التحولات الخليجية والدولية:

تعرف منطقة الخليج العربي أزمة غير مسبوقة تسبب فيها الحصار الذي ضربته المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين على دولة قطر. إن قسوة الحصار وآثاره على اقتصاديات المنطقة برمتها وعلى حقوق كثير من المواطنين الخليجيين والسكان المقيمين والمسافرين والإجراءات المصاحبة والاشتراطات التي أعلنتها الإمارات والسعودية تظهر حجم الخصومة وعمق العداوة وتبين بأن ثمة خطبا ما أكثر مما يقال ويعلن هو ما يهمنا دراسته في هذا المقال. إن الاشتراطات المعلنة التي اشترطتها هاتان الدولتان المهاجمتان على قطر هي ما يساعد على فهم ما يحدث، لقد طلبتا من قطر غلق كل مؤسساتها الإعلامية التي تملكها أو تسندها، ووقف دعم حركة حماس والإخوان المسلمين وجعلت على قائمة الإرهاب وفق تصنيفها عددا من الشخصيات والمؤسسات الإسلامية المرموقة التي لها تأثير في الرأي العام العام العربي والإسلامي والعديد من المؤسسات الخيرية المعروفة بدعمها لغزة والمشاريع الإسلامية الخيرية والإعلامية والدراسية التي لا تتوافق مع السياسات الإماراتية والسعودية. فما المقصود بذلك وما سببه؟
إن هذه الإجراءات والاشتراطات تنم عن غلبة توجه موجود في دول الخليج العربي، هو صاحب السلطة المطلقة في دولة الإمارات منذ مدة بواسطة الحاكم الفعلي ولي العهد محمد بن زايد آل نهيان، وكان هذا التيار هو صاحب القرار في السعودية في زمن الملك عبد الله ثم تراجع مع مجيء الملك سلمان ولكن يبدو أنه أمسك بزمام الأمور من جديد. يمثل هذا التيار مجموعة من الأمراء الشباب وأبناء الملوك الذين تربوا ضمن الثقافة الغربية العلمانية البعيدة عن أجواء التدين والثقافة التقليدية التي نشأ عليها أباؤهم والسائدة في المجتمعات السعودية والخليجية، ليس لهؤلاء الأمراء أية عاطفة أو توجهات دينية تتناسب مع الطبيعة المعلنة للدولة السعودية، وليس لهم ارتباط فكري أو وجداني بقضايا الأمة وعلى رأسها القضية الفلسطينية، بل لهم تقبل مبدئي للدولة الإسرائيلية اليهودية ورفض كلي للمقاومة الفلسطينية وارتباط تآمري تام مع التيار الفلسطيني الأكثر تطرفا لصالح إسرائيل الذي يمثله دحلان، ولهم حساسية مفرطة من كل التيارات الإسلامية سواء التيارات السلفية الوهابية المتحالفة مع الحكم الخليجي التقليدي والتي هي مثار هجومات وسخرية منهجية في وسائل إعلام هذا التيار وعلى رأسها شبكة الأمبسي، أو التيارات الإسلامية الوسطية وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين التي تتعرض إلى حرب استئصالية طاحنة كانت بدايتها الثورة المضادة في مصر وفي كل دول المنطقة. أهم ما يشغل بال هذا التيار هو المحافظة على نظام الحكم الخليجي وضمان انتقال السلطة إليه بشكل آمن وضمن خيارات ثقافية جديدة لا يكون للدين فيها أي تأثير سوى بعض الأشكال العامة التي تساعد على التحكم والسيطرة لا غير، والتي تساعد على توفير الشرعية الدينية لسياساتها من قبل العلماء بواسطة الاستغفال أو الترغيب والتهديد.
صاحَبَ هذا التيارُ الملكَ عبد الله منذ كان وليا للعهد، وكان أبرز آثاره مبادرة هذا الأخير لإقامة دولة فلسطينية على أراضي 67 تكون عاصمتها القدس الشريف مقابل تطبيع عربي رسمي كامل مع إسرائيل، ثم صارت لها سطوة كبيرة في أواخر عهد الملك عبد الله بتأثير رئيس ديوانه خالد بن عبد العزيز التويجري. أدت سياسات هذا التيار إلى كوارث على الأمن القومي السعودي في المنطقة منذ تدبيره ودعمه للانقلاب على الشرعية في مصر وسوء تدبير الملف اليمني من خلال سياسة دعم الحوثيين ضد التجمع اليمني للإصلاح إخواني التوجه، ومحاولة ضرب الطرفين ببعضهما البعض مما أدى إلى تغول الحوثيين الذين استفادوا من صالح (الرئيس اليمني السابق) ومن السعودية ومن إيران، فتحولت اليمن إلى خطر جسيم على الأمن السعودي. تراجع هذا التيار عند تولي الملك سلمان الحكم بعد وفاة الملك عبد الله، واعتقد الكثير بأن السياسة السعودية ستتغير وغذّى هذا الشعور انفتاح السعودية على تركيا وتخفيف حجم العداء الأصلي للحركة الإسلامية الوسطية، ولكن التورط العسكري للسعودية في اليمن وعدم القدرة على الحسم ضد صالح والحوثيين المسنودين من إيران والعجز على تشكيل حلف إسلامي قوي في اليمن وتصاعد الخطر الإيراني في المنطقة عجّل بتغير موازين القوة داخل الأسرة الحاكمة ورجوع التيار الاستصالي حول الملك سلمان.
أصبح ثمة شعور سائد لدى الأسرة الحاكمة في السعودية، مسنود بقوة من حكام الإمارات، بأنه لا يوجد إمكان لدفع المخاطر الوجودية الآنية التي تمثلها إيران من خلال قوى خليجية أو عربية إسلامية بعد فشل تشكيل الحلف الإسلامي في عاصفة الحزم ضد الحوثيين وصالح وبعد تحول هذه الحرب إلى نزيف كبير للمقدرات السعودية، ولم يكن ثمة استعداد لإبرام تحالف استراتجي صادق مع التجمع اليمني للإصلاح الموجود على أرض اليمن والقادر على تحقيق التوازن مع الحوثيين، كما لم يكن ثمة استعداد لتحقيق حلف استراتجي عسكري اقتصادي شامل دائم مع تركيا وذلك، في الحالتين، بسبب الخوف من أن يؤدي هاذان الحلفان الضروريان إلى صعود الحركات الإسلامية السنية التي تعتبرها السعودية خطرا وجوديا آخر على المديين المتوسط والبعيد. لهذه الأسباب حسمت مختلف الأطياف المشكلة للأسرة الحاكمة في العودة إلى الاعتماد على أمريكا اعتمادا كليا.

قبل أن نتحدث عن الأسلوب الذي اعمدته السعودية والإمارات في جلب الحماية الأمريكية ضمن الواقع الإقليمي الجديد، نتوقف قليلا عند الوضعية الجيوستراتيجية والاقتصادية لأمريكا ومن ورائها الغرب لفهم أدق للأحداث الجارية في الخليج.
يعيش الغرب اليوم أزمة اقتصادية هيكلية تجلّت سنة 2008 ولم تتوقف منذ ذلك الزلزال المالي الذي تحول إلى أزمة اقتصادية دائمة، وفي نفس الوقت تواجه أمريكا وأوربا منافسة عالمية شرسة ستفقدها ريادتها وأسواقها وقوتها في مواجهة دول صاعدة تنتج بغزارة، بكلفة أقل من الإنتاج الغربي البطيء، وتسير نحو السيطرة العلمية والتكنولوجية بخطى حثيثة، حيث ستوفر الصين والهند وحدهما ما مقداره 60 % من اليد العاملة ذات الشهادات العالية في العلوم والتكنلوجيا والهندسة والرياضيات (STIM) في حدود 2030، تتمثل هذه الدول في منظمة شنغهاي للتعاون التي تتشكل من الدول الصاعدة ذات الاقتصاديات النشطة كالصين وروسيا والتي اتلحقت بها مؤخرا الهند وباكستان فأصبحت تضم 4 دول نووية وثلثي سكان العالم وأول قوة اقتصادية من حيث الناتج الإجمالي المحلي للفرد الواحد. بدل أن يغير الغرب نمط إنتاجه وثقافته الاستهلاكية التبذيرية المُكلفة بما يجعل شعوبه تشعر بأنها لن نستطيع أن تحافظ على مستواها المعيشي العالي جدا اتجه إلى حل مشاكله بالذهنية الاستعمارية التوسعية على حساب موارد وأموال وأسواق الشعوب الأخرى كما فعلت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بعد الثورة الصناعية. يبدو أن الثورة المعلوماتية تقودها إلى احتلال نفس المنطقة العربية الإسلامية لأسباب جيوستراتيجية واقتصادية وتاريخية ولمنع القوى الدولية الأخرى أن تتمدد فيها وتنافسها عليها وتستعملها لإضعافها. غير أن الاحتلال هذه المرة لن يكون بإرسال الجيوش ولكن بجعل دول المنطقة ضعيفة متصارعة بينها تعيش فتنا دائرية متجددة تلجأ كلها للاحتماء بالغرب على المدى القريب، للوصول في وقت ما إلى تقسيمها وفق دويلات جديدة تصبح عبارة عن ولايات ملحقة بالغرب في قراراها وثرواتها وسياساتها.
لقد أفلح الغرب في استعمال بعبع جديد بعد الكيان الصهيوني لضرب استقرار المنطقة وتخويف حكامها وهي إيران صاحبة المشروع القومي التوسعي الذي صار يتحكم في أربع دول عربية هي العراق وسوريا ولبنان واليمن ويعتمد على وجود سكاني طائفي معتبر في جل الدول الخليجية، ووراءه ترسانة عسكرية قوية، وأمامه أنظمة عربية ضعيفة مترهلة متهالكة متخاصمة مع شعوبها ومحاربة لكل أنواع الإصلاح، وله قدرة فائقة في استعمال القضية الفلسطينية لكسب تعاطف الرأي العام العربي والإسلامي، ومعه تحالفات دولية معتبرة مع روسيا والصين والعديد من الدول العربية والأجنبية. فما علاقة هذا بما يحدث في الخليج العربي ….. يتبع.

د.  عبد الرزاق مقري

تعليق