يعتقد البعضُ أنّ مجرّد نزع البوابات الإلكترونية والكاميرات الذّكية لفرض السّيادة على إدارة المسجد الأقصى المبارك وإعادةُ فتحه، قد حُلّت الأزمة الحالية، وهذا مؤسفٌ لمن يعتقد ذلك.
فأصل الأزمة لا يزال قائما، وهو: وجود الإحتلال الصهيوني، ولا حلّ إلا بزواله، لأنه يخوض حربًا دينيةً، ويمارس تزويرًا للتاريخ بطمس المعالم الإسلامية والمسيحية، وتغيير الطابع الديمغرافي والجغرافي للقدس، والتهجير القسري للسكان الأصليين، وفرض التقسيم الزماني والمكاني لممارسة الشعائر الدينية، والتهديد الوجودي للمسجد بالحفريات التحتية المستمرة، لتهديمه وبناء هيكله المزعوم..
وهذا لا تتمّ مناصرته بمجرد ردّ الفعل الظّرفي حول الهجمة الأخيرة – على خطورتها – ولكن يكون ذلك بفعلٍ استراتيجيٍّ دائمٍ ومطّرد.
فعلى السلطة الفلسطينية أن ترفع يدها لإطلاق قدرات أهل الضفة الغربية بانتفاضةٍ مباركة، وفعلٍ مقاومٍ مشرّف، وأن توقف التنسيق الأمني، وأن تعلن سقوط اتفاقيات أوسلو في الماء، وأن تسحب اعترافها بدولة العدو الصهيوني العنصري، وأن تكون لها السيادة الكاملة والإرادة السياسية في تحقيق الوحدة والمصالحة الوطنية، وإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، لاستيعاب كلّ مكوّنات الشعب الفلسطيني فصائله المقاومة، على مشروعٍ وطنيٍّ تحرّري شامل، بالاعتماد على المقاومة بكلّ أشكالها، بما فيها المقاومة المسلحة..
وعلى بعض الدول العربية والإسلامية أن تقطع كلّ أشكال العلاقات التجارية والديبلوماسية مع العدو الصهيوني، والتنسيق معه، وغلق سفاراتها، وطرد ممثلي العدوّ على أراضيها، وتحريك القضية – بكل قوّة – على كافة المستويات الإقليمية والدولية، وملاحقة العدو الصهيوني على جرائمه المستمرة..
وعلى الشّعوب الحرّة تقديم كلّ أشكال الدّعم والمساندة للشعب وللمقاومة الفلسطينية مادّيًّا وعسكريًّا..
وبالرغم من حجم الفضيحة في المواقف الهزيلة والمتأخّرة للدول العربية والإسلامية، والتي لا تتناسب مع خطورة “الاستهداف والاستفراد والاعتداء” على رمزية المسجد الأقصى وقدسيته، واستفزاز مشاعر كلّ المسلمين، إلا أنه يبقى ميزانا واختيارا وعنوانا لحقيقة انتماء هذه الأمة، ومحطةً لانتفاضةٍ مباركةٍ جديدة تحرّكها، وملتقًا لتوحيد الإرادات التي لا تختلف حوله المواقف، وهو الوجه المشرق لإعادة الانبعاث من جديد، بتراكمية التصعيد الثوري، وزخم القضية وحيويتها في النّفوس..
ولولا هذه الرّدة العربية عن مواقفها التاريخية المشرّفة، والتآمر على مقاومتها، والتنسيق المفضوح مع عدوّها لما تجرّأ “الصهاينة” بكلّ هذه الصفاقة المسعورة على المسجد الأقصى المبارك، ولما فكّر في هذه الخطوات التصعيدية والتدميرية المفضوحة، بالرغم من الهوية الدينية والتاريخية له..
إنّنا نتأمّل في انتفاضةٍ مباركةٍ وتصعيدٍ ثوريٍّ يجسّد نقطة الانعطاف، ويفجّر المخزون الجهادي الكامن في النّفوس، ليكسِّر على صخرته كلّ المحاولات البائسة للتطبيع والتسوية على حساب حقوقه التاريخية، وعلى رأسها: إنهاء الاحتلال، وتحرير فلسطين من البحر إلى النهر..
إنّ استهداف المسجد الأقصى ليس عفويًّا، بل هو مبرمجٌ وممنهج، وصل ذروته بطريقةٍ غير مسبوقة منذ: 1969 بإحكام السيطرة على إدارته وجميع مرافقه، ومنع الأذان وإقامة الصلاة فيه، والعبث بمحتوياته، ونصب البوابات الإلكترونية كعنوانٍ لاحتلاله وفرض السيادة عليه، لها علاقة بالتهويد وتغيير المعالم التاريخية والهوية الإسلامية له.
لأنّ المسجد الأقصى المبارك يبقى عقدةً تاريخية، وأزمةً عقائدية، ومحنةً سياسيةً كبيرة للاحتلال الصهيوني، ولذلك فهو يتّجه بالخطوة القصوى لفرض الأمر الواقع، عن طريق تطبيع مشاهد الاعتداء والاقتحام والمساس بالمقدسات بالإجراءات القمعية والعنصرية، حتى يصبح حدثا اعتياديًّا في الوجدان العربي والإسلامي والضّمير العالمي، فيتدحرج في سُلّم الأولويات، في ظلّ الظروف المحيطة التي تخدم العدو الصهيوني، ومنها: تطبيع وتنسيق بعض الدول العربية معه، ومحاولة شيطنة المقاومة ووصفها بالإرهاب، لشرعنة أيّ عدوان عسكريٍّ على غزة، وكسر المقاومة وتصفية القضية الفلسطينية على الطريقة الصهيونية..
لقد كانت رسالة الاصطفاف الأمريكي، والتماهي مع الرؤية الصهيونية للقضية واضحة، ومنها الطقوس التعبدية “لترامب” عند “حائط البراق” في زيارته الأخيرة، إيمانا منه بأنه من المعالم اليهودية، جرّأت “الحكومة الصهيونية” بعقد اجتماعٍ لها عنده، في رسالةٍ استفزازيةٍ خطيرةٍ ومتعدّدة الأبعاد.
ومع ذلك فإنه لا تخلو هذه الخطوة الصهيونية الخطيرة من نتائج إيجابية، بعد حالة الانقسام الفلسطيني والصراع الفصائلي، وحالة التراجع عن دعم القضية: عربيًّا وإسلاميًّا، رسميًّا وشعبيًّا، والانشغال عنها بأزماتٍ داخلية، وبحروبٍ ونزاعاتٍ في: سوريا والعراق واليمن وليبيا والأزمة الخليجية الأخيرة.
ومن هذه الإيجابيات:
* إعادة تصحيح البوصلة اتجاه القدس والمسجد الأقصى المبارك، وإحياء عقائدية القضية، واستدعاء رمزيتها وأولويتها من جديد.
* بعث روح المقاومة والاستشهاد والعمليات الفدائية من داخل فلسطين التاريخية، وهو ما يشكّل تهديدا وجوديا للعدو الصهيوني، رغم الجهود الخارقة لمسخ روح المقاومة والجهاد لدى الأجيال الصاعدة.
* تحقيق معادلةٍ جديدة، بعد العملية الفدائية النّوعية في مستوطنة “حلميش”، التي أربكت العدو الصهيوني وأخلطت حساباته من جديد، لا يزال معها في حالة الدّهول والحيرة والتردّد، بعد حالة الهدوء الذي سبق العاصفة، وهو الرّد الذي جاءه من حيث لا يحتسب، من شبابٍ مقدسيٍّ غير فصائلي، لا يوجد في حساباته إلا الانتصار للمقدسات، وهي اللغة التي تتحدّى الغطرسة الصهيونية المفتوحة، وأن العبور إلى المسجد الأقصى لا يمرّ إلا على أجسادهم الطاهرة، مما حقّق معادلةً جديدةً في توازن الرّعب وحالة الرّدع، كما قال تعالى: “ترهبون به عدوّ الله وعدوّكم، وآخرين من دونهم لا تعلمونهم، الله يعلمهم..”.

تعليق