حين تكون دوافع الرجل السياسي في الإصلاح والتغيير مبدئية لا يصيبه الإحباط أبدا مهما كانت صعوبة بيئة العمل، ومهما كان الصد شديدا، والتعنت صلبا، ومهما كانت الآفاق مسدودة وموازين القوة ساحقة، بل يكون السياسي المبدئي دائم التفاؤل، يفهم في تحولات السنن الاجتماعية ما لا يفهمه غيره، وله من القدرات الاستشرافية ما يجعله دائم الاطمئنان على تحقق التغيير والإصلاح في الآجل أو العاجل، في حياته أو بعد مماته، فتكون خطواته ثابتة دوما ومعنوياته مرتفعة أبدا، بلا تعجل ولا ترهل، قد فاز بالفضل منذ الخطوة الأولى على طريق الإصلاح. رأينا ذلك في حياة أشخاص مبدئيين غير مسلمين ولا مؤمنين، فكيف لا يكون في حياة المسلم ، الذي يجد في القرآن الكريم ما لا يوجد في غيره من المعاني الشافية الدافعة للثبات والفهم والأمل والفأل الحسن. إنه كتاب الله الذي تقرأ وتسمع آياته البينات مرات ومرات ولكن تفهم منها في كل مرة تفسيرا جديدا بحسب ظروفك وواقعك وأحاسيسك. ولا فرصة للعيش مع القرآن كصلاة التراويح.
صلاة التراويح مروحة للروح، مؤنسة للنفس، يجد فيها المصلي بلسما لأوجاعه وهمومه بقدر قدرته على التركيز والحضور والمتابعة، هكذا كان حالي في آخر ركعة من تراويح البارحة وأنا أسمع هاتين الآيتين من سورة الأعراف:
((وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُون، فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُون))َ 164. 165
(( وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ)) 170.
أما الآية الأولى فهي رسالة لمن يريد الإصلاح أن لا ييأس مهما كانت التوقعات سيئة لأنه يفعل ذلك على أساس مبدئي إبراء للذمة وإعذارا إلى الله، وهو مع ذلك لا يعرف الغيب فقد يتحقق الإصلاح ويخرج ممن بلغ اليأس منهم مبلغه من يتقي ويصلح وقد يكون معينا على الإصلاح. وقد تتحول الأمور كلية لصالح المصلحين رغم عتامة الوضع فينجو المصلحون الذين كانوا ينهون عن السوء في أحلك الظروف ويصيب الذين حادوا عن الحق بفعل السوء أو السكوت عنه (كما يقول بعض المفسرين) عذاب شديد في الدنيا والآخرة.
وأما الآية الثانية فهي وعد رباني متحقق بيقين بأن الله لا يضيع أجر المصلحين، في الوقت وبالكيف الذي يريده الله، بتحقيق ثمرة إصلاحه في حياته أو بعد مماته، وفي كل الأحوال يأخذ الأجر كاملا إذا توفر له الشرطان اللذان يؤكدان أن إصلاحه لوجه الله تعالى: التمسك بكتاب الله وإقامة الصلاة.

تعليق