إن من خصائص النظام السياسي الجزائري ” عبقرية المناورة” . لو كانت القدرات الفائقة التي يتصف بها النظام السياسي في مجالات المناورة السياسية وتغليط الخصوم وكسب السذج من الناس يستعملها في تطوير البلد وتحقيق التنمية لكانت الجزائر في مستوى الدول الصاعدة (les pays émergents) التي كانت في مستوى الجزائر في السبعينيات والثمانينيات.
تعيش الجزائر اليوم ظاهرة الوزير الأول عبد المجيد تبون الذي أعلن الحرب على رجال المال الذين اغتنوا من خزينة الدولة ولم يفوا بالتزاماتهم. هذا شيء جميل نشجعه ونباركه ونسند الوزير الأول عليه. ولكن لا يمكن للجزائريين أن يعطوا صكا على بياض ولا أن يغتروا بهذه الظاهرة، فقد رأينا مثل هذا في فترات سابقة، ثم وجد الجزائريون أنفسهم أمام وهم كبير استعمل لتهدئتهم وتمرير مرحلة صعبة كان يمر بها النظام الجزائري ورجعت الأمور إلى ما كانت عليه فسادا و رداءة وتبذيرا بل وظلما وعدوانا على المعارضين.
إن السيد تبون من نفس النظام السياسي الذي ينتمي إليه سلال، والرئيس الذي كان يعطي الأوامر لسلال هو نفسه الذي يعطي الأوامر لتبون. والذين كانوا يعطون الأوامر للبنوك لدعم رجال الأعمال الذين يواجههم تبون اليوم لا يزالون هم من يأمر وينهى. ما الذي تغير؟ هل تبون مجرد واجهة مؤقتة لتزيين الصورة استعدادا لاستحقاقات قريبة؟ هل محور السلطة لم يعد في المرادية؟ هل ساكنو المرادية اعترفوا بأخطائهم بعد الكوارث والأموال الهائلة الضائعة والمسروقة غير القابلة للاسترجاع؟ هذه مجرد تحليلات لا نملك عنها أدلة تجعلنا نترك الحذر.
وحتى وإن سلمنا بأن تبون صادق في نواياه، وهو يتجه للإصلاح بدون أوامر من الرئيس من الذي سيسنده في مسعاه داخل النظام السياسي؟ هل ستكون مساندتنا له كافية؟ وهل ستكون له الجرأة ليذهب للإصلاح السياسي الذي يديم الإصلاح الاقتصادي ويرشده؟ هل سيتجه لتحقيق آليات الرقابة على المال العام وعلى الشأن العام؟ هل سيذهب لإعادة بناء المؤسسات على أساس الإرادة الشعبية والكفاءة والنزاهة؟ هل له القدرة على التوقف عن تزوير الانتخابات؟
إن من طبائع النظام السياسي تدوير السلطة داخله ليتجنب التداول على السلطة مع غيره من الأحزاب والقوى السياسية. هو يريد بهذه الممارسات أن يلغي الديمقراطية وأن يلغي الأحزاب والمجتمع المدني، وهذا أمر لا يتحقق به الإصلاح. يجب على الجزائريين أن يتخلصوا من ذهنية “الرجل الأسطورة” أو “الرجل الذي تبعثه لنا العناية الإلهية” بدون أي جهد أو تضحية منا، لقد جربنا هذا مع رئيس الجمهورية الحالي في بداية عهدته الأولى حيث فرح به كثير من الجزائريين فاكتشفنا في آخر عهدته الرابعة بأننا نعيش في دولة مترهلة قد تتحول إلى دولة فاشلة تدفقت عليها الخيرات والفرص بشكل غير مسبوق فإذا به تدخل أزمة اقتصادية وأزمة مؤسسات وأزمة قيم غير مسبوقة. كفانا من هذه الثقافة المتخلفة، فلنفعل كما تفعل الأمم، نبني مؤسسات قوية على أساس الإرادة الشعبية، نبني وضعا سياسيا يسمح بالرقابة والمساءلة وينهي اللاعقاب ويطلق الإرادات الشعبية من خلال الحريات والسماح لظهور جمعيات وأحزاب قوية. إن الإنسان مهما كانت نواياه الطيبة قد تغلبه نفسه إن لم يكن ثمة من يراقبه ويسائله ويقدر على عقابه، لا يمكن للفساد أن يتوقف بغير هذا وصدق الله تعالى إذ يقول: ((ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض)) صدق الله العظيم.

تعليق