الداخلية المسؤولة..

2) المسؤولية بالانتخاب:

وهو الترجمة العملية لمبدأ “الشورى” والاحتكام إلى “قاعدة الأغلبية” في اختيار المسؤولين، سواءٌ في المناصب القيادية التنفيذية داخل هياكل الحركة ومؤسساتها، أو في ترشيحهم للمسؤوليات الانتخابية في المجالس المنتخبة: بلديا ولائيا ووطنيا.

وكان اللافت في الآونة الأخيرة هو هذه السّرعة والسلاسة في إعداد قوائم الحركة في الانتخابات التشريعية: 2017م، جعلها تتميّز عن غيرها من الأحزاب بإضفاء “البُعد الديمقراطي” على آلياتها الداخلية، بتوسيع نطاق المشاركة الديمقراطية للمناضلين في الانتخاب المباشر عبر الاقتراع السّري في ترتيب المترشّحين من جهات الاقتراح والترشيح المختلفة، والتي تخرج من الجمعيات العامة البلدية والمكاتب التأسيسية ومكاتب المجموعات في الأحياء ومجالس المنتخبين والمكاتب الولائية ومجالس المؤسسات ومجالس الشورى الولائية واقتراحات رئيس الحركة، لتُحسم في النهاية بالانتخابات السّرية داخل “مجالس الشورى الولائية” بكلّ حرّيةٍ وسيادة، وليتعجّب الكثيرُ من: عدم تدخّل القيادة المركزية في حسم القوائم الانتخابية، وترك السّيادة الكاملة لقواعد الحركة.

3) حسم الخِلاف داخل المؤسسات:

ونظرًا لتراكمية الطبقة القيادية والتباين في وُجهات النّظر وزوايا التقدير في الاجتهاد السياسي، فقد ظهر للرأي العام هذا الثراء الفكري والتنوّع القيادي عبر “التجاذب الإعلامي والفكري” في العديد من المحطات والمواقف، إلا أنّ الحركة أظهرت قدرةً عجيبة على إدارة الخِلاف وحسم المواقف بالاحتماء بالمؤسسات والاعتصام بالآلية الديمقراطية فيها، وهو ما جنّبها الوقوع في “مصيدة القنابل الموقوتة” و”الألغام المصطنعة” في طريقها.

إنّ النظام الداخلي لمجلس الشورى الوطني ينسِّب السّقف الزمني للتعبير عن الرأي، إلا أنّ عُرفًا داخليا كرّسته قيادة الحركة، وَفّرَ جوًّا ديمقراطيّا حرًّا، وهو: السّماح لأصحاب الرأي الآخر والمقاربات السياسية المخالفة للخط السياسي لمؤسسات الحركة أن يأخذوا كامل وقتهم بما لا يضيق بهم أحد.

وبالرّغم من الآثار السّلبية لبعض الخرجات الإعلامية أمام الرأي العام، والتي نقدّر أنّها غير موفّقةٍ، وقد أخطأت الزّمان والمكان لها، إلا أنّ إبداعا قياديا من “الصّبر” و”التحمّل”، يجمع بين “الصّرامة في التنظيم والأخوّة في المعاملة” جنّب الحركة حالاتٍ من الاستقطاب والصّراع ليس في صالحها..

تعليق