السيناريوهات المستقبلية في الجزائر ورؤيتنا لتخطي الأزمة:

1 ـ تقييم عام :

لقد تأكد لدى الخاص والعام أن الهيئات الرسمية المكلفة بإدارة شأن البلاد لم تكن في مستوى تطلعات الشعب الجزائري وثقته وصبره وتضحياته، لم تكن هذه الهيئات في مستوى الخيرات العظيمة التي منحها الله لهذا البلد العظيم المسقي بدماء الشهداء والقائم بجهد المخلصين الذين لا يسألون جزاءاً من العباد ولا شكورا. ليس من السهل أن نتحمل وأن نتقبل وأن نهضم ضياع الفرصة الأخيرة الكبيرة التي أتيحت لبلدنا في سنوات البحبوحة المالية ضمن فرص أخرى كثيرة أتيحت منذ الاستقلال. ليس من السهل أن تقبل عقولنا ضياع فرصة كان بإمكانها أن ترفعنا لمصاف الدول المتطورة والمتقدمة، ليس من السهل أن ينسى جيلنا هذه الفرصة الضائعة إلى أن نلقى الله، ليس من السهل علينا أن نرى دولا استطاعت أن تسابق الكبار بعدما كانت مثلنا أو أصغر منا بمواردها الطبيعية وبتناقضات نسيجها الاجتماعي وبعضها بتاريخها المتناقض. ليس من السهل على وطني صادق، شغوف ببلده، متيم بتاريخه، محب لشعبه، مشفق على خيراته، خائف على مستقبله،  ان يتعايش مع هذا الإخفاق المدوي الذي نراه، ويراه الناس جميعا. نراه  بشكل كلي في عجز الميزان التجاري، في عجز ميزان المدفوعات، في عجز ميزان الحسابات، في أزمة الخزينة العمومية، في تهاوي احتياطي الصرف، في العودة للمديونية الخارجية، نراه في عودة أرقام البطالة والتضخم المتصاعدة، نراه في صدمة ارتفاع الأسعار، نراه في معدلات النمو المعاكسة لحجم تمويل التنمية، نراه في الناتج الإجمالي الخام الذي أبقانا ضمن الدول الراكدة، نراه في الفساد المهيكل وفي شبكة الفاسدين المهيمنة، ونراه بشكل جزئي في خيبات الأفراد والأسر والمؤسسات، نراه في ضعف الإنتاج، في العدد القليل للمؤسسات الاقتصادية، في ضعف التنافسية، في قلة الإبداع، في سوء بيئة الأعمال، نراه  في غلاء المعيشة، نراه في عدم قدرة الموظف الشريف على إغلاق شهره، نراه في قيمة الدينار المتهاوية، نراه في الخدمات الصحية المتهالكة، نراه في الأوضاع التعليمية المتأزمة، نراه في أزمة السكن اللامنتهية، نراه في الهياكل القاعدية غالية السعر ولكن رغم ذلك متهرية، ونراه بشكل عام في الاحتجاجات الاجتماعية المضطردة والمتوسعة، وفي غياب الحكامة ومفهوم الحكم الراشد في الأحوال العادية، ونراه في العجز على مواجهة الأزمات في الفيضانات والعوارض الطبيعية. وحين غابت أسباب البهجة العادية تعلق الجزائريون جميعا بلعبة كرة القدم، أطفالهم وشبابهم وشيوخهم، ورجالهم ونساؤهم، فصارت هي ملهمتهم وصانعة أحلامهم، وكأنها نفخة من مخدر تنقلهم لعالم البهجة الخيالي الغادر. وصاروا ينسجون بطولات وهمية وإنجازات أسطورية عنوانها “شكون حنا”، ثم ما هي إلا مباراة أو مباراتان بعد هذه الصيحة المتكلفة حتى تبخر الحلم وعرفنا حقيقة “شكون حنا”. عرفنا أننا هؤلاء الذين حباهم الله بكل المقدرات ليكونوا عظماء بين الأمم فاختاروا أن يكونوا صغارا، حباهم الله بمقدرات كبيرة ليكونوا عظماء في العلم والفكر والتعليم والإدارة والصناعة والفلاحة والخدمات والتضامن والترفيه فتصبح كرة القدم صناعة متقنة تصنع أفراحا لا تنقطع، ليس للقاعدين والبطالين المهمشين كمخدر لهم، بل لشعب عامل مبدع منتج يقصد كرة القدم للفرجة وللاستراحة والاعتزاز بالمنجز الكروي بعد المنجز الحضاري والعمل في المخابر والجامعات والمصانع والحقول ومختلف المؤسسات.

هل حينما نقول هذا نقصد بأنه لم تحقق الجزائر إنجازات، وهل الأفق أمامنا منسد، وهل كل شيء أسود، ولا أمل في المستقبل، ولا مأمول في الآتي. الجواب هو بكل تأكيد لا وألف لا.

أما الإنجازات فهي محققة، بعيدا عن القدر والمستوى المطلوب، وغير متناسبة مع الإمكانيات التي سُخرت، وغير مرضية بالنسبة لحجم الفساد والخير المنهوب، ولكنها موجودة ولا بد من أخذها والارتكاز عليها والانطلاق منها. فهل الذي يأخذ منك ألف دينار فلا يرجع لك سوى ثلها أو نصفها، أخذتها منه لأنك في أمس الحاجة إليها تقول أنه لم يرجع لك شيئا؟ لقد أرجع لك النصف أو الثلث وعجز أو سرق وبذر الباقي، فتنعم بما أخذت، وواصل طريقك نحو المستقبل. وإن من أعظم إنجازات الجزائر تعميم التعليم، خصوصا في زمن المدرسة التي سموها ظلما منكوبة. إن في الجزائر كما هائلا من المتعلمين الجيدين الذين بإمكانهم صناعة نهضة وطنية شاملة، فإن من هؤلاء من صنع الفرق حتى بين متعلمي الأمم الأخرى حيث التنافسية العلمية والإبداعية قوية، وإن من الإنجازات كذلك الكم الهائل من الهياكل القاعدية والتغطية الصحية والطاقوية القابلة للتحسين وحسن الاستغلال إذا توفر الحكم الراشد. جزى الله كل من كان له دور في توفير هذه المكتسبات كائنا من كان، ولكن إن لم يقع التحول الاقتصادي والسياسي سينهار كل شيء آجلا أم عاجلا.

…يتبع

تعليق