بالرّغم من الإنفاق الخيالي سنوات البحبوحة المالية إلا أنه هناك فرقٌ كبيرٌ بين تلك النّوايا ووَهْمِ هذه الإنجازات، فهناك وضعيةٌ هشّةٌ للبلاد من النّاحية المالية بسبب: التآكل السّريع لاحتياطي الصّرف، والذي انخفض إلى: 114 مليار دولار فقط، وهو لا يكفي إلى غاية: 2019م، والإفلاس الكلّي لصندوق ضبط الإيرادات، والعجز في الميزان التجاري بـ: 16.8 مليار دولار، والعجز في ميزان المدفوعات بـ: 21.4 مليار دولار، والعجز في الحساب الجاري بـ: 22.4 مليار دولار، والعجز الميزانياتي الذي وصل إلى: 16% من الناتج الداخلي الخام، والعجز في الميزان التجاري الذي وصل إلى: 13 مليار دولار، وزيادة في الدَيْن الداخلي العمومي الذي وصل إلى: 21% من: PIB، وضعف التحصيل الجبائي الذي لا يتجاوز: 13%، وضعف المؤسسات المنتجة للثروة (نصف مليون مؤسسة بنسبة: 1.25% من السّكان، وهي بعيدة عن المعيار العالمي)، وبلوغِ أرقامٍ قياسيةٍ للتضخّم، وانهيارٍ كلّي للعملة الوطنية، وضُعفٍ رهيبٍ للاستثمارات الوطنية والأجنبية، إضافةً إلى ضعفِ آلية مكافحة الفساد وانفجار فضائحه، وفوضى السوق الموازية التي وصلت كتلتها المالية إلى أكثر من: 36 مليار دولار، والعجز عن استرجاع القروض التي تجاوزت: 03 مليار دولار، والخسائر الناتجة عن اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي والتي وصلت إلى: 07 مليار دولار.

كلُّ هذه المؤشرات المالية والاقتصادية السّلبية – وغيرُها – هي نتيجةٌ حتميةٌ لأزمةِ الشرعية، ولتميّع المسؤولية السياسية، ولتعدّد مصادر القرار فيها، ولحالةِ صراع الأجنحة الذي يشكّل خطرا حقيقيًّا على البلاد ومستقبلها.

وإذا كنّا نثمّن دور المنظومة الأمنية والعسكرية في الحفاظ على السّيادة والأمن والحدود، فإنّنا ننبّه إلى خطورة هذا الإخفاق السياسي والمالي والاقتصادي للحكومة، والذي سيعرّض ميزانية الدّفاع والأمن إلى الضّعف في قدراتها وجاهزيتها، وبالتالي تعريض البلاد إلى الخطر، وهو ما يتطلّب توفير شروط الممارسة الديمقراطية الحقيقية لتحقيق التنمية، والتمتّع بالمواطنة الكاملة من أجل الوطنية والحفاظ على الوَحدة الترابية للوطن.

إنّ الأصل في هذا المخطط أنه: مخططُ عملٍ وليس برنامجُ عمل، فيُفترض فيه الدّقة والوضوح، لأنه يعبّر عن الآليات التنفيذية لبرنامج رئيس الجمهورية خلال عهدةٍ كاملة.

* إلا أنّه يفتقد إلى تحليلٍ معمّق للوضع، ويفتقر إلى الأرقام الدقيقة.

* ويفتقد إلى تحديد الأولويات والأهداف القابلة للقياس، كما أنه يفتقد إلى مقاربةٍ اقتصادية واضحة، لأنّ النموذج الاقتصادي الجديد غيرُ واضحٍ في المحتوى، وغير قابلٍ للتجسيد في ظلّ أزمة الموارد المالية، وتدهور أساسات الاقتصاد بسبب انهيار الرّيع البترولي في: الإنتاج والأسعار وارتفاع الاستهلاك المحلي.

* ويفتقد إلى آلياتٍ واضحة للإنجاز والتنفيذ والمتابعة والرّقابة، كما يفتقد إلى معايير القياس من أجل التقييم الآني والبعدي.

إنّ فشل الحكومات السابقة في الذهاب إلى اقتصادٍ منتجٍ ومتنوّع، وارتباطها المزمن بالرّيع البترولي هو مَن ألغى ما يُسمّى: برنامج رئيس الجمهورية، الذي وُضع في زمن البحبوحة المالية سنة: 2014م، وليس في زمن الأزمة المالية الحالية، فالتعديل الدستوري الأخير 2016م في المادة: 93 يتحدث أنّ الحكومة تُعدّ مخطط عملها وتعرضه على مجلس الوزراء فقط، فهو غير مرتبطٍ ببرنامج الرئيس، كما أنّ قانون المالية: 2017م قد سقّف الميزانية بما لا يتجاوز: 6800 مليار دينار، وألغى وجمّد وحوّل العديد من مشاريع البرنامج الخماسي للرئيس: 2014 – 2019م.

ولعلّ الوزير الأول السيد: عبد المجيد تبون (وقد كان وزيرًا للسكن) يعلم جيّدا أنّه هناك مَن كان يعطّل تمويل إنجاز المشاريع السكنية من داخلِ الحكومة نفسِها، وبالتالي فإنّ الخطر الحقيقي على التنمية هو مِن داخل السلطة وليس من خارجها.

كما لا يمكن القبول بهذه الأنانية السياسية بالحديث عن “التوافق الاقتصادي والاجتماعي” في التعاطي مع “التحويلات الاجتماعية” دون الحديث عن التوافق السياسي، وهو أصل الأزمة، وهو ما يعني الاستفراد بالحكم، وتحميلِ الجميعِ مسؤولية الإخفاق والفساد وضريبةِ الإجراءات التقشفية القاسية: الحالية والمستقبلية.

لقد كنّا نراهن أن تكون الانتخاباتُ التشريعية الماضية: 04 ماي 2017م فرصةً للجزائر من أجل ضمان انتخاباتٍ ديمقراطيةٍ ونزيهةٍ، تنبثق عنها كتلٌ برلمانيةٌ قوية وذاتُ مصداقية، من أجل تشكيلِ حكومةٍ توافقيةٍ وتوسيعِ قاعدة الحكم للعبور الآمن بالبلاد من المخاطر الحالية والمستقبلية، إلا أنّ حالة التحلّل لمؤسسات الدولة وضعفها فتح المجال للمال السياسي الفاسد وللمدمنين على التزوير أنْ يرسموا مسارًا مجهولاً للبلاد، ويجعلوها محطّةً سوداء في تاريخ المسار الديمقراطي لها.

ومع ذلك فإننا لا نيأس من البحث عن فُرصٍ أخرى لذلك، ومنها: الانتخابات المحلية والرئاسية القادمة، والبدءُ بالتوافق السياسي، عن طريق الحوار الجادّ والشامل مع الشركاء السياسيين والاقتصاديين والاجتماعيين.

إنّنا وإذْ نطوّر من خطابنا ونجوّد من أدائنا السياسي، تناسقاً مع المتغيّرات الدولية والإقليمية، ومراعاةً للظروف الحرجة التي تمرّ بها البلاد، واستشرافًا لخطورة المرحلة القادمة التي تهدّد الوطن، فإنّنا ننتقل من مرحلة التشخيص والنّقد والثقافة الوصفية برؤيةٍ حزبية، إلى مرحلة تقديم البدائل والمقترحات العلمية والواقعية والموضوعية برؤيةٍ وطنية، وهو ما يفرض علينا تقديم مرتكزات التنمية “العشر” في برنامجنا، وهي:

1_ التوافق السياسي المبني على الشرعية الشعبية، وتوسيع قاعدة الحكم، من أجل ضمان الاستقرار السياسي والاجتماعي والأمني للبلاد.

2_ المواطنة الكاملة وضمان كرامة الإنسان: ولا يكون ذلك إلا بتوفير الحريات، وحقوق الإنسان، ونزاهة المنافسة، فلا وطنية بدون مواطنة، ولا وطن بلا وطنية.

3_ تجسيد مفهوم دولة القانون واستقلالية القضاء والفصل والتوازن بين السلطات.

4_ جودة التعليم والاستثمار في الإنسان: لتحقيق الإنجازات الاستثمارية ذات الجدوى وفق المصلحة الوطنية.

5_ تحقيق معايير الحكم الراشد: التي تستند إلى الشرعية والمصداقية والشفافية والرقابة والمحاسبة وسيادة القانون..

6_ اليقظة الإستراتيجية: عن طريق التخطيط والاستشراف لرسم الرؤية العلمية المستقبلية للبلاد.

7_ اقتصاد المشاركة: بتحقيق الانسجام بين النمط التنموي وقيم المجتمع والدولة، وفق الهويّة والثوابت الوطنية.

8_ ضمان وتنويع الموارد التمويلية: بتفعيل وتطوير التحصيل الضريبي، ومحاربة الفساد بكلّ أشكاله، وإنشاء القطاع الثالث التضامني عن طريق مأْسَسة الزكاة والصدقات والأوقاف، واعتماد القدرات التمويلية القويّة للصيرفة الإسلامية في المجتمع، والذهاب إلى الطاقات المتجدّدة والبديلة.

9_ تنمية القيم المجتمعية الإيجابية، مثل: قيمة العمل والنزاهة والأمانة والنظافة والاستهلاك الراشد..

10_ وضع منظومةٍ معياريةٍ للتنمية، وتسخير الدبلوماسية والعلاقات الدولية لها.

تعليق