قال الله تعالى:((وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ۚ إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ)) يونس 36.
هو القرآن الكريم يفاجئك بالإجابة عن تساؤلاتك من حيث لا تحتسب، يكفي أن تستمع إليه وتنصت، وقد لا توفق مدة فتهجره بعدم قراءته أو الاستماع إلى تلاوته، ولكن ما إن ألقيت السمع وأنت شهيد، أو تأملت رسمه وحضر مع الرسم وجدانك يخاطبك هو بنفسه فلا يعاقبك عن جفائك السابق، وفي تلك اللحظة تشعر بالحضرة الإلهية فيخشع قلبك وقد يرق دمعك، وتحس بأنك أنت المعني بالمخاطبة دون غيرك، تارة يحدثك القرآن عن نفسك فيعالج أمراضك ويؤنس فؤادك حتى لكأنك خلق جديد، ولكن قد يحدثك كذلك عن غيرك فينبهك إلى خطأ أو أخطاء اقترفتها في حق غيرك فيدعوك للتوبة والأوبة فتستجيب فورا وتعزم على إصلاح الوضع لاحقا، أو يشرح لك سلوكا عدائيا تعرضت له وقد يعطيك فورا سبيل التعامل مع الوضع فتشعر بالأنس والقوة. ومن ما قرأه الإمام البارحة في التراويح قوله تعالى: ((وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ۚ إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ)). يتعلق سبب ورود الآية بالمشركين الذين يعبدون غير الله، والريب يقتل قلوبهم بخصوص آلهتهم -مهما كان نوعها- فيؤكد الله لهم لهم بأن الظن الذي يميز معتقداتهم لا يغني من يقين التوحيد شيئا ، كما لن يغني عنهم من العذاب الآكد يوم القيامة شيئا وأن الله يعلم تخبطهم وظنهم وفعلهم المريب. غير أن المعنى أعم من هذا ويمكنه أن يعالج أوضاعا حياتية كثيرة ومنها تلك الظاهرة المنتشرة في الحياة السياسية حيث كثير من ما يقال فيها ريب، وأغلب الاتهامات ظن، فيجد الناشط السياسي نفسه يتعرض لحجم كبير من الاتهامات تبنى عليها مواقف ويتبعها خلق كثير ، ولا أحد ممن يتبع تلك الظنون موقن بها ولا مرتاح لصحتها و لما ينقله عن غيره، وفي كل الأحوال هيهات، هيهات أن تغني تلك الظنون من الحق الذي يعلمه الله شيئا، ومهما شاع الظن السيء فإنه لن يغلب الحق الأبلج. وهؤلاء الذين يتبعون الظن ويصنعون منه آلهة باطلة قد يتبعها خلق كثير يعلم الله فعلهم ولن يغني ظنهم الرائج من العذاب الآكد الذي سيلقونه يوم القيامة.

عبد الرزاق مقري.

تعليق