السيناريوهات المستقبلية في الجزائر ورؤيتنا لتخطي الأزمة:
2 ـ آفاقنا المفتوحة:
إن آفاق الخير والبر والبشر أمام الجزائريين واسعة مفتوحة ممتدة. وإن بعد الفجر الكاذب فجر صادق بحول الله. رغم الفساد والتبذير وقلة الرشد. لا تزال إمكانيات الجزائر ضخمة كبيرة، تستطيع الجزائر أن تصنع نهضتها بلا بترول ولا غاز. إن ما في الجزائر من الإمكانيات والمقدرات أعظم بكثير مما كان لديها وما عند غيرها من البترول والغاز. غير أن استغلال هذه الخيرات يتطلب فكرا جديدا، وثقافة جديدة، ونمطا جديدا للحكم والإدراة والتسيير. إن البلد الذي يعيش على البترول الغاز لا يتطلب عبرقيات ومستويات عقلية كبيرة، طبيعة ريع البترول والغاز أنه يسهل تحويله إلى أموال نقدية فيتصرف فيها من ينقصهم الرشد كما يشاؤون إلى أن ينضب ذلك الريع، أما الخيرات والموارد العظيمة الأخرى المكنونة والمخبوءة في القارة الجزائرية ومحيطها فيتطلب استغلالُها والاستفادة منها ثلاثةَ شروط: الاستقرار والوقت ورشاد الحكم.
إن هذه الشروط الثلاثة هي التي نشتغل عليها في حركة مجتمع السلم. همنا في حركتنا أن نحفظ استقرار بلادنا لأن الأمن هو من النعم الأولى في سلم الاحتياجات الفيزيولوجية، ثم هو شرط أساسي لتحقيق التنمية والأمن الغذائي الذي هو نعمة أخرى في سلم الاحتياجات، والتنمية والأمن الغذائي هما بطريقة عكسية شرط مهم في تحقيق الأمن والاستقرار ضمن الجدلية الاقتصادية الاجتماعية التي ذكرها الله في كتابه العزيز (( فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعهم من جوع وآمنهم من خوف)).
إن من أكبر ما يشغلنا في حركتنا، كيف لا نُضّيع الوقت مرة أخرى، كيف لا نهدر الفرص، كيف نستغل المتاحَ من الزمن، لنستغل ما بقي من موارد الطبيعية الحاضرة، والمواردِ البشرية المجندة التي لا تزال متفائلة، لندفع عجلة التنمية في أقرب آجال ممكنة، حتى لا نلتقي مع الاضطرابات الاجتماعية الكبرى مطلقا، ولكي نستأنف تشييد الوطن عاجلا.
إن من أكبر ما يُشغلنا كيف الوصول إلى حكم راشد يفهم هذا الذي نقول، حكمٌ يرتكز على قيم الوطنية الصادقة والوفاء لقيم الوطن وتاريخه، يضمن صلاحَه الضميرُ وخوفُ الله تعالى، والتدافعُ والشفافية واحترام القانون والرقابةُ على الشأن العام، يُعلي من شأن المواطنة حتى يشعر كل جزائري بأن سعادته وهناءه وكرامته وحريته ومصيره في بلده، فيعطي بلده أحسن ما عنده، يُعمِل التنافسية الحقة بين المؤسسات الاقتصادية والعلمية والسياسية والاجتماعية والرياضية والفنية والإبداعية على أساس النزاهة والمصداقية والكفاءة بعيدا عن الفساد والغش والتزوير والتدليس والصراع القذر، والغدر وصناعة الأزمات والتفريق بين الناس.
منذ أن أنشئت حركة مجتمع السلم وهي تحاول أن توفر هذه الشروط فاستعملت وسائلَ عدة، وآلياتٍ متعددةً، واستراتيجياتٍ متنوعةً، تارة من خارج منظومة الحكم وضده بل ومصادمته في منتصف السبعينيات حين كان أحاديا متصلبا، ثم بمعارضته ضمن منهج استقر نهائيا على الوسطية والاعتدال طيلة الثمانينيات حين انتهج هذا الحكم سياسة الانتفتاح، ثم بالتعاون معه من خارجه مع معارضته، في زمن انهيار مؤسسات الدولة ووشوك الانغماس كلية في الصوملة واللبننة والحرب الأهلية الشاملة كما كنا نقول في النصف الأول من التسعينيات، ثم بمحاولة الإصلاح من داخله منذ النصف الثاني من التسعينيات بغرض طمأنته ومرافقته من داخله في الحفاظ على ما بقي من الديموقراطية وصيانة فرصة استمرار العمل وبناء مؤسسات الدولة من جديد، فحققنا في ذلك انجازات معتبرة لصالح الوطن، ثم حاولنا الانتقال إلى الشراكة الكاملة من داخلة في بداية العشرية الأولى من القرن الجديد بغرض بناء الاقتصاد وتكريس الديموقراطية والشروع في الإصلاح السياسي بعد صيانة المؤسسات ووقف العنف وتحقيق المصالحة الوطنية فلم نفلح في ذلك للأسف الشديد. ثم خرجنا في زمن البحبوحة المالية من الحكومة حين لم يُسمع لنا وحين عرفنا بأن البحبوحةَ مؤقتةٌ وأننا مقبلون على زمن قد يصيبنا ما أصاب البلاد العربية المنكوبة بعد الربيع العربي إن لم نبادر للإصلاح. أدركنا حينها بأن خطنا في الكفاح من أجل الاستقرار والصراع ضد الزمن والسعي لتوفير الحكم الراشد لا بد أن يستمر من خارج الحكومة، ضمن معارضة وسطية صارمة معتدلة بناءة إيجابية تفضل العمل المشترك وتقريب وجهات النظر، تبني على مضى ولا تهدم ما فات، عنوانها: لا حل لأزمة البلاد إلا بالتوافق المبني على المصداقية والسيادة الشعبية.
هل ستنقل الانتخابات المقبلة حركة مجتمع السلم إلى طور سياسي جديد ضمن هذه التطورات الكبرى منذ السبعينيات. الجواب: قد يكون نعم وقد يكون لا ولكن في كل الأحوال سنبني على ما مضى ولا نكرر التجارب الفاشلة أو غير المجدية. إن آخر عهدنا بالحكومة أننا أردنا أن ننتقل فيها من التحالف إلى الشراكة فلم نفلح فخرجنا، ولن نعود لها إلا من حيث أنتهينا، أي ضمن شراكة حقيقية تقوم على أساس المصداقية السياسية والإرادة الشعبية. إننا لن نعود إلى الوراء، بل سننتقل بوطننا وحركتنا إلى الأمام على أساس وضع الانتخابات وحقيقتها ونتيجتها. وإلا فطريق معارضة السلطة الحاكمة قد خبرناه وتحكمنا في ناصيته بأساليب عصرية تشاركية محكمة، سنعرف كيف نطورها بعد أن نخرج من الانتخابات أكثر دربة وقربا من المواطنين، وأكثر فهما لواقع الساحة السياسية وما يُعتمد عليه فيها، وما أو من لا يليق تضييع الوقت معه.

تعليق