الأزمة الخليجية: خلفياتها وأبعادها ومآلاتها (2\4)

2 ـ الخطر الإيراني والطريق إلى أمريكا: الخصوصيات الخليجية.  
لقد أصبحت الظروف كلها مهيأة في دول الخليج ليقع التحول الكبير الذي أبانت عن حقيقته عملية حصار قطر. حالة من الخوف الشديد لدى حكام خليجيين جدد يرغبون في السيطرة على عروش آبائهم والجيل الذي سبقهم، لهم تكوين غربي علماني متحسس بالأصالة من التيار الإسلامي، ولهم قناعة بمشروع الشرق الأوسط الجديد، لهم رهاب شديد من إيران أججه تعقد الوضع في اليمن وسوريا وظهور الطموحات الإقليمية الفارسية، يشبه فترة الثمانينينات دون وجود قوة إقليمية علمانية لها القدرة أو الاستعداد للدخول في حرب ضد إيران لصالحهم مثل ما كان الحال مع صدام حسين في الحرب الإيرانية العراقية بين 1980 – 1988، داخلهم تفاعل شيعي متهم من قبلهم في مواطنته وولائه لم يكن كذلك منذ قعود من الزمن، وأمامهم وفي محيطهم تيارات إسلامية سنية قوية ومعتدلة لها القدرة على الوصول إلى السلطة والنجاح فيها لو توفرت الديموقراطية والانتخابات الحرة والنزيهة دون أي استعداد خليجي للتوافق مع هذه التيارات السنية لصالح المنطقة واستقراراها وازدرهارها بل ثمة سعي لسحقها ولو أدى ذلك إلى دخول المنطقة في فتنة عمياء وصعود التيارات المتطرفة وانتشار الجماعات الإرهابية التي تتحكم فيها كل الاستخبارات المتصارعة في \وعلى المنطقة.
لقد أدت هذه الظروف إلى تغير كبير في موازين القوة في بلاط الملك عبد العزيز لصالح هذا التيار العلماني الاستئصالي المتحالف مع حكام الإمارات أصل المشكلة في المنطقة، وبعد أن تحقق هذا التحول في المملكة السعودية التي هي الدولة الأقوى والأغنى والتي تعتبر نفسها هي قائدة مجلس التعاون الخليجي اتخذ القرار للتوجه إلى أمريكا عبر مسارين أساسيين: المسار الأول هو رئيس الولايات الأمريكية المتحدة، والمسار الثاني هو المؤسسات الأمريكية.
لقد أدرك حكام الخليج الجدد بأن ثمة رئيس جديد أفرزته الأزمة الاقتصادية الأمريكية هو دونالد ترامب، وفهموا ذهنية هذا الرئيس واحتياجاته وأولوياته. لقد علموا بأن ترامب رجل أعمال، يتصف بالميزاجية والاندفاع وليس له موقف ثابت سوى ما يتعلق بالمنفعة المالية السريعة والمصلحة المادية الآنية المباشرة، وشعروا بأن هذا الرئيس يبتزهم كما يبتز أقرب الناس إليه، وأنه لا يريد أن تنفق أمريكا على أحد ولو كان قريبا كالحلف الأطلسي، ولا يريد أن يسند أي كان إلا بالمقابل المالي…. فأعطوه ما يريد بسخاء، حيث تجاوزت الجزية التي منحوها له ليزورهم ويعلن حمايته لهم من خلال اتفاقيات التعاون الدفاعي (350 مليار دولار) وإتمام صفقات بيع أسلحة ( 110 مليار دولار)، أي مبلغ عظيم يجعلهم قوة صاعدة لا تحتاج من يحميهم لو استعملوها بكفاءة ورشد لتحقيق التنمية ونهضة بلدهم.
أما وسيلتهم للتأثير في المؤسسات الأمريكية، التي لا تتوافق بالضرورة مع ترامب، والتي تعمل على المدى المتوسط والبعيد لضمان مصالحها وبقاء نفوذها في المنطقة فقد كسبوا لوبيات مجمع الصناعة الحربية عن طريق صفقات السلاح، ولكن تركيزهم للوصول إليها كان خصوصا عن طريق اللوبي الصهيوني الذي يعد من أكثر اللوبيات تأثيرا في القرار المؤسسي الأمريكي. لهذا الغرض أصبحت علاقات حكام الخليج الجدد بإسرائيل أكثر ارتباطا وحميمية وانسيابية من علاقاتهم بالأمريكان أنفسهم، وهذا الذي يفسر اطمئنان رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي عبر عن ذلك بقوله “لقد أصبح لنا دولا عربية تشتغل معنا ضد الإرهاب وضد حماس”، أي أنه تجاوز مسألة التطبيع معهم إلى حالة المصير المشترك. وقد شعر دونالد ترامب نفسه بهذا التقارب وأخبر به نتنياهو حينما زاره بعد لقائه برؤساء وملوك العرب في الرياض وقال له صراحة: ” لقد شعرت بتغير كبير عند الحكام العرب تجاه إسرائيل، هناك تطورات إيجابية لصالح إسرائيل سببها الخوف من إيران”.
ولفهم أسباب حصار قطر بالذات بعد هذه التطورات التي حدثت في المنطقة يجب فهم خصوصيات دول مجلس التعاون الخليجي الذي يتشكل من ست دول هي السعودية والكويت والإمارات وقطر وعمان والبحرين، نبدأ بالدول الثلاث المحاصرة لقطر ثم الدولتين اللتين بقيتا على الحياد ( الكويت وعمان) وفي الأخير قطر البلد المحاصر.
أما المملكة العربية السعودية فقد تحدثنا عن وضعها بما فيه الكفاية، ويكفي الإشارة هنا إلى أنها هي الدولة القائدة لمجلس التعاون الخليجي بحجمها الجغرافي (2.250,000 كم2) وعدد سكانها (31 مليونا، 67 % منهم مواطنون والباقي مقيمون عرب وآسياويون وأفارقة وأجانب، نسبة الشيعة تقارب 10%) وناتجها المحلي الإجمالي (646.002 مليون دولار). وأما عن دولة الإمارات العربية المتحدة فهي تتشكل من 7 إمارات أهمها أبوظبي ودبي، وهي ثاني أكبر دولة في مجلس التعاون يبلغ تعداد سكانها (9 مليون، قرابة 1.55 مليون مواطنون، وفي حدود 7,7 مليون أجانب من العرب ومن إيران ومن آسيا خصوصا الهنود وبنغلاديش والنيبال والفليبين، نسبة الشيعة بين 10-15 % ) ومساحتها الجغرافية (83.600 كم2) وناتجها المحلي الإجمالي (370.296 مليون دولار). وبالإضافة إلى ما ذكرناه بشأنها أعلاه نؤكد أن هذا البلد هو الموطن الأصلي للتيار الاستئصالي العلماني الخليجي وهو الذي يوجد به المخبر والمنصة التي تُطلق منها الفتن في المنطقة بتعاون إسرائيلي، وبتنسيق مع الاستخبارات البريطانية الأمريكية وبعض الدول العربية والقوى الفلسطينية التي يرأسها دحلان، وكذا التيارات المتصهينة في الحكومتين الأمريكية والبريطانية، وباستعمال كل الوسائل الإجرامية القذرة ومنها استعمال الإرهاب ومحاولة قلب المعادلات السياسية في البلاد العربية، وحتى التنسيق مع الإيرانيين، والاعتماد على التيار الشيعي العلماني الذي بات يسيطر على قناة mbc السعودية الخليجية والعديد من المؤسسات الإعلامية، والتعاون مع كل من يحقد على التيار الإسلامي سواء لأسباب أيديولوجية أو دينية أو شخصية من أجل هدف واحد هو تصفية جماعة الإخوان المسلمين، كفكرة وليس فقط كتنظيم، في كل المنطقة العربية ومنها فلسطين ولو كانت هذه الفكرة تشكل تنظيما مقاوما للاحتلال لا علاقة له بالشأن الداخلي لأي بلد عربي وإسلامي، أو كان له وجود رسمي داخل بعض الدول العربية. وكما ذكرنا آنفا يوجد حاكم واحد فعلي في أبو ظبي هو ولي العهد محمد بن زايد الذي له خصومة شخصية قديمة في الإمارات مع الإخوان المسلمين والذي جعل كل طبقاتهم القيادية في السجن منذ أكثر من خمس سنوات. لم تكن أية إمارة أخرى من الإمارت السبعة للاتحاد تنافس إمارة أبوظبي سوى إمارة دبي، ولكن حكام دبي تراجع نفوذهم بعد الأزمة الاقتصادية التي أصابت إمارتهم ابتداء من سنة 2009 والتي تم إنقاذ اقتصادها بأموال أبوظبي الغنية بالبترول فصارت تابعة هي الأخرى لمحمد بن زايد لا يجرؤ أحد ان يناقشه في قضايا الدولة وسياسته الخارجية.
وبخصوص مملكة البحرين التي هي جزء من الحلف المحاصر لقطر فهي أرخبيل صغير لا تتجاوز مساحتها 934 كلم2 وتعداد سكانها 1.5 مليون نسمة منهم 666.172 نسمة غير مواطنين تدور في فلك المملكة العربية ولا تستطيع التمرد عليها بسبب حجمها وبسبب الاضطرابات المزمنة مع السكان الشيعة المسنودين من إيران والذين يمثلون أغلبية تعداد السكان .
وبخصوص الكويت فهو البلد الوحيد الذي توجد فيه تعددية حزبية ومجتمع مدني نشيط وهوامش حرية إعلامية وفكرية أوسع ضمن دول مجلس التعاون الخليجي، وهي صاحبة فكرة مجلس التعاون، وللإخوان المسلمين وجود تاريخي ومشاركة فاعلة في مؤسسات الدولة ولهم صداقات وتحالفات عريقة مع نظام الحكم ومختلف التيارات السياسية والفكرية في الكويت، بل إن حركة حماس ذاتها يعود جزء مهم من نشأتها في الكويت. تبلغ مساحة الكويت (17.820 كم2) وعدد سكانها (3,5 مليون، 60 % مواطنون والباقي من بلدان عربية وأفارقة وآسياويون، نسبة الشيعة 30%)، وناتجها المحلي الإجمالي (114.041 مليون دولار)، فهي دولة قادرة على المحافظة على سيادتها بسبب ثقلها الاقتصادي، وقوة مؤسساتها، وانفتاح مجتمعها وانسجام نسيجها الاجتماعي فلا يستطيع حكام الإمارات ولا حتى أمراء السعودية أن يملوا عليها قراراتها رغم العلاقات الطبية التي تحرص على المحافظة عليها مع الجميع والتي تؤهلها دوما للعب دور الوساطة في زمن الأزمات، وكان لها الدور الأساسي لعودة العلاقات بين السعودية وقطر بعد أن سحبت السعودية والإمارات والبحرين سفراءها سنة 2014 .
أما سلطنة عمان فهي دولة عريقة كانت محل تنافس كبير بين الامبراطوريات القديمة بسبب موقعها الجغرافي التجاري المهم، تبعت الفرس لقرون طويلة قبل الميلاد وبعده ثم صار لها حضور معتبر في التاريخ الإسلامي، لجأ إليها الكثير من قادة الخوارج بعد هزيمتهم في معركة النهروان مع علي بن أبي طالب كرم الله وجه، وهذا مما يفسر أن نصف سكان البحرين يتبعون المذهب الإباضي ويشرح لماذا تعتبر عمان أول دولة مركزية في المنطقة ولا يزال يحكمها المذهب الإباضي المعتدل إلى الآن رغم تخليهم عن حكم الشورى وانتخاب الأمير كما ينص عليه الفكر والفقه الإباضي الأصلي. حافظت الدولة العمانية على خصوصيتها مع كل الدول الإسلامية المتعاقبة ومثلت امبراطورية قوية نافست البرتغال من القرن 17 إلى القرن 19 . تمثل عمان ثالث دولة من حيث المساحة ضمن دول مجلس التعاون الخليجي (309.500 كم2) ويبلغ عدد السكان (4.5 مليون، أكثر من نصفهم بقليل مواطنون والباقي أغلبهم وافدون عرب، قرابة نصفهم إباضية ، ونسبة الشيعة قليلة جدا)، وناتجها المحلي الإجمالي (69.381 مليون دولار). يتضح من خلال هذه الخصوصيات، وخصوصا البعد المذهبي والتاريخي والسكاني، مدى حرص وقدرة العمانيين على المحافظة على سيادتهم وعدم قدرة السعودية والإمارات على جرهم إلى قرارات لا يشاركون فيها ولا يجدون فيها مصالحهم وتُدخلهم في صراعات مع غيرهم دون إرادتهم، وقد اتضح ذلك جليا في موقف عمان من الحصار على قطر، ومن قبل في علاقاتها المتميزة مع إيران.
وفي المجمل، وقبل التطرق إلى الخصوصية القطرية والأسباب الحقيقية لحصارها، ننبه إلى مدى هشاشة المجتمعات الخليجية وعدم قدرتها على تحمل الأزمات كما تظهره الإحصائيات المذكورة في المجال السكاني، وكذا مدى تفريط الحكام في بلورة استراتيجيات تحفظ التوازنات الحقيقية والدائمة في مجتمعاتهم ومدى خطورة سياسات العنجهية والغرور والقمع التي ينتهجونها في التعامل مع قوى الإصلاح السياسي والاجتماعي السنية المسالمة، بغرض المحافظة على عروشهم وأنظمتهم الشمولية التي هي ذاتها لا يمكنها أن تستمر بهذه السياسات، ولا يمكن للغرب المنافق أن يحميهم من مصير مشين لهم ولبلدانهم وللأمة كلها إن لم يغيروا فكرهم وتوجهاتهم وأولوياتهم….. يتبع.

د. عبد الرزاق مقري

المقال المقبل: الخصوصية القطرية وخلفيات الحصار.

المقال الاول: التحولات الخليجية والدولية

تعليق