المرأة كانت ولا تزال الوعاء الحضاري الذي يشكل شخصية وكيان ووجدان المجتمع،فهي حلقة أساسية فيه،وهذا لا يقره إلا من فقه حقيقة دور المرأة الفعال في تكوين الأسرة نواة المجتمع و تغيير الواقع إلى ما هو أفضل،و لكن هل أعطيت لها الفرصة الكافية للمشاركة في تقديم النفع العام؟ أم أنه لاتزال تراوح مكانها وتنتظر الفرصة السانحة لإظهار قدراتها الحقيقة؟

تعتبر الانتخابات البرلمانية والمحلية في الجزائر فرصة لبروز عدد لا بأس به من النساء كرقم  فاعل، خاصة بعد ترسيم نظام الكوطة مما سمح للمرأة بالتواجد في المجالس المنتخبة وكانت أول تجربة في انتخابات 2012، والتي أفرزت مشاركة  141 امرأة، وبالرغم من أن الكوطة لا تعبر حقيقة عن جدارة المرأة،لكنها كخطوة أولى فهي مناسبة لرفع نسبة المشاركة، ولذلك تسابقت الأحزاب لخطب ود المرأة لتكون في قوائمها دون النظر إلى الكفاءة والنوعية،مما أدى إلى ضعف الأداء السياسي للمرأة في تلك المجالس ،ووصم البرلمان السابق ببرلمان الحلاقات، كناية عن الأداء الهزيل للمرأة.

واليوم وبعد تجربة خمس سنوات من تطبيق نظام الكوطة تأتي انتخابات الرابع من ماي القادم للسنة الجارية2017 لتحدد لنا على أي أساس اختارت الأحزاب متصدرات قوائمها من النساء، وهل لازالت نفس الرؤية السابقة لمشاركة المرأة أم هناك تغير في القناعات وبالتالي تغير في واقع الأداء،ذلك ما ستظهره الأيام المقبلة بعد نتائج 4ماي.

شد انتباهي تسويق بعض الأحزاب لبرنامجها الانتخابي في الحملة الانتخابية الجارية لانتخابات ماي 2017 ،فرحت أبحث في مواقعها الالكترونية عن البرنامج وغايتي هي معرفة حصة المرأة وبالأحرى الأسرة من اهتمامات كبرى الأحزاب على الساحة السياسية في الجزائر، وما أدهشني هو عدم العثور على البرنامج لجل تلك الأحزاب ـ وخاصة حزبي جبهة التحرير والتجمع الوطني الديمقراطي ـ  وإن وجد فلا مساحة فيه للمرأة والأسرة،إلا كلاما عابرا لا يعكس اهتماما بشريحة واسعة في المجتمع و يقوم عليها كل المجتمع، ولذلك حاولت جمع المادة من خلال تدخلات الأحزاب في تجمعاتهم إبان الحملة الانتخابية.

وقد اختلف تعاطي الأحزاب السياسية في برامجها الانتخابية مع موضوع “الأسرة والمرأة”. ولم يكن تفعيل ملف الأسرة مدخلا أساسيا في التزاماتها الانتخابية، بينما كان للمرأة نصيب كبير، حيث كان التركيز في متابعة هذا الملف، على تكريس المساواة والمناصفة في الحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية و على فتح المجال أكثر أمام  المرأة و الاعلاء من شأنها و تمكينها من المشاركة في جميع مؤسسات الدولة و  المجتمع، مقابل حضور ضعيف للاهتمام بالأسرة والمرأة من الجانب الإقتصادي والقيمي…

جاء في كلام حزب التجمع الوطني الديمقراطي وجوب مرافقة ترقية المرأة في جميع المجالات و خاصة المرأة العاملة من  خلال “خلق شبكة لدور الحضانة” وذلك بتشجيع المستثمرين لبناء دور الحضانة  للتكفل بأبناء النساء العاملات، كما تعهد الحزب بالسهرعلى التطبيق الصارم لجميع القوانين  التي تحمي المرأة و لاسيما تلك المتعلقة بالقضاء على كل  أنواع العنف ضدها.

أما حزب جبهة التحرير الوطني فقد ركز في خطابه على تعزيز مكانة المرأة في المجالس المنتخبة، وترقية وتفعيل أدوارها خاصة في المجال السياسي وهو الأمر الذي تم تثبيته في الدستور الجزائري.

حزب العمال والذي تقوده امرأة جاء في تصريحاتها وجوب العمل على تمكين المرأة من مزيد من الحقوق في سبيل إحلال المساواة مع الرجل  وإعادة النظر في منحة المرأة الماكثة بالبيت و كذا تحسين الخدمات الصحية الخاصة بالنساء .

أما حزب الجبهة الوطنية الجزائرية فإنه يدعو إلى تمكين المرأة من المشاركة في اتخاذ القرار و  تنفيذه  و ذلك تطبيقا للحقوق التي أعطاها لها الدستور و دعا المرأة أن تتكيف في عملها النيابي مع عمل الرجل.

وجاء في برنامج حزب تاج وجوب ترقية المكاسب التشريعية والسياسية التي حققتها المرأة مع إعادة الاعتبار للمرأة الماكثة بالبيت وتمكينها من دعم مالي حكومي،وكذا إعتماد التعليم القاعدي للمرأة والتكوين المستمر لها،واستغلال كل المؤسسات الرسمية والمجتمعية لتأهيل المرأة لتكون بحق مربية المجتمع وتحصينها بالدرجة الأولى.

وقال حزب الإصلاح الوطني بفتح مجالات أكثر أمام المرأة و  الإعلاء من شأنها وإيلائها اهتماما أكبر تعليما وحماية وتأهيلا لمواقع  المسؤولية وتمكينها من المشاركة في جميع مؤسسات الدولة والمجتمع.وتعتبر الأسرة لدى حركة الإصلاح الوطني محضن القيم وحصانة المجتمع فتدعو إلى تربية الأبناء أخلاقيا وعاطفيا تماشيا مع القيم السمحة في إطار الضوابط التي تحتويها مدونة حقوق الطفل ضمن إطار الموروث الحضاري الجزائري

وقد أولت حركة مجتمع السلم للمرأة حيزا في برنامجها لكن ضمن المقاربة الأسرية وذلك من خلال تفعيل المجلس الوطني للأسرة واستحداث مرصد وطني لقضايا المرأة وشؤون الأسرة لمكافحة العنف ضد المرأة خصوصا والعنف الأسري عموما،مع تفعيل الإرشاد الأسري وتشجيع البرامج الإعلامية المساعدة على التماسك الأسري، دون أن تنسى التكفل القانوني بالمطلقة والأرملة والمرأة المعيلة مع الدعوة لرفع منحة للمرأة الماكثة بالبيت واعتبارها عاملة في بيتها وراعية لشؤون أسرتها،كما تطالب الحركة بتمديد عطلة الأمومة للمرأة العاملة إلى 24 شهرا ، تحفيز المرأة على المشاركة في مؤسسات المجتمع المدني، والأحزاب السياسية واعتماد سياسة فعالة للنهوض بوضع المرأة ( شروط الشغل، التعليم، الصحة، المشاركة المجتمعية،مكافحة الاستغلال الجنسي، مناهضة العنف).

ومن خلال هذه القراءة في برامج الأحزاب السياسية،تأكد لي أن الإهتمام بالأسرة كموضوع أساسي في المجتمع، لا يجد صداه في التزامات الأحزاب، بما يعني أن البرامج لا تعكس الإشكالات الحقيقية للمجتمع في التعامل مع ملف الأسرة، باستثناء حزبي حركة مجتمع السلم وحركة الإصلاح، ويمكن تفسير الالتزام بمتابعة هذا الملف لدى هذين الحزبين إلى كونهما يستلهمان التوجه الذي يؤطر برامجهما من المرجعية الإسلامية التي تجعل الأسرة نواة المجتمع وصمام أمانه .
 إن غياب المقاربة الأسرية في برامج الأحزاب تبدو غير مفهومة أو أن الأحزاب منساقة لما جاء في الاتفاقيات الدولية في مقاربتها للنوع الاجتماعي وتركيزها على حقوق المرأة في شتى المجالات بعيدا عن من يرتبط بها من أبناء وزوج، هذا في الوقت الذي نجد فيه أن جل الأحزاب لم تأخذ بعين الاعتبار الاهتمام بهذا الموضوع، رغم أن الأسرة الجزائرية تعاني إشكالات حقيقية على مستوى الواقع، بينما يطغى التوجه باختزال لملف الأسرة في المرأة من خلال تمكينها سياسيا واقتصاديا والحديث عن المناصفة والمساواة مع الرجل  ومناهضة العنف ضدها.
إن غياب المقاربة الأسرية في برامج العديد من الأحزاب الكبرى، يعطي صورة عن مؤشرات هذا الاهتمام، ستظهر مع الحكومة الجديدة التي ستتمخض عن التشكيلة الجديدة للبرلمان بعد انتخابات الرابع من ماي الجاري، و في حال تشكل الحكومة من هذه الأحزاب التي يغيب حضور الأسرة في برامجها ، فإن ذلك سينعكس لا محالة على البرنامج الحكومي، وستغيب هذه المقاربة بالشكل المطلوب على مستوى الواقع والتطبيق..وذلك ما عكسته برامج وزارة التضامن الوطني والأسرة وقضايا المرأة في الحكومات السابقة ، فمخطط الوزارة وما نفذته يسجل فيه غياب كبير للمقاربة الأسرية، وغياب عمل حقيقي نحو الأسرة، وهذه الأخيرة حاضرة فقط في برامج مديرية النشاط الاجتماعي التي تكتفي  بتقديم معونات للمعاقين وتتكفل بالمسنين وبالأطفال مجهولي النسب وبأمهاتهم.

أقول في الأخير،أن ما توليه الأحزاب من اهتمام بالمرأة يعد مؤشرا على تطور في الوعي بأنها حلقة مهمة من حلقات بناء المجتمع ،لكن لن تصنع تلك الحلقات قوة لو بقي الاهتمام بالمرأة وحدها دون وضعها في إطار الأسرة،وحمايتها من خلال حماية الأسرة من التفكك  والعناية بالأبناء وتنشأتهم في محيط مسيج بالقيم والأخلاق نابعة من ديننا الحنيف ومستلهمة من الأمم المتقدمة لب تطورها ألا وهو العلم.  

تعليق