• مقدمة: يوم السبت 27 شوال 1430هـ – 22 جويلية 2017م عقد “المؤتمر الاستثنائي المرسم للوحدة” الذي تم بموجبة إعادة إدماج جبهة التغيير في حركة مجتمع السلم . تحت شعار : وحدتنا خادمة للإسلام – حامية للوطن – داعمة للديمقراطية .

وإذا كنا نكتب في كل مرة عن هذه الحركة (حمس) من أجل إبراز ما فيها  من قيم لنؤكد أنها حركة واعدة تحمل للأمة الخير بما تتمتع به من خصائص, فإن مؤتمرها الاستثنائي الأخير أجدر بالكتابة لأنه يبرز خاصية متميَزة تثبت أنها حركة – رغم المنغصات – قد اكتسبت , بما تشربته نفوس أفرادها في تكوينهم المشترك الأول من مبادئ و أفكار و روحانيات, ” جهاز مناعة” حماها – بإذن الله – من تجدر مسببات ” الإيدز الحركي ” (الذي تكلم عنه المرحوم فتحي يكن) وشفاها من وعكة دامت ثماني سنوات فعاد الجسد إلى عافيته و الحمد لله, فلولا الرواسب التربوية التي تلقاها الطرفان معاً سابقاً ما استطاع أيَ منهما أن ينسى ما حدث ويعود إلى لآخر.

و إذا كانت المناعة في الأجساد الحقيقية طبيعية موجودة فيها جميعًا فإن مناعة التنظيمات و الهيئات نادرة تكاد تكون مفقودة بدليل أننا لم نسمع في الأحداث الشائعة مثل ما حدث في هذه الحركة من حل طوعي, وتنازلات و اعتذارات وإعادة اندماج.. ولذلك قال رئيسها أ.عبد المجيد مناصرة: ” هذا المؤتمر ليس استثنائيا في جانبه القانوني فقط ولكنه استثناءٌ أيضا في محتواه , فلم يحدث مثله من قبل” !! إن حدثا كهذا جدير بأن تُدوّن مجرياته للإعلام و التأريخ وبأن تستخلص معانيه للتنبيه و الاعتبار .

  • ماذا حدث؟:
  • أ‌- الأحداث الكبرى:

بعد مؤتمر الرابع 2008 تأسست “جبهة التغيير” منبثقة من حركة مجتمع السلم بعد خلافات استغرقت العهدة السابقة كلها, ولكن مساعي الصلح لم تتوقف سواء بواسطة اللجنة المشكلة لهذا الغرض أم بجهود فردية من شخصيات دعوية من الداخل و الخارج لعل أبرزها الشيخ ولد ددو (من موريتانيا) و مداخلاته في المؤتمر تؤكد ذلك .

ويصرح المعنيون أن نتائج هذه المساعي الرامية إلى” الوحدة ” بدأت تظهر في مارس 2013 مع رئيس الحركة الأسبق الشيخ أبي جرة سلطاني الذي بدأ الخلاف في عهدته الأولى, وواصل خليفته د.عبد الرزاق مقري جهوده في هذا الاتجاه بعد المؤتمر الخامس 2013 , إلى أن توّجت – بفضل الله – بالنجاح في 2017 وذلك بالاتفاق على الآتي:

  • خوض الانتخابات التشريعية في قوائم موحدة من التشكيلتين تحت اسم ” تحالف حركة مجتمع السلم “.
  • الحل الطوعي لجبهة التغيير.
  • عقد المؤتمر التوافقي الاستثنائي لحركة مجتمع السلم في جويلية 2017 ليتم فيه ترسيم الوحدة الاندماجية بناء على ما وافق عليه مجلسا الشورى للحزبين وكان من أهمه:
  • انخراط أعضاء جبهة التغيير في حركة مجتمع السلم .
  • المناصفة بينهم في عدد أعضاء الهياكل القيادية الوطنية (لاسيما مجلس الشورى و المكتب الوطنيين).
  • تقاسم رئاسة الحركة في الفترة الفاصلة عن المؤتمر العادي للحركة (10أشهر) بين الرئيسين على أن تكون خمسة الأشهر الأولى لرئيس جبهة التغيير (سابقا) أ.عبد المجيد مناصرة و الثانية لرئيس حمس(السابق) د.عبد الرزاق مقري .
  • ثم يعقد المؤتمر الديمقراطي العادي في ماي
  • ب‌- مجريات المؤتمر:

حضر المؤتمر حوالي 1200 مؤتمر وكانت قاعة الساورة بقصر المعارض بالعاصمة مملوءة على آخرها بحضور الضيوف و الإعلاميين في الافتتاح, وبالإضافة إلى الضيوف الداخليين حضرت من الخارج بعض الوجوه وعلى رأسهم أ.سامي أبو زهري الناطق باسم حماس المقاومة والذي اهتزت القاعة لذكر اسمه اهتزازاً لم تشهد مثله رغم كثرة الهتافات و الوقوف في حالات أخرى, وذلك لتزامن المؤتمر مع ما يحدث من تجاوزات في الأقصى الشريف!!

وميَزا الحضور أيضًا عودة أكثر من 40 شخصية كانت قد ابتعدت عن التشكيلتين طلية الخلافات و الفرقة , وغاب بعض القياديين وليتهم ما غابوا وإن كانوا قلة!!

تعاقب على المنصة كل من رئيس اللجنة التحضيرية للمؤتمر أ.عبد العالي حساني, وممثل الضيوف رئيس حزب التواصل الموريتاني أ. محمد جميل منصور و الشيخ  ولد ددو العالم الموريتاني والراعي الأبرز لمساعي المصالحة , وفرقة الأقصى الإنشادية وشاعر الحرية محمد براح و الأستاذ عبد المجيد مناصرة, والدكتور عبد الرزاق مقري (بخطابه الرسمي – كرئيس للحركة – الذي قدم فيه بعض معالم إنجازات الحركة في عهدته ثم أعلن عن انطلاق أشغال المؤتمر).

أما الأشغال الرسمية فقد بدأت كالعادة بتزكية مكتب المؤتمر و المصادقة على نظامه الداخلي وجدول أعماله.

ولأن المؤتمر توافقي فكل أوراقه و جميع فقراته معدة نتائجها سابقا بالتراضي فقد تم عرضها و التصويت عليها بالأغلبية الساحقة جميعًا وهي :

القانون الأساسي للحركة و برنامجها السياسي و نظامها الداخلي ثم تليت قائمة أعضاء مجلس الشورى الوطني و زكيت .

وبعد الصلاة وتناول الغداء اجتمع مجلس الشورى الوطني في نفس القاعة بمشاهدة بقية المؤتمرين وزكوا: رئيس مجلس الشورى الوطني أ. الحاج الطيب عزيز ونائبيه أ. علي دواجي (النائب السابق) و أ. أحمد بوزواوي ثم رئيس الحركة أ.عبد المجيد مناصرة ونائبه أ.عبد الرحمان بن فرحات (أمين المنتخبين في حمس سابقا ) ثم أعضاء المكتب الوطني 20 فردًا .

ثم تقدم الرئيسان (السابق و الجديد ) ليلقي كل منهما كلمته الختامية.

  • المعاني المستخلصة :
  • كل ما حدث طيلة سنوات الفرقة الثماني كان سببه النفوس التي لم يكن التحكم فيها في المستوى المطلوب حيث غابت أو كادت معاني مجاهدة النفس ونكران الذات و الصبر و الثبات..الخ , وعليه فإن ذلك هو الذي يجب أن يستحضر في مثل هذه المواقف وما أحوجنا إلى ذلك في المشوار المستقبلي لاستكمال مشروع الوحدة لأنه ” لا يلدغ المؤمن من حجر مرتين ” !!
  • كما أن ما حدث كان طفرة ناتجة عن حالة نفسية تشبه الغضبة التي حين يهدأ صاحبها يعود إلى طبيعته وصوابه.. وقد أثبتت هذه العودة أن النفوس في أعماقها خير تربّت عليه (هكذا نحسبها..) وهو الذي أكسبها ” جهاز المناعة ” المذكور في المقدمة, وقد ساعدها الواقع الميداني على ذلك و” الزمن جزء من العلاج” !!
  • ودليل الخير الموجود في أعماق النفوس هو تقديسها للوحدة والتضحية من أجلها بتنازلات ليست سهلة منها:
  • حل جبهة التغيير واعتذار أ. مناصرة الذي قال ” أعتذر للشيخ محفوظ رحمه الله ولكل من مسته هذه الأحداث”(ثم بكى).
  • تخلى د.مقري عن الرئاسة لفترة؛ والرئاسة هي سبب كل الصراعات، وقبول حركته بالمناصفة في الهياكل رغم تفاوت الحجم في الميدان.
  • ليس غريبا عن النفوس البشرية أن يحدث منها ما حصل، كيف لا وقد حدث للصحابة رضي الله عنهم مثله؟.. جاء في كلمة الشيخ ولد ددو أن عليا رضي الله عنه قال في قوله تعالى: «ونزعنا ما في صدورهم من غلَ..»(الأعرف 43) نزلت في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يحدث بينهم . كما جاءت في قصيدة الشاعر براح صور جميلة مستعارة من قصة يوسف عليه السلام مع إخوته وهم أبناء نبي عليه السلام !!
  • الآيات التي افتُتح بها المؤتمر كانت في محلها وكأنها تتنزل حينها ” لمن ألقى السمع وهو شهيد” وهي101- 103 من سورة آل عمران، خاصة عند ذكر ” واعتصموا…ولا تفرقوا…فألف بين قلوبكم…وكنتم على شفا حفرة…فأنقذكم…” (والقياس مع الفارق).

فما أحوجنا للتأمل والتدبر فيها وفي مثيلاتها !!

  • عودة أكثر من 40 شخصية للصف منهم من ابتعد منذ عهد المؤسس رحمه الله, ذلك من ” بركة مشروع الوحدة ” كما قال د. مقري وقد استبشر غيره من المتدخلين أيضاً بذلك وتعالت أصواتهم لنداء بقية الفصائل الإسلامية للالتحاق بالركب لاسيما البناء والنهضة و”العدالة والتنمية” .

وذهب مقري أبعد حين دعا كل العائلات السياسية والفكرية للتكتل في أحزاب موحدة لتكون أقوى وقال ” نريد أن ننافس أحزابًا قوية “.

  • غياب بعض الشخصيات (الكلي أو الجزئي) لم يؤثر في المشهد ولكن حضورهم كان أولى لاستكمال الصورة وهو أفضل بالنسبة لهم لأنه يعبّر عن الانتصار على النفس ونكران الذات أمام إجماع الجماعة واجتماعهم على الخير.
  • في المؤتمر وتداعياته ما يدل على أن ارتباط الحركة بالقضية المركزية وثيق بل إن العلاقة بينهما عضوية , ومن مظاهر ذلك: اهتزاز القاعة لذكر حضور ممثل المقاومة , تخصيص فقرة للقضية في جل المداخلات, من المتدخلين من اعتبر نجاح الوحدة بين الحركتين هو نجاح للأمة وللأقصى وقضيته, صدور تهنئة بالوحدة من أ. إسماعيل هنية مباشرة للحركة .
  • لم تُحدث ” الوحدة ” زخمًا إعلاميا خارجيا كبيرًا كما حدث عند الخلافات والانشقاقات , مما يدل على أن هناك غيظًا من الخصوم و الأعداء مدسوسا وجب الحذر منه ” فكل ذي نعمة محسود ” .
  • رغم ما تم إنجازه فإن ” الوحدة ” مازالت مشروعًا لم يكتمل بعد , يستحق منا جهوداً بينية كبيرة ومع نفوسنا, ولذلك قال رئيس الحركة الحالي : ” الوحدة سلاحنا الذي غفلنا عنه لحظة و الله تعالى يقول «ودَ الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم ..» (النساء102), علينا أن نحميها من أنفسنا و أنانياتنا”.. أما الرئيس السابق فقد حدد معيار نجاح المشروع ” بأن نصل إلى حالة لا نفرق فيها بين من كان في ” التغيير” ومن كان في “حمس” . نسأل الله أن يحقق فأله.

هذه بعض المعاني المستخلصة من المؤتمر ملنا فيها إلى تثمين الإيجابيات تنمية للخير للاستعانة بها على شرور أنفسنا. و يتبعها لاحقا – إن شاء الله – الجزء الثاني من الموضوع بعنوان : استكمال الوحدة : الدواعي و الضمانات .

والله المستعان

تعليق