إن التمويل غير التقليدي الذي يقصده برنامج الحكومة هو الاعتماد على التمويل من خلال طباعة الأوراق المالية بدون تغطية بعد تعديل قانون القرض والنقد، وقد بين البرنامج أن التمويل غير التقليدي هو الذي يقوم على أساسه البنك المركزي بإقراض الخزينة العمومية مباشرة من أجل تمويل عجز ميزانية الدولة، وتمويل الدين العمومي الداخلي، وتوفير موارد مالية للصندوق الوطني للاستثمار.
معنى هذا أن حكومة أويحيى تريد التمويل عن طريق طباعة الأوراق المالية (la planche à billets)، أي أنهم كانوا يستنزفون الكنوز المخبوءة تحت الأرض عالية القيمة (البترول والغاز) ويحولونها إلى أوراق مالية ضعيفة القيمة (قابلة للتبخر) استعملوها برداءة وتبذير ونهب، فلا البترول والغاز حافظنا عليهما لنا وللأجيال المستقبلية، ولا الأموال بقيت أو استفدنا منها لبناء ثروة دائمة، وهم الآن يريدون طباعة الأوراق المالية مباشرة دون مقابل ! إنه الجنون الحكومي، والهبل، واللا مسؤولية، ومحنة كبيرة تنتظر الجزائريين.
وليفهم الجزائريون الأمر نبين ما يلي:
لا تطبع النقود في الدول التي تحكمها أنظمة مسؤولة إلا بقدر ما يقابلها من احتياطي الذهب (وهذا هو الأضمن)، أو بحسب قوة الاقتصاد وما يقابلها من إنتاج فعلي للسلع والخدمات في البلاد، أو احتياطي النقد الأجنبي. وهذه الدول المسؤولة تحفظ نفسها من طباعة الأوراق المالية خارج هذه الشروط بقوانين صارمة كما هو حال قانون القرض والنقد الجزائري الذي يمنع من أن يغطي البنك المركزي عجز الخزينة بأكثر من 10 %. حكومة أويحيى تريد تعديل هذا القانون لتتخلص من هذا القيد، وعليه فهي تتجه إلى كسب مزيد من الصفات التي تجعل النظام الجزائري نظام خارج القانون ولن ينفعه من حيث شرعية الإجراء أن يصادق على هذا التعديل أغلبية مبنية على غش آخر هو الغش الانتخابي.
وبالنظر إلى وضعية الاقتصاد الجزائري يشبه هذا الإجراء حال شخص أفلس وليس له كنز ولا مدخرات ولا يستطيع بيع بضائع أو خدمات بالمقابل فقام بطبع أوراق مالية بطريقة غير شرعية. الفرق أن الحكومة الجزائرية لها أغلبية برلمانية لا تسألها عن شرعية ومنطقية هذا الإجراء تغير لها القانون، وذلك الشخص المفلس لا يملك أن يغير القانون لكي يرفع عن نفسه تهمة التزوير النقدي.
قدم برنامج بوتفليقة وأويحيى مبررات مخادعة وواهية بذكر الدول التي لجأت إليه، كأمريكا واليابان والمملكة المتحدة، وقد تعمدوا عدم قول الحقيقة للجزائريين أن تلك الدول لها عملات قوية هي عملات صعبة تستعمل في الصناديق السيادية، ولها ما يقابل من إنتاج وطني، ومع ذلك هذه الطريقة لم تحل الأزمات التي دفعتها إلى هذا ( أزمة القروض الائتمانية) بل أدامت متاعب الاقتصاد العالمي ، علاوة على أن التوجهات العلمية الاقتصادية العالمية الحديثة تدين هذا التحايل الاقتصادي إدانة شديدة.
ومن باب المسؤولية نوضح للمواطن الجزائري ما هو أثر هذا الإجراء عليه، وما هي المخاطر على وطنه، سيتسبب هذا التمويل غير التقليدي من خلال طباعة الأوراق النقدية في توفر كمية كبيرة من النقود الوهمية تؤدي إلى طلب كبير على السلع يؤدي إلى تضخم أسعار البضائع فتنهار قيمة الدينار ويتسمم، وتصبح كمية كبيرة من النقود لا توفر إلا كمية قليلة من السلع والبضائع (“قفة” نقود توفر “كمشة” بضائع)، فيكتشف الجزائريون بعد فترة قليلة بأنهم خدعوا وأن أحوالهم المعيشية صارت لا تطاق وأن الأفق أمامهم مسدود، ثم تنتقل الأزمة من الأفراد إلى المؤسسات بعد تعاظم التضخم فتعجز عن تحمل أعباء الأجور فترتفع معدلات البطالة، فتتحول الأزمة الاقتصادية إلى أزمة اجتماعية وتوترات خطيرة مفتوحة على كل الاحتمالات.
غير أن ثمة جهات ستستفيد من هذا الإجراء فمن هي؟ باعتبار أن الجزائر بلد غير منتج فإن البضائع تشترى من خارج الوطن، أي عن طريق الاستيراد، وعليه فإن المنتفعين من هذا التمويل غير التقليدي هم القوى الدولية المصدرة للبضائع والخدمات نحو الجزائر وعلى رأسها فرنسا، وكذلك رجال المال أصحاب النفوذ في الجزائر والذين كان لهم دور كبير في التغيير الحكومي الإخير، سيجد هؤلاء، من خلال هذا النوع من التمويل، فرصة إضافية للثراء بعد انتهاء إمكانية تمويلهم عن طريق أموال البترول إلى غاية تكشف الأزمة نهائيا وقد أمنوا أنفسهم بالهيمنة الكلية على القليل المتبقي وبتهريب أموال ضخمة خارج الوطن.
إن الأسباب الاقتصادية الحقيقية التي دفعت رئيس الجمهورية والحكومة إلى هذا الإجراء المدمر للمصلحة الوطنية هو انهيار الاحتياطات وقرب انقطاع السيولة واقتراب الإفلاس والوقف عن الدفع (ومن ذلك عدم القدرة على تسديد أجور العمال). إن الحل الاقتصادي الطبيعي التقليدي لمواجهة هذه الأزمة هو إما المديونية أو التقشف المؤقت في حالته القصوى لتوفير موارد لضمان استمرار الإنفاق العمومي الضروري وإنهاء العجز و مواصلة الاستثمار في انتظار الوصول إلى التنمية وضمان قيم مضافة ومداخيل كافية بالعملة الصعبة خارج المحروقات إذا توفرت الشرعية والرؤية اقتصادية والحكم راشد. ولكن باعتبار أن هاذين الحلين (المديونية أو التقشف) يمثلان انكسارا لغرور السلطة وانكشافا صارخا للفشل المخفي على البسطاء من المواطنين ، ويؤديان إلى توترات اجتماعية كبرى تهدد السلطة على العاجل تم اللجوء إلى هذا الخداع الاقتصادي
ما هو الهدف السياسي وما هو المآل ؟ لا يوجد من هدف سياسي سوى إرادة ربح الوقت والهروب إلى الأمام إلى غاية مرور الانتخابات الرئاسية المقبلة، مع الاعتقاد بأن هذا الإجراء قد يسمح بالمحافظة على السلطة لمدة خمس سنوات (عهدة رئاسية كاملة) من خلال هذا التمويل المغشوش فلربما (!) ترتفع أسعار البترول والغاز من جديد على المدى البعيد أو يتم اكتشاف كنوز جديدة تحت الأرض (!)، أو تنجح استكشافات الغاز الصخري ـ باعتبار أن الأزمة حسب ذهنية المسؤول الجزائري هو برميل البترول وليس فشله وأن الحل في ارفاع سعر البرميل وليس ما يقوم به هو ـ وإذا لم يحدث هذا يأمل المسؤول الجزاري أ، يتعود الجزائريون على الفقر والحرمان بالتدرج في الوقت الذي ستتكفل فيه المؤسسات الاقتصادية التي تملكها القلة الأوليغاكرية المنتفعة بتوفير النمو الكافي للتوازنات الكبرى ودفع الأجور الزهيدة لعدد محدد من العمال .. من هنا إلى خمس سنوات حسب ظنهم.
يبين برنامج الحكومة من خلال أولوية الأمن الذي جُعل في قسمه الأول بأن السلطة تعد نفسها لمواجهة الاحتجاجات الكبرى بالقوة، مهما كانت الجمل الاعتراضية التي يتحدث فيها البرنامج عن الأمن الوقائي وتقنين الاحتجاج في الطرقات، وعليه ستكون السنوات الخمس المقبلة حلبة صراع في الشارع بين رجال الأمن والمواطنين المخدوعين على شاكلة ما هو موجود في فنزويلة وأكثر، وفي آخر المطاف إذا لم تنجح هذه المغامرة، وذلك هو الراجح، فسيترك الحكام الذي سيسيطرون على رئاسة الجمهورية السفينة أثناء غرقها للجوء خارج الوطن في انتظار إعادة هيكلتهم بمساعدة القوى الاستعمارية كما يحصل في مصر وسوريا وليبيا واليمن على حساب أممنا ووحدتنا وسيادتنا وخيراتنا. كما لا يمكن كذلك استبعاد وجود مخطط لتقسيم الجزائر في ظل فوضى مبرمجة قد تكون جهات نافذة ومؤثرة داخل النظام الجزائري طرفا فيها.
إن اللجوء إلى هذا الإجراء الخطير دليل على عدم استعداد السلطة للتوافق، وإصرارها على الاستئثار بالسلطة رغم فقدان شرعيتها بسبب التزوير الانتخابي الدائم والمستمر وبسبب الفشل المدي والذريع وبسبب الفساد الذي وصل في شموله وعلاقته بالخارج إلى حد السؤال عن مدى بقاء مفهومي السيادة والوطنية في تسيير الشأن العام . لقد قدمت المعارضة، ممثلة بالخصوص في حركة مجتمع السلم، رؤية وطنية بديلة متكاملة تقوم على أساس الشرعية الشعبية وتحقيق التوافق بين كل القوى السياسية وعلى رأسها المؤسسات الرسمية وأحزاب المعارضة والموالاة والشخصيات الفاعلة لتحقيق الانتقال الاقتصادي وفق برنامج متفق عليه حددت فيه مصادر التمويل البديلة، مع تحمل الأعباء من الجميع وإنهاء زمن الامتيازات والثراء عن طريق الفساد أو المنصب، والتوجه إلى الشعب بلسان واحد يدعو إلى الصبر والتضحية والتضامن والكد والعمل إلى غاية بروز نتائج التنمية بين خمس إلى ثمان سنوات. ثم الانتقال السياسي والتداول الفعلي على السلطة على أساس الانتخابات الحرة والنزيهة. إن الاعتماد على الغش الاقتصادي معناه أن السلطة الحاكمة قبرت أي فرصة للتوافق وألقت على المعارضة البحث عن بدائل سياسية وطنية سلمية غير تقليدية لمواجهة الانحرافات القائمة والمحتملة.

تعليق