من السُّنة النبوية الشريفة: الاستبشار بقدوم شهر رمضان، والتهنئة به، ولفت الانتباه إليه، والتذكير بأسراره، وتهيئة النفوس للتعاطي الإيجابي معه، من أجل التعرّض إلى نفحاته.

 فهو قطعةٌ زمنيةٌ قدسية، لها مجالها المغناطيسي التأثيري على النفوس، لا يزال يحمل في طيّاته الأسرار والحِكم، ما يستدعي التوقّف عندها للعبرة، فقد جاء في الحديث النبويِّ الشّريف:”أتاكم رمضان، شهرُ بركة، يغشاكم الله فيه، فينزّل الرّحمة ويحطّ الخطايا ويستجيب فيه الدعاء، وينظر الله تعالى إلى تنافسكم فيه، ويباهي بكم ملائكته، فأرُوا الله من أنفسكم خيرًا، فإنّ الشقيَّ من حُرِم رحمة الله عز وجلَّ فيه” (رواه الطبراني).

فهو فرصةٌ سانحة وغنيمةٌ جاهزة، وهو بحقٍّ مدرسةٌ تربوية ودورةٌ تدريبية ملزمة، كمنحةٍ إلهية وهديةٍ ربانية لتغيير ما بالأنفس، تحت تأثير النّفحات العلوية، واتساقا مع السُّنة الكونية في تغيير النظام السّلوكي، إذ تعتدل طبائع الناس، ويرتقي الفعل البشري، وتتهيّأ النفوس للتدفّق نحو الخير، والإحجام عن فعل الشرّ، في حالةٍ من الإقبال الفطري، واستجابةً للنداء الغيبي: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشرّ أقصر.

وهو المحطّة التي تكشف عن معادن الرّجال، فـ: “النّاسُ معادن”، بما يعني ذلك من الطاقات والكفاءات الكامنة، والتي تحتاج إلى فُرصٍ لتفجير ينابيع الخير فيها، وسوانحٍ لإطلاق قدراتها اللاّ محدودة، لتفيض بها على هذا العالم، بهذه العطاءات الرّوحية، والأنوار الفكرية، لإحداث التغيير المنشود، مستغلةً في ذلك هذه “النّفحة، التي من أخصّ خصائصها: التحفيز الإيجابي, والصّفاء الذّهني, والهدوء النّفسي, والطمأنينة الرّوحيَّة.

كما قال الشاعر: هنا مصنع الأبطال يصنع أمةً …  وينفخ فيها قوّة الرّوح والفِكر.

وقد يستغرب البعضُ من هذه الأسرار الخفية، التي تملك هذا السّلطان من القوة التأ ثيرية العجيبة في النّفس البشرية، للارتقاء بها نحو الحياة الملائكية، والتجسيد الأنموذجي للحياة الرّوحية الحقيقية، من أجل التأهيل الرّباني للنوع الإنساني، للقيام بواجباته الحضارية، وتحقيق مبرّرات وجوده الفعلية.

لا شكّ أنّه هناك عنايةٌ إلهية فائقة بهذا الشّهر، إذ يُحدث فيه تغييراتٍ غيبيةً وكونيةً هائلة، تحت تأثير هذا الوَهَج الرّمضاني العجيب، والأكيد أنها لا تخلو من الحِكمة في هذا التغيير لصالح الإنسان العابد، وهي نوعٌ من إزالة العوائق التي تحول بينه وبين ربّه في الارتقاء في مدارج السالكين وبلوغ مقامات الرّبانيين، وهي حجّة الله تعالى على العبد في الإقبال عليه والدخول في ساحة عبوديته وتحقيق إنسانيته، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ وَذَلكَ كُلُّ لَيْلَةٍ“.

وإنْ كان الحديث يخوض في غيبياتٍ تُعجز العقل البشري، إلا أنّه لا يخلو من لمسات بيانية في فهم بعض المعاني الدقيقة في تفسير ذلك، ومنها: أنّ التصفيد حقيقيٌّ، وأنّ الشياطين (مردة الجان) تعجز عن الإغواء، فلا تصل إلى ما كانت تصل إليه في غيره، من تزيين الشهوات وإلقاء الشبهات، فيكون سعيها لا يؤثّر، وتأثيرها لا يضرّ، وأنّ: أبواب النار تُغلّق كنايةٌ عن قلة الذنوب والمعاصي الموصلة إليها، وأنّ: أبواب الجنة تُفتّح كناية عن تدفّق العباد نحو العبادة وإقبالهم على الطاعة وتنافسهم في الخير وكلّ ما يستوجب الدخول إليها.

ولا تعظُم بركة الشهر إلا بعظمة الأحداث الكامنة فيه، ولا يتميّز عن غيره من القِطع الزمنية إلا بمقدار ما حاز من الشّرف العلوي المقدّس، ولعل أبرز ما يميّزه هو استفراده بنزول الوحي الإلهي، وارتباط الأرض بالسماء بهذا النّور العلوي: شهر رمضان الذي أُنزِل فيه القرآن..(البقرة: 185)، وهو القوّة الغيبية التي ترتقي بالإنسان إلى الحياة المثالية الواقعية، باللطيفة التي يحوز عليها الإنسان، والتي لا تزال من الأسرار الإلهية الكامنة فيه، والتي تعبّر عن الماهية الحقيقية للإنسان، والتي هي الجوهر الكامن فيه، وهي: الرّوح.

ليأتي شهر رمضان ليكون بحقٍّ: شهرَ انتصار الرّوح، إذ تتحالف فيه الأحكام الفقهية لتحقيق المعادلة الصحيحة بين العبد وربّه، وتتكامل فيه العبادات لينسجم الإنسان مع ذاته ومع الله والكون والحياة.

فهو يعيش معركةً قاسيةً من التأثير والتغيير الدائمة، لمن شاء منكم أنْ يتقدّم أو يتأخّر (المدثّر: 37)، وهو إنْ لم يرتقِ إلى درجات “الحياة الملائكية” بأشواق الرّوح، انحطّ إلى دركات “الحياة الحيوانية” بتثاقل الجسد، وهو المَثل الذي أبدع فيه التصوير القرآني في قوله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِين، وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا (أي: ارتقى بروحه إلى الحياة الملائكية)، وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ (بتثاقل الجسد)، وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث (أي: انحطّ بجسده إلى الحياة الحيوانية).”(الأعراف: 175، 176).

 فهو مجبرٌ على عبادة “الصيام”، وهي الإمساك عن “الحلال” – ناهيك عن “الحرام” – ليتشبّه بصفاتٍ إلهيةٍ وملائكيةٍ علوية، فيمتنع عن شهوتي: البطن والفرْج، ليمنع حظوظ “الجسد” لصالح حظوظ “الرّوح”، فيعيش نهارَه متخفّفًا من “أثقال” الجسد، ليعانق بروحه أشواق الملأ الأعلى.

ثمّ تأتي عبادة “القيام” لترتشف الروّحُ من روحها، وترتوي من معينها، وتتغذّى من مصدرها، وتنتعش من هوائها، وتتنفّس القرآن الكريم كاملا: تلاوةً وسماعًا وتدبّرًا.

إنّ التركيز التربوي في هذا الشهر الكريم يكمن في تزاوج عبادتي “الصيام” و”القيام”، وتكاملهما “إيمانا واحتسابا” لتحقيق “القوة التأثيرية” له في السلوك الإنساني، وهو ما أكّد عليه الهدي النبوي الشّريف في الحديثين المشهورين: مَن صام رمضان إيمانا واحتسابا..، و: مَن قام رمضان إيمانا واحتسابا غُفِر له ما تقدّم من ذنبه.

 إنّ هذه القوة التأثيرية لشهر رمضان هي من أجل الارتقاء بالإنسان من “العبادات” كوسيلةٍ إلى “المعاملات” كغاية، والوصول إلى البُعد السلوكي والثمرة الرسالية لها، وهو ما أشارت إليه الهدايات النبوية بالتركيز على الصبغة الأخلاقية للصيام، فقال صلى الله عليه وسلم: “إذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلا يَرْفُثْ، وَلا يَصخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ شَاتَمَهُ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِم“، وهو ما يعني أنّ الصيام بدون رسالته الواقعية، وبدون تحقيق مقصده التشريعي لا يساوي إلا مقدار شقائه الظاهري، كما قال صلى الله عليه وسلم: رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، وَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ(رواه أحمد)، وهي دورات تربوية وتدريبية للوصول إلى المثالية الواقعية أو الواقعية المثالية، بإسقاط الأحكام الشرعية واستدعائها من عالم الأفكار والقيم إلى عالم الواقع ودنيا الناس.

تعليق