لطالما صدّع رؤوسَنا بعضُ علماء البلاط في السّعودية، المرتبطين بالدّوائر الإستشراقية  والاستخباراتية، باتهام “الإخوان المسلمين” بالضّلالة والانحراف عن منهج السّلف الصالح، منذ عهد الإمام الشهيد “حسن البنا” – عليه رحمة الله – إلى اتهام “حماس” بأنّها “منظمةٌ إرهابية”، تمَاهيًّا مع التصنيف الأمريكي والأوروبي – وطبعًا تحت الرّعاية السّامية للعمّ سام: إسرائيل.

ومن أسباب هذا التجنِّي هو: الموقف من الشّيعة، والعلاقة مع إيران.

وكان من جهود “الإخوان المسلمين”: محاولة تحقيق الوَحدة الإسلامية، والدّعوة إلى التقارب بين السّنة والشيعة، وأنّ الحروب الطائفية ليست في مصلحة الأمّة، وقد تورِّطها في حروبٍ دينيةٍ مدمّرةٍ وطويلة الأمد، وهو ما يسعى إلى إشعالها “محور الشّر”، وعلى رأسه “إسرائيل”، كما قال تعالى: “كلما أوْقدُوا نارًا للحرب أطفأها الله، ويسعون في الأرض فسادا، والله لا يحبّ المفسدين”(المائدة: 64)، بعد أنْ تمّ إقناع “السّعودية” بأنّ “إيران” تشكّل تهديدًا وُجوديًّا عليها، وأنّ الحرب الطائفية بين “السُّنة” و”الشيعة” حتميّةٌ لا مفرّ منها، والتي تتجلّى حروبُها بالوكالة في كلٍّ من: لبنان، العراق، سوريا، واليمن، والبحرين.

وهو ما جعلها تستثمر في تجارة الأسلحة بصفقاتٍ خيالية مع: أمريكا وأوروبا، بما قيمته: 130 مليار دولار سنة: 2014م، وتستثمر الآن في “صفعة القرن” مع “ترامب” بمبلغ: 460 مليار دولار، منها: 110 مليار دولار فقط على التسليح.

ومما زاد من المخاوف السّعودية الجدّية والإحساس بالطعنة الأمريكية في الظَّهر: الاتفاق النووي الإيراني مع أمريكا، وألهبَها: الانفتاحُ التركي، السّياسي والاقتصادي على إيران، وخروج “قطر” عن بيت الطاعة الخليجي، وأنّ رياح “الربيع العربي” السّلمي والديمقراطي لن يهدّد إلا مرجعيتها الدّينية ونظامَها الملكي، بعدوَى وصول “الإخوان المسلمين” إلى سدّة الحكم في أيِّ تجربةٍ ديمقراطيةٍ حقيقيةٍ في أيِّ قُطرٍ من الأقطار.

ولأنّ الأنظمة الشّمولية والملَكية والبوليسية لا تثبّت حكمها إلا بأدواتٍ لا علاقة لها بالإرادة الشّعبية الحرّة، ومن هذه الأدوات: استغلال “المؤسسة الدينية” لتبرير السّلوك السّلطوي، مع أنّها أنظمةٌ علمانية، تحارب توظيف الدّين لأغراضٍ سياسية.

وهي بذلك لا تستغني عن “استقطاب” أصحاب العمائم وعلماء السّلطان وبعض المشايخ، الذين يفصّلون “الفتاوى” و”الخيارات الشرعية والفقهية” حسب مزاج العصابات الحاكمة، لتوفير الشّرعية المفقودة: ديمقراطيًّا وشعبيًّا.

وهم صِنفٌ من المرتزقة، ارتبط مصيرهم بالوظيفة ورشاوى السّلطة، وهم عنوانٌ آخر من عناوين “تخلّف الأمة” وانهيار “منظومة القيم” بها، بفساد “الأمراء” و”العلماء”، وهو ما يزيد في حجم اهتزاز الثقة في “السّلطة السّياسية” و”السّلطة الدّينية” لدى الشّعوب عامّةً والشّباب خاصّة، لما يرونه من هذا التخذير الممنهج والتواطؤ المفضوح.

وقد ورد في الحديث النبوي الشريف عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يكون في آخر الزّمان أمراءٌ ظلَمة، ووزراءٌ فسَقة، وقضاةٌ خوَنة، وفقهاءٌ كذَبة..”.

وقال بعضُ السّلف – محذّرين العالِمَ أنْ يبيع ذمّته للحكّام -: إنّك لن تصيب من دنياهم شيئا إلا أصابوا من دينك أفضل منه.”..

هؤلاء العلماءُ المتمسّحون بأعتاب “البلاط الملَكي” هم الذين برّروا قيادة “التحالف العربي” لتدمير اليمن، بحجّة إيقاف الخطر الشيعي المتمثّل في “ميليشيات الحوثي”.

وهم الذين برّروا لـ: “وليِّ الأمر” تدمير سوريا، ودعم الجماعات المسلّحة العابرة للحدود، بحجّة إسقاط النّظام السّوري الدّموي، الموالي لإيران، والمدعَّم من “حزب الله” اللبناني الشيعي والطائفي.

وقبلها: هم الذين شرعَنوا الدّعم المالي والعسكري والاستخباراتي والشّحن الطائفي للجماعات المسلحة في العراق، بحجّة الخِلاف العقائدي بين السُّنة والشيعة.

وبينما يتغاضى هؤلاء المنتسبون للعلماء عن تصنيف “الإخوان المسلمين” وحركة “حماس” كمنظماتٍ إرهابية، كتبت جريدة “الرّياض” السّعودية مؤخّرا: (وفدٌ من قيادة حركة حماس “الإرهابية” يحضر مراسيم تنصيب روحاني..)، وختمت الصحيفة التعليق عن علاقة حماس بإيران بقولها: (وتُعدّ حماس مجموعةٌ إرهابية حسب تصنيف كلٍّ من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي.).

ولا حجّة لهم في هذا التصنيف إلا الموالاة لليهود والنّصارى: إسرائيل وأمريكا وبعض الدول الأوروبية، والله تعالى يقول عن عقيدة “الوَلاء والبَراء”، التي حشدوا لها حربًا دينيةً في الفكر الوهّابي السّلفي المعاصر: “يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء، بعضهم أولياء بعض، ومَن يتولّهم منكم فإنه منهم..”(المائدة: 51).

ولكنّ الله تعالى فضح هذه التملّق السّلطوي، فخرج علينا مؤخّرًا بتبرير هذا التقارب السّعودي – الإيراني، وبالمقابل هذا العدَاء والاستعلاء السّعودي على بعض الدول العربية، وصل إلى درجة استغلال “الحج” وتوظيفه كجبهةٍ لهذا الخِلاف، وأداةٍ لهذا الصّراع.

هذا التقارب بدأ في “لبنان” سنة: 2014م، وحدثت هدنةٌ سياسيةٌ وإعلاميةٌ على تلك الجبهة..

واليوم تنسّق السعودية مع إيران في تنظيم موسم الحج، ويستقبلُ وليُّ العهد السّعودي “محمد بن سلمان” الزّعيمَ والمرجعَ الشيعي العراقي “مقتدى الصّدر” بشيءٍ من الحفاوَة والوُد.

وبعده: لقاءُ وزيرِ الخارجية “عادل الجبير” بوزيرِ الخارجية الإيراني “جواد ظريف” بابتساماتٍ عريضة، لا تعكس ذلك الخِلاف العقائدي والمواجهات العسكرية الدّامية، التي أصَّلَت لها “المؤسّسة الدّينية” للطرفين لعقودٍ من الزّمن.

ولا يوجد تفسيرٌ لهذا التقارب – بالإيعاز الأمريكي – إلا اليقين بأنّ الخِلاف بين البلدين مهما كان غلافه أو مبرِّره لا يمكن حسمه بالحلول العسكرية والمواجهات المسلّحة في المنطقة، مع إبقاءِ حالةِ الاستنزاف قائمةٌ بينهما.

ولا يوجد شرطٌ لهذا التقارب إلاّ: “عدم التدخّل الإيراني في الشؤون الدّاخلية للمنطقة..”، والمقصود به هو “التدخل العسكري” المباشر – أو بالوكالة – عن طريق ميليشياتها الطائفية، ولا علاقة له بذلك الشّحن المذهبي، الذي يستغلّ “الدّين” و”علماء البلاط” لشرْعنَة هذه الحروب الطاحنة، التي تذهب ضحيتها الشّعوب وليست الأنظمة.

فلماذا تُتهم “حماس” في ولائِها لعلاقتها بإيران؟ ولماذا يُتهم “الإخوان” في عقيدتهم لحرصهم على “التقارب” بين “السُّنة” و”الشيعة”؟..

إنّ “الإخوان المسلمين” لا يمثّلون الآن فصيلا قُطْريًّا ولا تنظيمًا دوليًّا، بقدر ما يمثّلون “فكرًا وسطيًّا” و”منهجًا معتدلا” و”أمرًا واقعا”، حفِظ وحافَظ – على مرّ العقود الماضية – على هذا “التوازن” و”التقارب” الحتمي بين “السُّنة” و”الشيعة” .

وأنّ أيَّ استهدافٍ استئصاليٍّ لهذه “المدرسة” في المنطقة لن يكون في صالح الدّول والشعوب: حاضرًا ومستقبلا..

تعليق