الأزمة الخليجية: خلفياتها وأبعادها ومآلاتها (4\4).

4 – الوهم السعودي الإماراتي وطريق العقل.

لو نجحت المغامرة السعودية الإماراتية الارتجالية غير المحسوبة واضطرت قطر للرضوخ فطردت قادة المقاومة وأغلقت الجزيرة وكل مؤسساتها الإعلامية أو غيرت خطوطها الافتتاحية لتدخل ضمن شبكة العربية وأخواتها، ثم ذهبت تقدم عرابين التوبة للسعودية ثم مصر وأغدقت على الأمريكيين هي الأخرى من أموال خزائنها لكان ذلك أذان ببدء تطبيق مشروع الشرق الأوسط الجديد ولكانت الضحية الأولى هي غزة والمقاومة الفلسطينية ولشهدنا في شهر رمضان حربا مدمرة على الفلسطينيين، ثم انقلاب مباشر على مستوى منظمة التحرير لصالح شبكة دحلان، تليها مؤتمرات دولية للتسوية مع الإسرائليين على شروط نتنياهو وعلى حساب الأرض واللاجئين والقدس والشريف. ولظن حكام الخليج الجدد ومن ورائهم إنقلابيو مصر بأن الأمور استوت لصالحهم على التأبيد. ولكن هيهات .. لقد ظهر حقا بأن مستوى التفكير والتدبير والاستشراف لدى الحكام الخليجيين الجدد ليس على المستوى المطلوب، وأن قراراتهم المستعجلة لا تقوم على دراسات ولا تعتمد على مراكز تفكير جادة، إنما هو غرور ونرجسيات ونرفزات شخصية بلا نظر للعواقب. ويمكن أن نوضح ذلك من خلال ما يلي:

أولا: لقد بينت تطورات الأحداث بعد الصدمة الأولى التي أدهشت العالم بأن ابتلاع قطر من  قبل أشقائها الكبار ليس سهلا، وأن الأضرار لا تمس هذا البلد المحاصر فقط بل المحاصرين له كذلك وكل المنطقة، وأن إيران ذاتها مستفيدة ااستفادة كبيرة من هذه الخطوة على الصعيد السياسي بجلب حضور أكثر وفرص أوسع للتأثير في المنطقة،  واقتصاديا بفتح أسواق وربما اتفاقيات شراكة مع قطر البلد الغني جدا، قد يكون الأمر اضطراريا في البداية ثم يتحول إلى صداقات وتحالفات.

ثانيا: لقد تجلى للرأي العام عجز حكام المملكة العربية السعودية والإمارات على حشد الدول لصالح قرارهم، فباستثناء إسرائيل ومصر وبعض الدول لضعيفة التي لا يأبه بموقفها أحد لم يجلب قرار قطع الأرحام أي تأييد في العالم العربي وفي أوربا وحتى في أمريكا المستفيدة استفادة عظمى من هذه المؤامرة، بل حتى الأردن المائلة دوما لخيارات أبي ظبي، بل والمتعاونة معها في كثير من تدابير السياسات الخارجية لم تستطع التماهي مع هذا الموقف الذي لا يمكن إخفاء أو تزيين ظلمه وعواره، وكذلك المملكة المغربية التي يعتبرها السعوديون الحليف الأوثق في المغرب العربي لم تجامل السعودية بل ربما أغضبتها بإرسال مساعدات إنسانية رمزية للقطريين. دون الحديث عن عضوين آخرين في مجلس التعاون الخليجي نأيا بأنفسيهما عن هذه السياسية المفرقة لشمل الخليجيين وهما الكويت وعمان للاعتبارات التي ذكرتها  آنفا.

ثالثا: لم يكن في حسبان حكام المملكة العربية السعودية والإمارات المتحدة أن تأثيرهم في المغرب العربي ضعيف جدا أو يكاد يكون منعدما في القضايا الأساسية في الدول ذات التأثير، فالجزائر بلد لا يقبل أن تملَى عليه تصرفاته في السياسة الخارجية وله توجس معروف من السياسة الخارجية الخليجية تعاضمت مؤخرا بسبب السياسة البترولية السعودية وبسبب الدور السلبي للإمارات المعاكس للمصالح الجزائرية في ليبيا، وله مواقف من القضية الفلسطينينة إيجابية و راسخة شعبيا وحكوميا لا يمكنها أن تتغير بهذه البساطة، والمغرب بلد يقود حكومته حزب إسلامي سعت الإمارات إلى إفشاله في الانتخابات التشريعية السابقة ولم تفلح، وتونس حكومتها يشارك فيها إسلاميون جاء بهم الربيع العربي الذي تعاديه السعودية والإمارات.

رابعا: لم يقرأ حكام الإمارات والسعودية الوضع التركي ولو يتوقعوا موقفه السريع والواضح من حصار قطر إلى درجة الوجود العسكري المباشر بقرار شرعي من البرلمان التركي ومن الدولة المضيفة. لم يفهموا أن تركيا ستعتبر حصار قطر تهديدا مباشرا لها في سياستها في المنطقة ومصالحها فيها. لم ينتبهوا بأن تركيا تدرك بأن التقارب بينها وبين السعودية ليس صادقا وقد لا يكون دائما، وقد يكون الاتفاق الأخير مع ترامب منهيا له. لم يتفطنوا بأن تركيا لا تسمح بتغيير التوازات في المنطقة دون أن تكون حاضرة، وأنها تعتبر عدم حضورها تخل عن القضية الفلسطينية لا تتحمله ولا يقبله شعبها ولا الشعوب العربية والإسلامية، وهو مع ذلك  تهديد لأسواقها وخطوط إمدادها بالطاقة، وأن غيابها هو استئثار إيران بالمنطقة استراتيجيا وضمن ظروف سياسية ونفسية تكون لصالح إيران على المستوى الشعبي.

خامسا: لم يدرك حكام الخليج، وربما هذا هو الأهم، بأن الولايات الأمريكية المتحدة لم تصبح قادرة على فرض إرادتها دوليا أمام القوتين الدوليتين الصاعدتين اقتصاديا وعسكريا روسيا والصين صاحبتا حق الفيتو في مجلس الأمن، ولم يصبح بإمكانها تجاوز القوى الإقليمية الطامحة في المنطقة وعلى رأسها تركيا وإيران، وأن ترامب يكذب عليهم كما هي عادته، وأن ما أخذه منهم هو مجرد ابتزاز مدبر، وأنه سيأخذ كذلك من قطر  ومن غيرها ولن يفعل شيئا لحمايتهم من إيران سوى بعض الأعمال الاستعراضية التي ستزيد إيران قوة وحضورا في المنطقة.

سادسا: لم يفهم الخليجيون بأن التحول الوحيد الذي يمكن أن يقع، حتى وإن فشل حصار قطر، هو لصالح إسرائيل، إذ قد يستغل الكيان الصهيوني الظروف الجديدة لشن عدوان جديد على غزة بدعم أمريكي وبمحاولة شل قدرات الجزيرة على فضح الجريمة بأشكال متعددة. غير هذا العدوان لن يحقق ما يريده الإمارتيون وحلفاؤهم في السعودية من استئصال المقاومة وإرجاع دحلان إلى غزة فوق الدبابة الإسرائيلية، أو المصرية. فغزة جاهزة لمواجهة أي عدوان كما صرح قادتها، وهي جزء من المعادلة الإيرانية والتركية مهما اختلفت استراتيجيتهما في المنطقة ولن يتخليا عنها، كما أن دخول غزة لا يكون إلا بتدمير كلي لها ولساكنها، وهي مجزرة لن يستطيع أحد إخفاءها وستكون هي بداية نهاية الحلف المتآمر الإسرائيلي العربي إن وقعت.

طريق العقل:

إن لم يتعقل حكام السعودية ولم تلجم نزوات التيارات الاستئصالية التغريبية فيها وفي الإمارات سيكون الخاسر الأكبر هي مملكة آل سعود ذاتها. فالسعودية التي أفشلت الربيع العربي الذي صنعه الشعب سيصيبها خريف عربي تصنعه أمريكا وإسرائيل وتستفيد منه إيران سؤدي إلى تقسيم المملكة العربية السعودية ذاتها وإنهاء حكم آل سعود إلى الأبد.

وعليه فإن طريق العقل في حل هذه الأزمة التي فجرها قرار حصار قطر يبدأ بالوعي بهذه المخاطر والإدراك بأن الاعتماد على أمريكا وإسرائيل لتثبيت العروش لن يجدي نفعا، وأن أمريكا تريد بعقليتها الاستعمارية خلق وضعيات متناقضة وصراعات دائمة تكون هي الحكم فيها، وكلما طال أمد الصراع بين الأشقاء كلما حققت مصالحها بابتزاز جميع الأطراف، وأنها هي وإسرائيل يجتمعان في إرادة تقسيم المنطقة حتى لا تبقى قوة فيها سوى إسرائيل.

إن الحل الذي يثبت ويستمر ويكون في مصلحة الجميع هو في المصالحة الكبرى على مستوى الخليج العربي وفي الأسرة العربية وعلى مستوى العالم الإسلامي كله. وبخصوص الخطر الإيراني فإن حله ليس بالمجابهة ولا بمحاربتها ولكن بصناعة القوة السنية من خلال تشكيل تحالفات سنية قوية وممتدة، كحد أدنى، تبدأ بالتحالف العربي-التركي الاستراتجي الدائم وليس التكتيكي المؤقت، تحالف على أساس الصدق والمصالح المشتركة الدائمة، مما يجعل إيران تراجع طموحاتها التوسعية وتدرك بأن مصالحها في أن تدخل ضمن إطار الأمة الإسلامية الواحدة وفق حجمها الحقيقي مع العودة إلى حالة التعايش بين المذاهب التي كانت عليها الأمة الإسلامية منذ قرون. ولا يمكن لهذا المسعى الحضاري أن ينجح إلا إذا صاحبه تصالح مع شعوب المنطقة وبناء علاقات تعاون وثقة بين الحاكم والمحكوم، وبين مختلف الأحزاب والمذاهب والطوائف، والقيام بإصلاحات سياسية وفق خصوصيات كل بلد ووفق عقد اجتماعي يضمن مصالح ومصير كل الأطراف المتصارعة أو المتنافسة، وسيستمر نجاح هذا المسعى ويثمر إذا أنتج حكومات راشدة تستعمل الموارد البشرية والمادية والجيوسياسية المتوفرة استعمالا راشدا يحقق النمو والتطور والازدهار.

قد يقول قائل بأن هذا الطريق هو أحلام بعيدة المنال، والجواب على هذا القول أن دون ذلك الخراب وضياع المنطقة وخسارة كل الأطراف، وأن الطريق إلى التعقل هو مسؤولية فردية لكل حاكم من الحكام يجب عليه أن يخشى الله أولا، ثم يخشى سوء العاقبة الشخصية والعائلية واللعنة التاريخية. وأما الحكام الذين ثبتت عمالتهم للأجنبي وتآمرهم على بلدانهم أو بلدان المنطقة لإفشال مشاريع الصلح بين الأشقاء والإضرار بمصالح الأوطان فإن مسؤولية كشفه ومحاربته ونزعه هي كذلك مسؤولية شخصية لكل من يعلم عنه هذا داخل أي نظام من أنظمة الحكم. وإن لم يحدث هذا سيأتي الزمن الذي تتحمل فيه الشعوب مسؤولاتها لأنه لا يمكن لأقلية غريبة عن أغلبية أفراد الأمة وتوجهاتها العامة  أن تفرض نفسها بالظلم والزور والاستعانة بالأجنبي، حقائق تاريخية متكررة أثبتت أن هذا غير ممكن. غير أن أخذ الشعوب زمام أمرها بيدها دون تجاوب أو دعم من قوى داخل الأنظمة تكون ضريبته مكلفة جدا.

د. عبد الرزاق مقري

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

اقرأ أيضا:

المقال الأول: التحولات الخليجية والدولية.

المقال الثاني: الخطر الإيراني والطريق إلى أمريكا: الخصوصيات الخليجية.

المقال الثالث: الخصوصيات القطرية وخلفيات الحصار.

تعليق