الأزمة الخليجية: خلفياتها وأبعادها ومآلاتها (3 \4)
الخصوصيات القطرية وخلفيات الحصار.
لا شك أن شرح خصوصيات دول مجلس التعاون الخليجي في المقال السابق قد سهل علينا فهم سهولة وسرعة اجتماع السعودية والإمارات والبحرين في اتخاذ قرار حصار قطر وعدم مشاركة الكويت وعمان في ذلك. بقي إذن أن نفهم كيف تشكل هذا العداء الشديد ضد قطر من قبل السعوديين والإمارتيين:
أما ما يتعلق بالإمارات فهو صراع على الزعامة بين أبناء جيل واحد، وصراع أيديولوجي يتعلق بالعلاقة بالحركات الإسلامية، وصراع اقتصادي سببه المنافسة الشرسة بين البلدين حيث تعتبر قطر ثالث قوة اقتصادية بناتج محلي خام (164.641 مليون دولار) استطاعت أن تحقق بنية اقتصادية معتبرة واستثمارات متنوعة في بلدان عديدة في العالم بعد أن كانت الإمارات تسوق نفسها كحالة استثنائية في النجاح في العالم العربي، وقد تكون ثمة أسباب تاريخية تعود لرفض قطر أن تكون جزءا من الإمرات العربية المتحدة سنة 1968.
أما ما بتعلق بالسعودية فالأمر أعمق من ذلك ويعود سببه الأصلي إلى أبعاد تاريخية قديمة حيث اعتبرت السعودية قطر ذات المساحة الصغيرة التي لا تتجاوز (11.521كم2) وعدد سكان في حدود (2.5 مليون، عدد المواطنين لا يتجاوز 20 % وغير المواطنين أغلبهم من البلدان العربية، ونسبة السكان الشيعة في حدود 10% ) منطقة تابعة لها ضمن إقليم الأحساء منذ بداية القرن العشرين ولم تسلم بوجودها المستقل، خصوصا بعد اكتشاف البترول، سوى بضغط بريطاني، ولم ترسّم الحدود بين الدولتين سوى سنة 1965. ورغم الاعتراف القانوني بقيت البرودة في العلاقات دائمة ثم أصبحت متوترة بعد الانقلاب الذي قام به الأمير السابق لقطر حمد بن خليفة آل ثاني في 26 يونيو 1995 على والده خليفة بن حمد أمير الدولة آنذاك الذي كانت علاقته جيدة مع الأسرة الحاكمة في السعودية، وقد اتهمت قطر السعودية والإمارات بدعم المحاولة الانقلابية لرجوع الوالد للحكم شهورا بعد الإطاحة به. بسبب خلفية الصراع وعدم الاعتراف التام بشرعية الحكم القطري، القديمة والمتجددة، من قبل المملكة السعودية عملت قطر في عهد حمد بن خليفة، ثم في عهد ابنه تميم بعد أن تنازل له عن الحكم، على فرض نفسها في الساحة الخليجية والدولية، معتمدة في ذلك على قوتها الاقتصادية الناجمة عن السيولة المالية الضخمة باعتبارها تمثل أكبر ثالث مصدر للغاز الطبيعي في العالم وتحوز على 14 بالمائة من احتياط الغاز المكتشف ومن خلال نجاحها في تحقيق طفرة اقتصادية متميزة واستثمارات قطرية هائلة خارج الدولة في مختلف أنحاء العالم. وقد دفعها التحرش الإعلامي المستمر ضدها إلى التوجه نحو استثمارات كبرى في هذا المجال وكان نجاحها التاريخي الكبير هو قناة الجزيرة التي جعلتها كيانا سياسيا يُعرف بقناة الجزيرة وليس العكس، وبالموازاة مع ذلك انتهجت سياسة خارجية حمائية هجومية فاعلة ومنفتحة إلى أبعد الحدود ومتعددة التحالفات إلى حد الغموض والتناقض بما جعلها تكسب تعاطفا من أطراف دولية كثيرة وعداوات مع أخرى، استطاعت بذلك أن تلعب أدوارا أساسية في المصالحة بين دول و\أو كيانات سياسية في العالم، وأن تتدخل في ملفات دولية شائكة تهيبت منها دول عربية كبرى كانت كلفتها عالية عليها. اتجهت قطر نحو تجاوز السعودية في العلاقة مع الولايات الأمريكية المتحدة فاستمثرت كثيرا في العلاقات العامة الأمريكية وجاءت بأكبر قاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة هي قاعدة عديد الجوية غرب الدوحة، واتجهت كذلك نحو ربط علاقات تجارية سرية وعلنية مع إسرائيل منذ 1996 تعثرت عدة مرات بسبب السياسات الإسرائيلية تجاه فلسطين وخصوصا العدوان على قطاع غزة. في نفس الوقت اتجهت قطر إلى دعم علني وقوي للفلسطينيين، وكانت هي والجزائر البلدان الوحيدان اللذان التزما بالمساعدات المالية التي تقرها الجامعة العربية للفلسطينيين، كما أدت أدوارا كبيرة لكسر الحصار على غزة وأطلقت مشاريع عدة برعاية مباشرة منها في غزة، كما كان لها أدوار كبيرة في المواجهة الديبلوماسية العربية والدولية للعدوان الإسرائيلي ضد الفلسطينيين كان أبرزه قمة غزة الطارئة في الدوحة على إثر عدوان ديسمبر 2008 – جانفي 2009 التي قاطعتها ما يسمى بدول الاعتدال العربي وشاركت فيها الجزائر، ثم قامت باستضافة القيادة الفلسطينية وعلى رأسهم خالد مشعل بعد خروجهم من سوريا على إثر الأزمة الجارية في هذا البلد. ومما تميزت به قطر كذلك هو الدعم العلني والواضح للحركات الإسلامية فهي البلد الذي استضاف الشيخ عباسي مدني رئيس الجبهة الإسلامية للإنقاذ بعد خروجه من السجن برضا من السلطات الجزائرية وربما بتنسيق معهم، ثم وقفت مع الربيع العربي من خلال قناة الجزيرة ومن خلال المساعدات التي قدمتها للحكومات المنتخبة في مصر وتونس ومساهامتها الإنسانية المتنوعة في ليبيا وسوريا. وبالرغم من أن الربيع العربي انطلق بشكل تلقائي من تونس وتعضد شعبيا وديموقراطيا في مصر وكانت قطر داعمة له بعد انطلاقه كما دعمته كل الشعوب العربية التواقة للحرية بقي هذا البلد يُتهم بأنه هو مفجر الربيع العربي بتنسيق وتدبير غربي دون أدنى دليل في أي وسيلة من وسائل الإعلام حتى الأكثر عداء لقطر. كما أن الربيع العربي تحول إلى خراب بسبب الذين عارضوه وأفشلوه وليس بسبب من دعموه، فالربيع العربي جاء ليحل المشاكل السياسية بالاحتجاج السلمي والانتخابات النزيهة، والذين حاربوه هم من عسكروه وحولوه إلى اقتتال دموي. أما ما يتعلق بتهمة دعم الإرهاب الذي وجه لقطر فهو مجرد تعلّة لتبرير ما لا يبرر، ولا أحد يستطيع أن يجزم من هو المتورط وغير المتورط في هذا العمل الإجرامي المقيت، وفي المحصلة لا توجد دولة في المنطقة غير متهمة بهذا، والجميع يعلم بأن الإرهاب صار حربا بالوكالة بين الدول عن طريق أجهزة استخباراتها والتحكم بشكل مباشر وغير مباشر في الجماعات الإرهابية، وأكبر دولة خبيرة في هذا الخراب الآدمي هي أمريكا. بل إن السعودية ذاتها متهمة بشكل علني وقانوني بدعم الإرهاب من قبل حليفتها أمريكا من خلال قانون ” جاستا” الذي تحول إلى “سيف ديموقليس” فوق رأس المملكة العربية السعودية للابتزاز والإذلال.
من خلال هذه المعطيات يتضح بأن نجاح قطر في التميز الإعلامي والحضور الدولي ومواقفها من الربيع العربي الذي تعتبره السعودية حاملا للحركات الإسلامية السنية التي تنافسها الزعامة الدينية في العاجل وتهدد وجودها في الآجل زاد من حدة الرفض لها من قبل حكام السعودية والإمارات. غير أن القشة التي قسمت ظهر البعير هي التحولات الجديدة ووصول التيار الاستئصالي الحداثي للسيطرة على الحكم في الرياض في ظل تصاعد التهديدات الإيرانية على النحو الذي ذكرناه آنفا.
حينما قرر حكام السعودية والإمارات دفع الرشوة للترامب ليوفر لهم الحماية في مواجهة إيران، وغيروا نظرتهم لإسرايل لتكون هي الصديق الذي يشفع لهم عند المؤسسات الأمريكية ولو ببيع القضية الفلسطينية والكيد للمقاومة، كان على قطر أن تغير هي الأخرى نظامها السياسي المتناقض وتدخل في الصف وتوقف علاقتها الأحادية مع أمريكا وتساهم في الإتاوة الترامبية وتتخلص من العبء الفلسطيني وتلتحق بمشروع التسوية مع القيادة الصهيونية، وتندمج في الحرب على الإخوان المسلمين وكل الحركات الإسلامية السنية، وتعادي إيران وتظهر عداوتها لها. لقد آن الأوان، بالنسبة لحكام السعودية والإمارات الجدد، أن يتوقف هذا البلد الصغير عن المشاكسة، فهو بالنسبة لهم بلد مطعون أصلا في أحقية وجوده كدولة، أو على الأقل كنظام سياسي، يجب عليه أخيرا أن يدخل في الصف تحت طائلة الحصار وربما الانقلاب العسكري بل ربما بالتدخل المباشر إذا سمحت بذلك تفاعلات الحصار. فكيف هي تفاعلات الحصار؟ ….. يتبع.
المقال المقبل: الوهم السعودي الإماراتي .. وطريق العقل.

تعليق