سيُعقد يوم السبت: 22 جويلية 2017م بالجزائر العاصمة المؤتمر الاستثنائي لحركة مجتمع السلم، المجسِّد للوَحدة التنظيمية والاندماجية مع “جبهة التغيير” المُحلّة إراديا يوم: 01 جويلية 2017م حسب الاتفاق الإطار للوَحدة.
ستكون تجربةً فريدةً واستثنائية في العالم العربي والإسلامي أن تنقسم حركةٌ على نفسها، ثم يُعاد لمُّ شملِها من جديد، بعد حوالي: 09 سنوات من ذلك، كمخرجاتٍ مؤسفة للمؤتمر الرابع الشاهد في ماي 2008م، وهي عمليةٌ شاقّةٌ ومؤلمة، لِمَا رافق هذا المسار من الجراح والخِلاف، تطلّب ثمنًا باهضًا من الصّبر والتحمّل والتفاوض والتنازل، ابتداءً من الوثيقة التاريخية لهذا المشروع الموقّعة بتاريخ: 26 مارس 2013م بين الشيخ “أبوجرة سلطاني” رئيس حركة مجتمع السلم آنذاك والأستاذ: عبد المجيد مناصرة رئيس “جبهة التغيير”.
وبعد المؤتمر الخامس للحركة بداية ماي 2013م، وانتخاب الدكتور: عبد الرزاق مقري رئيسا للحركة حَمَل على عاتقه هذا المشروع ضمن الخطة الخماسية لعهدته، والتي صادق عليها مجلس الشورى الوطني، وقد تضمّنت هذه الخطة: “مشروع الوَحدة”. ولخصوصيته واستراتيجيته فقد أُلحِق هذا المشروع برئيس الحركة ضمن مهامه واختصاصه، وهو ما تحمّله بكلِّ قوّةٍ وأمانة، بالرّغم من الثّمن الباهض له على مستوى الأفراد والهياكل، وعلى المستوى المركزي والمحلّي، وعلى مستوى المبدأ والتطبيق، وعلى مستوى العواطف والإجراءات التنظيمية.

وسيذكر التاريخ رجالا صادقين اشتغلوا على هذا الملف طيلة هذه المدّة، من قيادة الحزبين ومن القيادات والإطارات التاريخية للحركة، وبالرغم من التداول والتغيير على مستوى اللجنة المشتركة للوَحدة، إلا أنّ التاريخ سيخلّد جهدهم، لِمَا تكبّدوه من معاناةٍ في صمتٍ، بعيدا عن الأضواء والضّجيج، وهو ثمنٌ باهضٌ للوَحدة لا يتحمّله إلا مَن احتسب أجره عند الله تعالى.

ولقد أثبتت الأيام أن هذا المشروع يتجاوز حظوظ النفس، وأنه أكبر من الأشخاص والتنظيمات، وأنه يسمو إلى عالم الأفكار والقيم، وأنه يخترق حدود الزمان فلا يرضى بالظرفية أو الآنية، وأنه يأبى الإنحناء أمام المنعرجات الصعبة التي واجهته، بعد أنْ شقّ طريقه وسط عُبابٍ ضخمٍ، لينادي منادي النّجاة: “يا بُنيّ اركب معنا..”.
وأثبتت مسيرةُ التجسيد الصّعب لتفاصيله، أنه هناك مسافةٌ شاسعة بين ما نؤمن به في عالَم المُثُل وبين ضريبة استدعائها إلى عالَم الواقع، وأنه هناك خصومةٌ خفيّة بين الإيمان به من حيث المبدأ وبين ضريبة إجراءاته التنظيمية والقانونية، وأنه هناك مسافةٌ غير آمنة بين التصويت عليه وبين معالجة تفاصيله الواقعية، فكان من الثّمن الباهض له أنه استهلك قياداتٍ ونفسياتٍ وأعصابًا وأوقات.

فلا يعتقد البعض أنّ الغوص في أعماق هذه “الوَحدة” كانت نزهةً للتباهي بها في المجالس المعلنة، فقد كان السّير بها كمَاشٍ فوق الشّوْك يحذر ما يرى، فليس من السّهل أنْ يُؤسّسَ انشقاقٌ باتهاماتٍ كبيرةٍ وخطيرةٍ للحركة، وصلت إلى “المساسِ بالصّلة” و”هزِّ المرجعية” و”تهديدِ المدرسة” و”خدشِ الفكرة” و”شقّ الحركة” تحت عنوان: “الإنحراف على المنهج” و”الارتماء في أحضان السلطة” و”فقدان الهوية الدعوية والتربوية” وأنها أصبحت “هيكلٌ بلا روح”، ثمّ العودة إليها بمشروع الوَحدة في إطارها ووفق لوائحها كإرثٍ تاريخيٍّ مشترك.

فتطلّب القبول بصيغتها وشروطها الحالية تجرّعَ ثمنٍ باهضٍ ومنغّصٍ للبعض.

لقد كان هناك مخاضٌ عسيرٌ للقبول بالوَحدة في إطار الحركة، وليس في إطارٍ هيكليٍّ تنظيميٍّ وإسمٍ جديد لها، فكان الاتفاق على الوَحدة التنظيمية والترشّح في الإنتخابات باسم الحركة خطوةً متقدّمةً أمام الضّمير في القبول بها، كما أنّ القبول بمبدأ “المناصفة” في المكتب التنفيذي الوطني ومجلس الشورى الوطني والتداول على رئاسة الحركة في المرحلة التوافقية، والتي ستدوم: 10 أشهر ليس بالأمر السّهل في العبور الآمن بالمشروع إلى نهاياته، وهو ما تطلّب إبداعا نفسيًّا وإجرائيًّا مؤلمًا، فقد تشعّب النّقاش وتصاعد التوافق بالوصول إلى تجسيد مبدأ “قانونية الإجراءات” إلى قرار “حلّ جبهة التغيير” وقبول الانخراط الجماعي لقياداتها وإطاراتها في الحركة من جديد، وإجراءِ تعديلاتٍ على القانون الأساسي والنظام الداخلي والبرنامج السّياسي لها، ولم يكن ذلك سهلا إلا بضريبةٍ قاسيةٍ وثمنٍ باهضٍ نحتسب أجره عند الله تعالى.

كما أنه لم يكن سهلا على إخواننا في “جبهة التغيير” حلّ “الجبهة” مسبقا، والانخراط في الحركة من جديد، وتجسيد هذا المشروع – عمليًّا – بكلّ هذا الضّبط والاحتياط، وبالتحكّم في الملف بأدقّ تفاصيله في “الرؤية السياسية” و”القانون الأساسي” و”النظام الداخلي” و”الاتفاق الإطار” بملاحقه التفصيلية.
كما أنّه ليس من السّهل على الحركة أن تنخرط في هذا المسعى، وقد عرفت نموًّا هيكليًّا ومؤسساتيًّا واستقرارًا تنظيميًّا وتميّزًا في الخطّ السياسي بهذه المخاطرةٍ، في مرحلةٍ توافقيةٍ في غضون سنة، وأنْ تقبل بمبدأ “المناصفة” والتداول على رئاسة الحركة، مع الاختلال الكبير – والذي لا يُقارن – في “البطاقة الوطنية” لمناضلي كلّ حزب، والبُونِ الشّاسع في الهياكل والمؤسسات والمشاريع مركزيًّا ومحليًّا.

ستكون هذه المرحلة التوافقية محرابًا للتقارب النفسي والاستيعاب التربوي والاندماج التنظيمي والإسقاط الميداني لأحلام “الوَحدة” والإختبار العملي لصوابية اختيارات مؤسسات الحركة.

لقد اجتهدنا “الاجتهاد البشري القاصر” في تأمين المرحلة التوافقية عن طريق: الضّبط التنظيمي، والفصل في آليات اتخاذ القرار، والتوافق على الرؤية السياسية للحركة، والالتزام بالخيارات الكبرى لها، وعدم مراجعة الخطّ السّياسي إلا بناءً على “نتائج الإنتخابات”، والاحتكام إلى “المؤتمر الديمقراطي”، والذي سيكون في ماي 2018م حاسما في الرجال والبرامج والخيارات الكبرى والتوجّهات السياسية العامة بكلِّ حرّيةٍ وسيادة.

إنّ هذا المشروع ما كان له أن يأخذ هذا “الاتجاه الصحيح” لولا فضلُ الله تعالى علينا، وفضلُ قرارات المجالس الشورية الوطنية، وفضلُ تضحيات وصبر وتحمّل قيادة الحزبين، وعلى رأسهم الدكتور: عبد الرزاق مقري رئيس الحركة، والأستاذ: عبد المجيد مناصرة رئيس جبهة التغيير المنحلة، وفضلُ اللجنة المشتركة للوَحدة وعلى رأسها الأستاذ: عبد العالي حساني شريف، وفضلُ بعض الوسطاء من العلماء والدعاة في الداخل والخارج.

فلقد مرّ هذا المشروع بمحطّاتٍ مفصليّةٍ حاسمة، وباختباراتٍ دقيقةٍ وحرجة، تطلّبت تحمّل المسؤولية التاريخية في تجاوزها، واستدعت جرأةً نادرة وقوّةً في الحقّ نافذة للنّجاة من حالات السقوط والإخفاق والتراجع.

كما أنّ التدافع الداخلي، وتباين وُجهات النّظر، والاختلاف في زوايا الرؤية داخل المكاتب الوطنية ومجالس الشورى الوطنية للحزبين عاملا مساعدًا على التبصّر ببعض الجوانب الخفيّة، وبعض المخاوف والمحاذير التي قد تؤول بنا إلى مآلات غير مرغوبٍ فيها.

هنيئًا لنا جميعا بهذا الإنجاز الاستثناء، والذي يسبح ضدّ تيار الانقسامات والانشقاقات التي تعاني منها الأحزاب والحركات في الوطن العربي، ومن كلّ التيارات، وهي تجربةٌ تحتاج من الأكاديميين والباحثين والسياسيين الوقوف عندها بشيءٍ الدراسة والتحليل للعِظة والعبرة.

تعليق