السيناريوهات المستقبلية في الجزائر ورؤيتنا لتخطي الأزمة:

3 ـ الرؤية السياسية:

بعد أن وصفت الوضع العام في المقال الأول من هذه السلسلة وبعد أن تحدثت عن الفرص والآمال المستقبلية وقبل الحديث عن السيناريوهات المحتملة ما بعد الانتخابات التشريعية المقبلة أضع بين أيديكم ـ مجددا وبشيء من التطوير ـ  رؤية حركة  مجتمع السلم للخروج من الأزمة:  ترى حركة مجتمع السلم أن الجزائر دخلت في أزمة كبيرة على الصعيد الاقتصادي تتعلق باختلال هيكلي بين الواردات والصادرات. لا يخفى على أحد تراجع الريع بسبب تراجع الإنتاج و إرتفاع الاستهلاك الداخلي للطاقة وعدم قدرة الأسعار على الارتفاع فوق معدل 60 دولارا لسنوات طويلة مقبلة. لقد أدى هذا التراجع إلى تقليص حاد في مداخيلنا، و من جهة أخرى بقيت تكاليف حياتنا مرتفعة رغم المجهودات المبذولة في نقص الواردات لأننا بلد غير منتج مفرد في استيراد البضائع والسلع وكثير من الخدمات. إن نتائج هذا الإخفاق في المحافظة على التوازنات قد بدأت تظهر، وستتعاظم في نهاية 2017-2018-2019 ومن هذه النتائج: غلاء مضطرد للمعيشة، ارتفاع معدلات البطالة والتضخم، انهيار مستوى الخدمات الصحية والتعليمية، تصاعد أزمة السكن رغم المجهودات الكبيرة المبذولة ، تهري الطرقات دون القدرة على صيانتها، انتشار العوز والفقر والعياذ بالله، ونتيجة ذلك اضطرابات اجتماعية متلاحقة، منها تصاعد موجات العنف والإجرام والانحرافات الاجتماعية.

مهما حاول المسؤولون تبرير هذه الأزمة ومسحها كلها في أزمة أسعار النفط دون أي تقدير للمسؤولية ومعنى الأمانة، يبقى السبب الحقيقي والأوحد هو السبب السياسي المتعلق بسوء التسيير والفساد والنهب والتبذير وقلة الكفاءة واستحالة الرقابة على الشأن العام. وباعتبار أننا اخترنا أن نكون متفائلين مستبشرين بالمستقبل فإنه مهما كان من أمر  هذه الأزمة فإن للجزائر قدرات خارقة ومقدرات لا محدودة للخروج منها. غير أن الفرق بين المقدرات الطاقوية التي بذرت وبددت والمقدرات الأخرى العظيمة في الجزائر أن الاستفادة المالية من مقدرات البترول والغاز لا تتطلب ذكاء ولا عبقرية ولا رشدا. يكفي أن يخرجها الحاكم العاجز من تحت الأرض، بإمكانيات البلد او بتسليم ذلك للشركات البترولية العالمية، فيبيعها في الأسواق العالمية ويدخل جزء من أموالها في خزينة الدولة فيصبح البلد غنيا. أما المقدرات العظيمة الأخرى فإن استغلالها والاستفادة منها يتطلب حكما راشدا، ووقتا كافيا، واستقرارا دائما للاستفادة من عوائدها. ودليل النجاح في هذه الحالة هو كثرة المؤسسات الاقتصادية المنتجة للثروة والمستخدمة لليد العاملة والإبداعات البشرية. فإن تحقق ذلك يدفع البلد ديونه من عرق العمل، ثم يصبح يلبس مما يخيط ويأكل مما يزرع، ثم يصبح ينتج سيارته وأدواتِه الكهرومنزلية وربما قطارَه وطائرته، ثم تَصلُح طرقه وتتحسن مستشفياته وخدماته الصحية، وقبل ذلك وأثناءه يتحسن مردودُ التعليم وترتبط الجامعة بالقطاع الاقتصادي وتكثر براعات الاختراع ويكثر علماء الجزائر ويشتهرون في كل البلدان ومنهم من يأخذ الجوائز العلمية الدولية. وفي ظل هذه الظروف تتحسن الخدمات السياحية ويكتشف العالم جمال الجزائر فتصبح وجهةً سياحية لا تنافس، فتجر السياحة معها صناعاتٍ وخدماتٍ أخرى كثيرة، فيتطور قطاع النقل وتصبح مطارات الجزائر من أكبر محطات الترنزيت بسبب الجمال والخدمة والمصالح والجغرافية، ثم نصبح نصنع سلاحنا بيدنا وتصبح الكتنولوجيا الصلبة والحديثة تحت تصرفنا، ونصبح عندئذ قوة اقليمية حقيقية تحسب الأمم معنا وليس ضدنا أو بنا، فيصبح الجزائريون فخورين ببلدهم، فيستديم الهناء والاستقرار والرفاه، ويحق لنا عندئذ ان نقول ” شكون حنا”.

إن الوصول إلى هذا المستوى لا يتطلب أكثر من عشر سنوات إلى خمسة عشر سنة، وثمراتُه تبدأ تظهر منذ السنوات الخمس الأولى بعد قرار الانطلاق. وقد يقول قائل هذه أحلام اليقظة، ولا يمكن لهذا أن يتحقق. والجواب: إذا كان غيرنا ممن كان مثلنا قبل عشرين، ثلاثين سنة قد حقق هذا أو شيئا منه، وبعضهم في الطريق إلى ذلك، فلماذا لا نستطيع نحن أن ” نفعلها”؟  انظروا إلى ماليزيا، تركيا، إيران، اندنوسيا، فييتنام، بولونيا، كيف كانوا وكيف هم؟ بل انظروا إلى بعض جيراننا كيف يتطورون، ولو بقي الأمر هكذا سيسبقوننا ونبقى نحن نحسدهم ولا نستطيع اللحاق بهم.

إن الشيء الذي يجب أن نفهمه، ويفهمه حكامنا خاصة، أن تجنب الصورة القاتمة الأولى التي رسمتها والانتقال إلى المشهد المشرق الثاني الذي صورته يتطلب بالإضافة إلى الحكم الراشد تضحيات كبيرة ويمر عبر سنوات عصيبة. لا بد من السير الصحيح نحوه والصبر الجميل معه في السنوات الخمس الأولى. لن تستطيع الحكومة التي تقود الانتقال إلى ذلك الواقع المشرق أن تحقق احتياجات الناس التي تعودوا عليها بالاتكال على الدولة، لن تسطيع تحمل التحويلات الاجتماعية بالشكل الذي هي عليه. ولن يصبر الناس على هذا التحول الكبير، الذي هم متجهون إليه في كل الأحوال، إلا إذا رأووا الرشد في حكومتهم، ورأوا مسالك الفساد قد قطعت، وأحسوا بتضامن وطني مجتمعي وحكومي صادق وفاعل، وتقشف يبدأ به المسؤولون، وخاطبتهم كل الطبقة السياسية بلسان واحد بخطاب الأمل: ” أن المرحلة العصيبة مؤقتةٌ وأن مستقبلنا جميعا سيكون مشرقا، وشعروا مع ذلك بأن كرامتهم مصونة وحريَتهم مكفولة وأصواتَهم محفوظة وقيمَهم مأمونة”. فإذا وقع ذلك سنرى من الجزائريين من الصبر والتفاني في العمل والتضحية والإبداع  ما يدهش العالم، وسنكون جميعا، كلنا، بكل توجهاتنا وانتماءاتنا وأعراقنا، وأعراشنا، وجهاتنا، ومدننا وقرانا ومشتاتنا وعوائلنا في ذلك المشهد الممتاز البديع الذي حلمت به هاهنا، والذي لا شك يحلم به كل الجزائريين.

إن مغزى كلِّ هذا أن الطريق إلى الخروج من الأزمة ومعانقة الآفاق الواعدة يتحقق بتوفر حكومة راشدة مسنودة من كل الطبقة السياسية، خصوصا في السنوات الخمس الأولى. أي أن تتجه الجزائر كلها نحو الحل، نتعاون على الحاضر بكل مصاعبه ونبشر جميعا بمستقبل واعد، يعين الإيمان به على تحمل تلك المصاعب .

إن الزمن للبدء باقتحام هذه الآفاق يلوح لنا في مستقبل قريب، وأن الفرصة للمسك بأطراف هذه الحبال الموصلة ليست بعيدة. إنها الانتخابات التشريعية المقبلة التي لم يبق لإدراكها سوى شهرين. وإن المسؤولية كلَّها في يد النظام السياسي القائم لو توفرت له الإرادة السياسية. إنه لم يصبح من المفيد الحديث عن التزوير الانتخابي، رغم القوانين الجائرة التي لم نصوت على نصوصها في البرلمان.  يمكن أن تكون الانتخابات غير مزورة، يكفي أن يقرر ذلك أصحاب القرار، يكفي أن يشعروا بخطورة التزوير بكل أنواعه هذه المرة، القبلي والأثنائي والبعدي، والنفخ في هذا أو إضعاف هذ. يكفي أن يدركوا بأن الأزمة الكبيرة القادمة، والتي ولجناها بعدُ، لن تستطيع مؤسساتٌ غيرُ شرعية ومعطوبةُ المصداقية أن تواجهها. يكفي أن يشعروا بأن استمرار نمط الحكم على ما هو عليه لن يخرجنا من الأزمة بل سيغرقنا فيها لا قدر الله.

إن الذي نقترحه أن تعبّر الانتخابات حقيقة هذه المرة عن الإرادة الشعبية، فتفرز كتلا برلمانية قوية ذات مصداقية، فتتطوع الأحزاب الفائزة لدعم حكومة توافقية تشمل كفاءات جزائرية من الأحزاب الناجحة وغيرها يقودها رئيس حكومة ذو كفاءة يتفق عليه، فتتعاون هذه الكفاءات على بلورة رؤية اقتصادية شاملة على النحو الذي ذكرناه وبرامج قطاعية وفقها تطبقها الحكومة ومختلفُ المؤسساتِ التنفيذية المركزية والمحلية ضمن معايير الحكم الراشد والشفافية والابتعاد عن الفساد بغرض الانقال بالجزائر من اقتصاد الريع إلى الاقتصاد المنتج.

إن أهمية التوافق بين مختلف القوى التي تمثل الشعب ومن يتعاون معها ليس في بلورة الرؤية ووضع البرامج ومكافحة الفساد فحسب، بل من أجل دعم الحكومة التوافقية وحمايتها أثناء هذا الانتقال الصعب الذي ستضطرب فيه الجبهة الاجتماعية، بما يحفظ هذه الحكومة من مواجهة معارضة قوية تهيج عليها الجمهور. وإن المقابل الذي تأخذه هذه الأحزاب نظير هذه التضحية بالكراسي هو شرف حماية الجزائر وخدمتها، ونيلُ فرصة الشراكة في ذلك، وضمان المستقبل الديموقراطي بتحقيق انتقال ديموقراطي متواز مع الانتقال الاقتصادي يتوافق فيه على دستور توافقي مستقبلي، وهيئةٍ مستقلة مستقبلية لتنظيم الانتخابات، وغير ذلك مما يلزم التوافق عليه من أجل مصلحة الجزائر وليس لمصلحة الأحزاب ولا الأشخاص.

المقال الأول من السلسلة :
http://hmsalgeria.net/ar/oHzfL
المقال الثاني :
http://hmsalgeria.net/ar/U9dbn

تعليق