أصبحت قضية الأفارقة في الجزائر قضية رأي عام اختلف بشأنها النخب والمواطنون وبقي موقف السلطة الجزائرية غامضا لا يدري أحد هل لها دور في ما يحدث أم أنها تواجه ظاهرة جديدة لم تدرك بعد كيف تتعامل معها.. وقد آن الأوان أن نوضح افكارنا بهذا الخصوص:
1 – لا بد من تسجيل الموقف الأخلاقي والإنساني تجاه من جاءت بهم الأقدار والظروف لبلادنا لنقول بأن لهم حق الأخوة الإسلامية أو حق الجوار أو حقوقهم كبشر يجب إكرامهم وإعانتهم وتوفير الظروف المناسبة لاستقبالهم ثم إدماجهم في المجتمع الجزائري أو توجيههم برفق لبلدانهم أو بناء مخيمات لائقة لهم في الجنوب الجزائري أو السماح لهم بالتوجه حيث يريدون نحو البلدان الأوربية كبشر لهم حق السفر والتنقل.
2 – إن من أسوء الصفات التي يمكن أن تصيب الإنسان فتذهب آدميته صفة العنصرية والحكم على الإنسان على أساس لونه أو عرقه.
3 – ظاهرة الهجرة ظاهرة بشرية قديمة وقعت في كثير من البلدان عبر التاريخ إراديا أو قصريا بسبب الفقر أو الحروب أو التوسع أو البحث عن المصالح وغير ذلك، ومنها ما غير التاريخ وحول الجغرافيا وبدل التوازنات الديموغرافية، ومنها ما كان إيجابيا تسبب في إضافات حضارية، ومنها ما تسبب في كوارث وصراعات غير منتهية. وعليه كل ظاهرة من هذه الظواهر يجب أن تدرس علميا دراسة وافية تأخذ بعين الاعتبار كل المدخلات والمخرجات وبناء سياسات راشدة بشأنها.
4 – لا بد أن نعلم بأن أسباب الهجرة الافريقية نحو الجزائر هو الاستعمار الغربي، وخاصة الفرنسي بالنسبة للحالة التي تخصنا. لا تزال فرنسا تسيطر على مستعمراتها القديمة في غرب افريقيا، تستغل خيراتها بجشع كبير من خلال وضع حكام فاسدين ومرتشين ومن خلال لوبياتها وعملائها وتترك الشعوب في حالة فقر مدقع فيضطرون إلى الهجرة الجماعية نحو الشمال.
5 – الحالة الأبرز للهيمنة الفرنسية على افريقيا بسبب المصالح توجد في النيجر حيث تسيطر شركة اريفا (( Areva )) الفرنسية على البلد بسبب سيطرتها على مناجم اليورانيوم الذي تأخذه دون سعره الحقيقي بكثير بالاعتماد على حكام تضعهم بنفسها، ترغيبا بالفساد والحماية أو ترهيبا بالتهديد بالعزل مثلما وقع للرئيس حماني ديوري سنة 1974 الذي حاول أن يقاوم فخلع بين جولتين للمفاوضات بين المسؤولين الفرنسيين والنيجيريين حول اليورانيوم. وللعلم تحتل النيجر المرتبة الرابعة في إنتاج اليورانيوم وهو من احسن الأنواع من حيث الاستغلال والمردودية في العالم، ويمثل اليورانيوم النيجيري ثلث احتياجات فرنسا.
6 -تبين الدراسات بأن ثمة مخزون كبير من المعادن غير مستغل في مالي وعلى رأسها اليورانيوم ببلدية فاليا (Faléa) الذي يقدر ب12.000 طن (أي أربع مرات اكثر من منجم أرليت (Arlit) الذي تستغله شركة اريفا (Areva) بالنيجر وذلك وفق الدراسة التي اشرف عليها عملاق الإيرانيوم الكندي روكغيت (Rockgate) وقد بينت النائبة الفرنسية في البرلمان الاوربي ميشيل ريفازي (Michèle Rivasi) بأن ثمة اتفاق بين هاذين العملاقين على استغلال اليورانيوم. علما بأن كثيرا من الاتفاقيات حول الاستغلال المنجمي تبقى سرية بين الشركات الغربية والحكام الأفارقة.
7- تعتبر مالي والنيجر من أفقر البلدان في العالم، وتتحمل السياسة الفرنسية-الافريقية منذ الستينيات مسؤولية هذه المأساة الدائمة إلى اليوم، ومع تفاقم حالات الفقر والعوز في هاذين البلدين وغيرهما تفاقمت موجات الهجرة نحو اوربا وخصوصا نحو فرنسا البلد المستعمر قديما والمستغل حاليا بسبب الروابط التاريخية واللغوية والاجتماعية. غير ان أوربا التي اصبحت تعتبر الهجرة إليها من الجنوب خطرا على استقرارها ومصالحها وثقافتها وجدت وسيلة للحد من ذلك وهو الاعتماد على دول شمال افريقيا وخاصة الجزائر والمغرب وتونس لتكون سدودا مانعة من التدفق البشري ولو بتحويلها من بلدان عبور إلى بلدان استقبال، وذلك بالاعتماد على حكام يحتاجون الدعم الفرنسي للبقاء في كراسيهم.
8 – من السياسات الاستعمارية كذلك تفريغ البلدان الغنية المستغلة من سكانها إلى أدنى حد ممكن وذلك بواسطة الفقر والامراض والتهجير لكي يسهل التحكم في هذه البلدان وربما تعميرها بالاوربيين الوافدين مثلما وقع في ناميبيا وجنوب افريقيا ومثلما كاد يقع في الجزائر لو لا الثورة التحريرية التي جعلت جموع المعمرين يفرون من بلدنا خوفا من الانتقام على الجرائم البشعة التي اقترفوها في مواجهة ثورة الجزائريين عليهم رغم التطمينات التي وفرتها اتفاقيات ايفيان.
9- يمكن التأمل في الدراسات التي أطلعنا عنها العقيد رمضان حملات في ملتقى الشيخ محفوظ نحناح السنوي الأخير التي تتحدث عن مخطط الضابط الصهيوني الفرنسي “كليغري” لأغراق الجزائر ب6 مليون لاجئ إفريقي إلى غاية 2030. مع توطينهم لخلق أقليات عرقية افريقية جزائرية مثلما فعلت بريطانيا في بعض الدول الآسوية وذلك لضرب استقرار البلاد والتحكم فيها من خلال الفوضى والتوترات والأقليات.
10 – يجب الانتباه بأن الحروب التي تشنها فرنسا في الساحل هو من أجل مصالحها، وخصوصا لحماية مناجم اليورانيوم التي تسيطر عليها، وأن الإرهاب ذاته صناعة استعمارية لتبرير الحضور العسكري وشرعنته، وهو صناعة تستعملها كل الدول المتصارعة على المصالح في الحروب بالوكالة بينها، وقد بذلت فرنسا جهدا كبيرا لاستعمال الجيش الجزائري كدركي لحماية مصالحها في الساحل ولكنها لم تفلح في ذلك بسبب عقيدة الجيش الجزائري وبعده الوطني الشعبي، وقد انتقلت بعد يأسها إلى تجنيد دول الساحل الأفريقي وتأليب بعضها على الجزائر.
11- أمام هذه المعطيات كلها يجب الانتباه إلى هذه الهجرات الجماعية التي يطرح بشأنها أسئلة كثيرة : كيف قطع هؤلاء الضيوف كل تلك المسافات بأولادهم ونسائهم؟ كيف تجاوزوا صحرائنا الشاسعة؟ هل هي هجرات سرية حقيقة؟ أم هل هناك تواطؤ رسمي؟
12 – كل الدراسات الاقتصادية والسياسية تبين بأن أحسن طريقة لخدمة اللاجئين هو حل مشاكلهم في بلدانهم من خلال تنميتها وتطويرها، لا سيما وأن البلدان التي نتحدث عنها لها مقدرات كبيرة. وباعتبار أن سبب فقرها هو الاستغلال الأجنبي الذي يأخذ الثروات بأثمان بخسة، وفساد الحكام الذين يبيعون بلدانهم من أجل مصالحهم الشخصية وقلة حيلة بعضهم فإن الحل هو في الضغط الدولي الرسمي وبواسطة المنظمات غير الحكومية ومن خلال الكفاح من أجل الديموقراطية واسترجاع السيادة كاملة.

د.عبد الرزاق مقري

تعليق