في قصّة الإنسان الأول: آدم عليه السلام، يرسم القرآن الكريم لوحته الوجودية الجميلة، بذلك الإبداع الإلهي، في تحالف الأرض والسّماء في أصل كينونته، لا تزال تلك المرحلة الأرضية المادّية والطينية لا تعطي له ذلك التألّق والمكانة التي تليق بذلك التكريم الرّباني لهذا النّوع الإنساني: “.. وفضّلناه على كثيرٍ ممن خلقنا تفضيلا..“(الإسراء:70)، والوحي يحكي دهرا من الزّمن، وهو يؤكد الحقيقة القرآنية بقوله سبحانه: “هل أتَى على الإنسان حينٌ من الدّهر لم يكن شيئا مذكورا“(الإنسان:01)، ولم يستحق ذلك الدّلال الإلهي بأن جعله سيّدا في الكون، ومحورا لهذا الوجود، ومحلاًّ للخطاب الإلهي والتكليف الرّباني، وموضع سجود الملائكة “سجود التكريم“، إلا بعد نفخ تلك اللّطيفة العلوية، وذلك القبَس من نور الله تعالى المقدّس، وتلك النّفخة الغيبية من عالم السّماء، وهي: الرّوح، لترتقي فاعليةُ الإنسان في الحياة بتلك القوّة الغيبية التي تحرّكه نحو العطاء والإنجاز والإنتاج، فقال سبحانه: “فإذا سوّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين“(ص:72)، وفي نِسبة “الرّوح” إليه سبحانه إشارةٌ – من طَرْفٍ خفيٍّ – أنّ الإنسان جوهرٌ شريفٌ وعنصرٌ علويٌّ ومسْحةٌ قدسيّة، يحوي في أعماقه طاقةً كامنةً وقوّةً غيبيةً خارقة، على اعتبار أنّ “الرّوحَ” سرٌّ شفّافٌ ونوراني، علوي العنصر، قدسيّ الجوْهر، يحدّد مسير ومصير حركة الإنسان في الحياة، وهي صاحبة الآثار التي تميّزه “بفاعلية التديّن”، وقابليته للارتقاء الرّوحي والعقلي، وكلما اتصل بمصدر تلك “النّفخة الإلهية”، استمد منه الإلهام والهداية والاستقامة، ليكون ذلك التناسق الإيجابي المتكامل نحو الأمام، فيكون يومُه خيرًا من أمسه، وهو في ازديادٍ من غير نقصان.

وإنّ الإنسان بدون “طاقته الرّوحية” لا يساوي إلا كتلةً مادية، لا تمثّل إلا كائنًا: صغيرَ الحجم، محدودَ القوّة، ضئيلَ المعرفة، قليلَ العمل، قصيرَ الأجل..

ونتيجةً لهذا الارتباط الوجودي بعالم الغيب، فإنّ “التديّن” نزعةٌ فطرية، وصفةٌ ملازمة، وحاجةٌ أصليةٌ للإنسان، لا تستقيم حياتُه إلا وِفق منظومةٍ من القيم، إذ لا توجد في تاريخ الإنسان حياةٌ بلا “دين”، لأنّ الإيمان بخلود “الدّين” وصلاحيته لكلّ زمانٍ ومكانٍ، وقدرتُه على تعبئة الفرد والأمّة.

والاعتراف بامتداده: ظاهرةٌ مشاهدةٌ وملموسة، ولكنّ ترشيده وتفعيله في الحياة الفردية والعامة هو ما يحتاج منّا إلى: الاجتهاد والإبداع والتجديد، وهو ما يدعونا إلى “إثارة” و”ترشيد” هذا النزوع الديني، وتفجير معانيه في النّفس البشرية، وتقويم السّلوك الإنساني على أساسه.

فالفارّون من “الدّين” يقعون – لا محالة – في أنماطٍ من “التديّن” وأشكالٍ من العبودية المختلفة، كما جاء في الحديث الشريف: تعِس عبدُ الدينار، وتعِس عبد الدّرهم…“، وفي الآية الكريمة: “أفرأيت مَن اتخذ إلهه هواه، وأضلّه الله على عِلم..“(الجاثية:23)، وهو مَن يتخذ من دون الله مصدرًا آخرَ لتصوّراته وأحكامه ومشاعره وتحرّكاته..

ومشكلة “التديّن” ليست مرتبطة بـ: “صحّة النّص” أو “صوابية المنهج” أو “صلاحية الدّين” بقدر ما هي مرتبطةٌ بالفهم والتأصيل والتنزيل على واقعِ الناس، لتكامل المعادلة بين “الخطاب الإلهي” و”خلق الواقع البشري”، كما قال تعالى: “ألاَ لهُ الخلق والأمر.“(الأعراف:54)، ومهما كان الإسلامُ “عزيزًا نفيسًا ومعصومًا” فإنّه لا يقدّم علاجا ولا يكون حلاًّ إلا إذا كان له أهلُه، الذين يوسِّعون “دائرة القدوة” بتقليص الفجوة بين “الدّين الإلهي الكامل” و”التديّن البشري المنقوص”، بأجرأة مبادئه العامة وقواعده الكلّية في دنيا الناس، وتنزيله على الواقع البشري عبر الخطط والبرامج والمشاريع، بإعمال “العقل” في “النّص” وبعث حركية الاجتهاد والتجديد.

إنّه نفسُ “الدّين” ونفسُ “الهداية” ونفسُ “الوحي” الذي جعل عصر الصحابة أكثر الفترات تألّقا للدّين وأشدّ فاعليةً للتديّن عبر المراحل التاريخية للإنسانية، استطاعوا نقلَ الفكرة من “فقه الجماعة” إلى “فقه المجتمع“، ونَقَلَ المشروع من “فقه الدّعوة” في مكة المكرمة إلى “فقه الدولة” في المدينة المنوّرة، والانتقال بهم من “رعاة الغنم” إلى “قادة الأمم“.

لا شكّ أنّ للدّين ثلاثُ دوائر متناسقة ومتكاملة، وهي:

  • الإيمان: ومحلّه العقل، كتصوّراتٍ عقائديةٍ يعتنقها ويؤمن بها.
  • الإسلام: ومحلّه الجوارح كأركانٍ تعبّدية يصطبغ بها، كما قال تعالى: “صبغةُ الله، ومَن أحسنُ من الله صبغة، ونحن له عابدون.“(البقرة:138).
  • الإحسان: ومحلّه القلب، الذي ينبض بالبصيرة ورؤية الحقائق الإلهية، وهو يتفاعل مع الله والكون والحياة، كما جاء في الحديث النبوي الشّريف: “أن تعبد الله كأنّك تراه..“.

ومشكلة التديّن المعاصر غيرُ مرتبطةٍ بالدّين كعبادة، فما أكثر المقبلين على الشعائر التعبّدية، ولكنّها مرتبطةٌ بعدم الارتقاء به إلى عالم القيم والأخلاق والمعاملة، المقوِّمة لحركة الحياة والأحياء، وقد قال “صلى الله عليه وسلّم” عن هذا الارتقاء في التديّن الصحيح: “أكمل المؤمنين إيمانا أحسنُهم خُلُقا..“.

وقد قرّر علماء التربية والسّلوك أن القوّة المحرِّكة لسلوك الإنسان في الحياة ليست القوّة العقلية المجرّدة، فقد يخالف واقعُه السّلوكي ما يؤمن به عقلاً، كما قال تعالى: “يا أيّها الذين آمنوا لِمَا تقولون ما لا تفعلون.“(الصّف:02)، ولكنّ الذي يهزّه إلى الفعل ويؤزّه إلى السّلوك أزًّا هو القوّة العاطفية مثل: القوة الدّافعة كالحب، والقوّة الرّادعة كالخوف، والقوّة الممجّدة كالإعجاب، ومحلّ ذلك كلّه هو القلب.

ومنه فإنّ “فاعلية التديّن” لا تتحقّق إلا بهذه “الطّاقة الرّوحية” و”العاطفة القلبية”، الجيّاشة من “القلب” اتجاه الرّبّ سبحانه وتعالى، وهو ما يتجسّد بـ: “منهج الذّكر” المتكامل، عن طريق: الذّكر اللّفظي باللّسان، والذِّكر العقلي بالتفكّر، والذِّكر القلبي بالتذوّق الوجداني، كما قال تعالى: “الذين آمنوا وتطمئن قلُوبُهم بذِكر الله، إلا بذِكر الله تطمئن القلوب.“(الرّعد:28)، كلُّ ذلك عن طريق الرّبط الدائم بين النِّعم والمنعم.

إنّها العاطفة التي امتنّ الله بها على عباده بمثل قوله سبحانه: .. ولكنّ الله حبّب إليكم الإيمان وزيّنه في قلوبِكم، وكرّه إليكم الكفر والفسوق والعصيان، أولئك هم الرّاشدون.“(الحجرات:07)، لأنّها القوّة الحقيقية في الامتثال والفاعلية.

وعندما تتأمل ذلك الوَهج القرآني بالخطاب الإلهي المفعم بالمعاني المعبّأة بالقوة والتدفّق، تدرك حقيقة تلك “الفاعلية في التديّن”، عندما يتنزّل ذلك التكليف الرّباني على “المؤمنين حقًّا” فتدرك ذلك التألّق الديني لهم، بمثل قوله تعالى: “يا يحي خُذ الكتاب بقوّة.“(مريم:12) وقوله: “فاستبقوا الخيرات..“(البقرة:148)، وقوله: “فاسْعُوا إلى ذكر الله..“(الجمعة:09)، وقوله: “سارعوا إلى مغفرةٍ من ربّكم..“(آل عمران:133)، وقوله: “وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة..“(الأنفال:60)، وقوله “صلّى الله عليه وسلّم: “بادروا بالأعمال سبْعًا..“.

إنّها الفاعلية التي تجمع بين التكوين النّفسي الإيماني الداخلي وبين ما يقتضيه ذلك التديّن من الحركية والإنجاز والعطاء، تتحوّل فيه “العبادة” إلى شُحنةٍ حيّةٍ وقويّةٍ في التعامل مع حركة الحياة، لها حرارتها وتأثيرها الواقعي.

وهو ما يميّز “العبادة” وارتباطها بالواقع – وفق التصوّر الإسلامي – إذ تجمع بين كينونة الإنسان المتكاملة: جسدا وروحا، عقلا وقلبًا، في توازنٍ عجيبٍ وفاعليةٍ قويّة.

تعليق