يتميّز الإنسان تميّزًا نوعيًّا في السُّلّم القيمي الوجودي، ويستقل استقلالا استعلائيا في الكون، وفق عقيدة التكريم الرّباني لهذا النوع الإنساني، ابتداءً من شرفية العناية المخصوصة بالخلق المباشر دون غيره من الموجودات، كما قال تعالى: “قال يا إبليس ما منعك أنْ تسجد لما خلقتُ بيديّ..“(ص:75)، إلى “طمأنينة الخلود” في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر. 

وهو ما احتفل به القرآن الكريم احتفاءً خاصا في قصّة خلق الإنسان الأول: آدم عليه السلام، بما يؤكد المفارقة الجليّة في منازل التقدير القرآني، والذي يتجاوز هذا الاحتفاءُ مجال “الخطاب التكليفي”، إلى محورية بيان الخلق الإلهي له دون غيره، بما يجعل الإنسان محورًا لهذا الكون، وسرًّا كبيرًا في هذه الحياة، فهو – وإنْ تساوى مع الموجودات في “المخلوقية” – إلا أنه يتمايز عنها في “القيمة الوجودية”.

قال تعالى عن هذا الاستعلاء بمقتضى “الإنسانية”، وبعيدا عن أيِّ عارضٍ من “الدّين” أو “اللغة” أو “الثقافة” أو “الجنس”: “ولقد كرّمنا بنى آدم، وحملناهم في البرّ والبحر، ورزقناهم من الطيّبات وفضّلناهم على كثيرٍ ممن خلقنا تفضيلا“.(الإسراء:70)، بما يجعله مؤهّلا “للخلافة”، كما قال تعالى: “وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً..“(البقرة:30)، و”للعمارة”، كما قال تعالى: “.. هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا..” (هود:61)، و”للعبادة”، كما قال تعالى: “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ..“(الذاريات:56 (.

إنّ استحقاق تحمّل هذه الأمانة يتطلّب طاقاتٍ لا محدودة، وكمًّا هائلا من القدرات العجيبة، إذْ لا نُكلّف إلا بمقدار ما نُعطى، فـ: “..لا يكلّف الله نفسًا إلا ما أتاها..“(الطلاق:07)، فما هي هذه الطاقات التي ترتقي بالإنسان إلى سُلّم “الاصطفاء الإلهي” ليكون سيّدا لهذا الكون؟.

1- طاقاتُنا العقلية: هناك ضخٌّ قرآنيٌّ مركّز في الإشادة بالعقل وتفتيق قدراته الخارقة، فقد ذُكر “فعل” العقل: 49 مرّة، وورد وصف “الألباب” للعقول: 16 مرّة، و”النُّهَى” مرّتين، وفعل “التفكّر”: 18 مرّة، في عنايةٍ خاصّة بالرياضة العقلية، وما يتفتّق عنها من الإبداع والتجديد..

ولقد بُني عقل الإنسان على خصالٍ عجيبة، ومُنح طاقاتٍ لا محدودة لأداء تلك الأدوار الحضارية، إذ جعله الله تعالى مناط التكليف، وركّب فيه القدرة على الاستيعاب والتمييز والحفظ والتذكّر، وفسح له مجال التصديق والتصوّر، بما يتجاوز حُجب الزّمان والمكان إلى غياهب الغيب، ووهَبَ له قوّةً هائلةً في تجاوز حقائق الأشياء المادّية إلى خفايا حقائق الأشياء المعنوية، للسيطرة على البيئة الكونية المحيطة.

فهو يستوعب حقائق الماضي ومعطيات الحاضر واستشرافات المستقبل، كما قال تعالى عن العقل المسلم: “والذين يؤمنون بما أُنزل إليك (الحاضر)، وما أُنزِل من قبلك (الماضي)، وبالآخرة هم يوقنون.” (المستقبل)(البقرة:04)، كما فتح له مجال “عبادة التفكير” في الكون وندَبَه إليها، بما تمكّنه من معرفة النواميس الإلهية التي تحكم الحياة والأحياء، وهي كلماتُ الله تعالى التي لا نهاية لها، فقال تعالى: .. ويتفكّرون في خلق السموات والأرض، ربّنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك..“(آل عمران:191)، وجعل لهذا العقل سلطانا يخترق به الكون، ويبلغ بالخيال مداه، فقال تعالى: “يا معشر الجنّ والإنس: إن استطعتم أنْ تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا، لا تنفذون إلا بسلطان..” (الرحمان:33).

2- طاقاتُنا الرّوحية: يحوي الكيان الإنساني طاقةً روحيةً علوية لا محدودة, وهي تتّجه بالحبّ والحنين إلى مصدرها العلوي المقدّس, وتتمركز هذه الطاقة في الرّوح، وهي التي تعكس إيحاءاتُها الربانية على القلب فينبض بالحياة الحقيقية لا بمجرد الحياة الطبيعية, وكما للجسد غذاؤه وماؤه وهواؤه ودواؤه فإن للقلب والرّوح مثله, وعندما نتَتبّع المرافقات القرآنية للإنسان نجد هذه العناية الإلهية الحانية تفجّر ينابيع الحياة المتدفّقة فيه بهدايات الوحي، وهو روحُ الرّوح..

 ولقد كان الإنسان الأوّل بعنصرِ خِلْقته الترابية والأرضية لا يساوي شيئا، كما قال تعالى: “هل أتى على الإنسان حينٌ من الدّهر لم يكن شيئًا مذكورا.“(الإنسان:01)، وهو بتلك الطاقة المادية: ضعيف، وهي صفةٌ ملازمةٌ له بحكم طبيعته البشرية، كما قال تعالى: “وخُلِق الإنسان ضعيفا.“(النّساء:28)، وهي طاقةٌ محدودة لا تؤهّله لتلك الأدوار الحضارية.

ولم يستحقّ التكريم الإلهي إلا بنفخةٍ علوية قدسية إلهية، نسبَها الله تعالى إليه، نِسبة التشريف والتكريم، فقال: “..فإذا سوّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين.“(الحِجر:29)، ليستمدّ الإنسان شرف هذا الانتساب الرّباني، ويحوز على هذه الطاقة الرّوحية اللاّ محدودة من القوي المطلق.

وهو ما يؤكّد بأنّ “الرّوح” هي مَن تحمل الجسد وليس العكس، فإذا خرجت سقط سقوطا حُرًّا، فيوضع تحت التراب بلا كرامة.

وبقدر طاقتنا الرّوحية بقدر قوّتنا على تحمّل أعباء التكاليف الإلهية والقيام بالواجبات الإنسانية طواعيةً واختيارا، وبقدر ارتباط هذه الرّوح بأصلها العلوي بقدر ما تهب لصاحبِها قدراتٍ ومَلَكاتٍ تتجاوز حدود القدرة البشرية العادية، فيتفاوت النّاس في العطاء والإنتاج والإنجاز والإبداع بمقدار ما تفيض به تلك الرّوح على ذلك الجسد.

 3- طاقاتُنا العاطفية: يميل علماء النّفس التربوي إلى أنّ الإنسان تحرّكه قوّتان: عقليةٌ وعاطفية، وأنّ القوّة العقلية لا تكفي كباعثٍ لحركة الإنسان، فقد يؤمن عقلا بما يخالفه فِعْلاً، كما قال تعالى: “يا أيها الذين آمنوا لما تقولون ما لا تفعلون.“(الصّف:02)، ويعتقدون أنّ القوّة العاطفية هي أقوى تأثيرًا ودافعيةً لسلوكه في الحياة، وهي تنقسم إلى: قوّةٍ دافعة مثل: الحبّ والبغض، وقوّةٍ رادعةٍ مثل: الخوف والحياء، وقوّةٍ ممجّدة مثل: الإعجاب والتعظيم.

وإنّ تفجير هذه الطاقاتِ بما يتناسب مع الإرادة الإلهية اتجاه النّفس البشرية هو ما يحقّق النجاح في الدنيا والنجاة في الآخرة، وتأمّل قول الله تعالى: “وأمّا مَن خاف مقام ربّه، ونهى النّفسَ عن الهوى، فإنّ الجنة هي المأوى.“(النّازعات:40، 41)، كما أنّ قوّة التحكّم في الذات هي القوّة الحقيقية للإنسان، كما قال صلّى الله عليه وسلّم: “ليس القويّ بالصرعة، ولكنّ القويّ الذي يملك نفسه عند الغضب.“.  

إّنّ قلب الإنسان كنزٌ عظيم ومستودعٌ رهيب من العواطف، وبإمكانه أن يحوي أقدس حُبٍّ في الوجود، وهو: حبُّ الله تعالى، كما يسعه أن يفيض بهذا الحبّ على كلّ زوايا هذا الكون، وهو ما يجعله: يحبّ بلا شروط، ويعطي بلا حدود، وهي من أسرار التألّق والنجاح.

4- طاقاتُنا الإيمانية: من أعظم القوى الخارقة في كيان الإنسان هي: قوّة الاعتقاد، وتحديدا: قوة الإيمان بالله تعالى والاعتقاد فيه سبحانه، وهي مصدرٌ زاخرٌ ومتدفّق من المعنويات العالية، تملأ على العبد نفسَه المتوقّدة، وتطير به في الحياة ليصنع المعجزات، ويحقّق الإنجازات، وتجري بين يديه خوارق العادات، قال تعالى: “ولكنّ الله حبّب إليكم الإيمان وزيّنه في قلوبكم، وكرّه إليكم الكفر والفسوق والعصيان..” (الحجرات:07)، وبهذا الاعتقادِ والإيمانِ يتحوّل المستحيل إلى ممكنٍ بتلك المعيّة الإلهية، التي تقول للشيء كُن فيكون.

وإذا تجوّلت في سياحةٍ نورانيةٍ من الوحي، تؤكّد لك هذه المعاني اللّامعة، مثل قوله صلى الله عليه وسلّم: “لو تعلّقت هِمّةُ المؤمن بالعرش لَنَالَها.“، وقوله: “لو عرفتم الله حقّ معرفته لزالت بدعائكم الجبال.“، وفي الحديث القدسي الجليل: “أنا عند حُسن ظنّ عبدي بي، فليظنّ بي ما يشاء..“.

هي الطاقة الإيمانية اللاّ محدودة، التي تستهزىء بالقدر، ولا تؤمن بأنّ معايير عالَم الشهادة الخادعة هي الحاكمة والحاسمة، فعندما يقف موسى عليه السّلام، والبحر أمامَه وفرعون وجنُودُه وراءَه، وأصحابُه يقولون: إنّا لمدركون، فيقول بقوّة الاعتقاد في الله: “كلّا إنّ معي ربي سيهدين.“(الشّعراء:62)، وعندما لا يكون بين الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلّم وبين الموت إلا خيطُ العنكبوت في الغار، لا تنجّيه إلا تلك الطاقة الإيمانية الرّوحانية الخارقة: “إذ يقول لصاحبه: لا تحزن إنّ الله معنا.“(التوبة:40).

تعليق