في كل ليلة من ليالي رمضان يحلق المصلي في أجواء صلاة التراويح فيجد نفسه يعرض هواجسه وأسئلته العصيبة وشكوكه وأوضاعه الفكرية والنفسية على مائدة القرآن، فيتزود كل مستمع ومنصت مقبل على هذه المائدة من صنوف الزاد ما يحتاجه هو ذاته في تلك المرحلة وتلك الظروف وربما في تلك الليلة. إن هذه الظاهرة القرآنية هي من مظاهر الإعجاز القرآني التي عبر عنها الحديث الشريف الذي رواه الترمذي عن الحارث بن علي قال : ((سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : كتاب الله فيه خبر ما قبلكم ونبأ ما بعدكم وحكم ما بينكم ، هو الفصل ليس بالهزل ، هو الذي لا تزيغ به الأهواء ، ولا يشبع منه العلماء ، ولا يخلق عن كثرة رد ، ولا تنقضي عجائبه …))
إن الهواجس التي أصبحت تزعج المصلحين في هذا الوطن وفي العالم الإسلامي كله ظاهرة المال السياسي الذي أصبح يهيمن على العملية السياسية على كل المستويات حتى كاد الناشطون السياسيون الوطنيون التزهاء ييأسوا من إمكانية التغيير والإصلاح أمام حجم التأثير الذي يصنعه المال الوسخ على المستوى الأعلى باتساع نفوذ رجال المال الذين أضحت لهم قدرات متصاعدة على التحكم في القرار داخل الدولة وفي تحولات الرأي العام من خلال التحكم في الإعلام والمؤسسات المجتمعية المتنوعة، أو على المستوى الأدنى بالتحكم في العملية الانتخابية بكل تفاصيلها وبالتأثير الكبير في مختلف مؤسسات الدولة المحلية. لقد أصبحت تطرح علينا أسئلة صعبة من قواعدنا في هذا الشأن ولا نجد الجواب الشافي: كيف يمكن أن ننافس هذا الأخطبوط المالي الوسخ? وكيف يمكن أن نواصل عملنا الإصلاحي أمام هذا التحدي الكبير ? ويزداد السؤال صعوبة حينما ترى حجم المال الخيالي الذي تنفقه بعض الدول العربية لمنع الإصلاح والتغيير في العالم العربي والإسلامي بل والانقلاب على أية فرصة تتاح للشعوب لتقرير مصيرهم وإصلاح أوضاعهم.
لقد كانت الليلة الفارطة هي ليلة الجواب على هذه الأسئلة لمن بذل وسعه تخطيطا وإعدادا وعملا وبذلا وإنجازا ، وبقي مع ذلك المال الوسخ الضخم السيال المتدفق هو من أكبر موانع الإصلاح والتغيير. لقد قرأ الإمام في صلاة التراويح السابقة هاتين الآيتين فكأنك لأول مرة تسمعهما. قال الله تعالى في سورة الأنفال:
(( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (37))
تحكي هذه الآيات حالة من حالات الصراع بين الحق والباطل في عهد المصطفى عليه الصلاة والسلام أراد الله أن يسلي رسوله الكريم ومن معه من المؤمنين ويطمئنهم حين توالت الأخبار بأن المشركين يجمعون مالا كثيرا للإنفاق على حرب المسلمين انتقاما لهزيمتهم في بدر. اخبرهم الله تعالى، والإخبار عام لكل مسلم مصلح يعيش قهر المال الوسخ في أي مجتمع كان، سواء كان الصراع داخل المجتمعات المسلمة وبين مسلمين، أو بين مسلمين وغيرهم:
– إن إنفاق المال للصد عن سبيل الله سنة جارية في الأمم، وسيبقى الفاسدون والضالون والكافرون ينفقون أموالهم لهذا الغرض.
– لن يسعد هؤلاء أبدا بإنفاقهم هذا ، سيعترضهم دوما من المصائب والمفاجآت والحسابات الخاطئة ما ينغص عليهم حياتهم وما يجعل عاقبتهم حسرات متتالية تمنعهم من تحقيق أهدافهم وينتهي أمرهم بهزائم في الدنيا وبخسران مبين في الآخرة.
– إن المقصد من تمكين الكافرين والفاسدين من الثروة وقدرتهم على استعمال المال لإيذاء المصلحين وإفساد مشاريعهم الإصلاحية إنما هو الابتلاء والتمحيص ليعرف الناس على حقيقتهم، بين مصلح ومن ينصره ويؤازره، وفاسد مستعمل للمال للصد عن سبيل الله ومن يسير في ركبه ويخضع لإغراءاته ويكون له عون في فساده.
– غير ان النهاية، مهما طالت المعاناة، أن الله سيجمع أحلاف الخبث بكل انواعهم ويراكمهم على بعضهم البعض ثم يجعلهم جميعا في جهنم وتكون عاقبتهم الخسارة في الدنيا والخسران يوم القيامة.
لا شك أن من يوفقهم الله للتدبر في هذه الآيات من المصلحين والعاملين في سبيل الله سيشعرون بكثير من الثقة، وترتفع معنوياتهم وينطلقون بكل عزيمة لمواصلة الطريق التي صارت آفاقها بهذه الآيات واضحة بينة.

تعليق