بسم الله الرحمن الرحيم

عن أويحي وبرنامج الحكومة  (1)                               بقلم الدكتور عبد الرزاق مقري

إن مجيء أويحيى لتسيير شؤون الدولة والبرنامج الذي عرضه ما هو إلا حلقة أخرى من حلقات الفشل وطور من أطوار الهروب إلى الأمام التي إن لم تتوقف قد توصل البلد إلى حالة لا يحمد عقباها. أستطيع أن أقول هذا كرجل سياسي بعيد عن المسؤولية في الحركة الآن، في انسجام وتكامل مع خط المعارضة الذي نحن عليه، وكرجل واجه أحمد أويحيى من قبل في حلبة البرلمان وفي اللقاءات الثنائية،  بصفتي رئيسا للكتلة البرلمانية للحركة سنة 1997 أثناء مناقشتي وتعاملي مع برنامج الحكومة، بخلفية نزيهة تقوم على العلم وتبحث عن الخير وتحرص على مساحات التوافق فأدركت يومئذ مكره السياسي واستبداده وحبه لإذلال الغير وكسر إرادة المخالف، ثم تابعته عبر السنوات وهو رئيس للحكومة عدة مرات ومسؤول في الدولة ووزير بلا توقف فلم يزد فيه سوى المكر والتربص بخصومه والحرص على السلطة وتوابعها حتى تضخم فيه ذلك فأصبح يطمح أن يكون رئيسا للجمهورية بأي صفة من الصفات، يُظهر الولاء للرئيس الحالي وهو يرقب مكانه، ضمن سلوك معروف به: “الانحناء لمن فوقه وقهر من تحته”، سلوك رأيته فيه في مناقشات الحوار الوطني مع زروال سنة 1994 حين كان رئيسا لديوانه، ثم أكدته الأيام وشهد به غيري. لم ينفع أحمدُ أويحيى البلدَ في شيء ذي بال بمناصبه المتعددة، يتحدث هو كثيرا عن دور حزبه الذي خُلق بالتزوير في مكافحة الإرهاب وما هو إلا طارئ على هذا المسار، إذ حَسم أمرَ الإرهاب رجالٌ قبله في المؤسسة العسكرية والأحزاب والشخصيات السياسية ومنها الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله ومن معه، وجاء هو ليأخذ المجد والمكافأة بلا تضحية ! يتحدث بعض الأزلام والسذج وقليلو البضاعة في الشأن الاقتصادي عن كفاءته،  وكل مرور له على رئاسة الحكومات كان صدمة على الجزائريين والنتائج تؤكدها الأرقام، ولو كان مسؤولا حقا وهو يتحدث عن الوضعية الخطيرة للبلد – التي كان ينكرها – لاعتذر للشعب الجزائري بأنه هو من أهم من ساهم في هذا التردي. ولا عيب أن يفعل السياسي ذو المصداقية ذلك حين يبين الخطأ ويشيع.

إن البرنامج الذي يعرضه أحمد أويحيى هو نسخة أخرى من نسخ الوهم، التي لن تنطلي إلا على الغافلين والانتهازيين والمنتفعين والسائرين وراء السراب. وهو إذ يجعل الجانب الأمني في القسم الأول من البرنامج يعطي الإشارة بأن الحل الأمني سيكون في صدارة أدوات معالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي دشنها الجزائريون والتي ستحيط بهم من كل جانب. إن جيشنا جيش وطني شعبي فلا يجب أن يدفعه فساد وفشل السياسيين إلى مواجهة الشعب مرة أخرى. على أحمد أويحيى أن يقبل التحدي وأن يترك تقييم نتائج أدائه وبرنامجه للشعب عبر صناديق الاقتراع بلا تزوير ولا تحريف و لا استغلال لوسائل الدولة. إن نجح وتحول السراب بأعجوبة إلى حقيقة سينتخب عليه الشعب كرئيس للجمهورية وسينجح حزبه في الانتخابات كلها وأنا سأبارك له ذلك وأرفع له القبعة ثم أعتزل السياسة. وإن فشل كما فشل في مرات سابقة فليترك الشعب يعبر عن رأيه بحرية فيعزله بالصناديق ويعزل من جاء به ممن هو فوقه الآن، ومن يسنده ممن هو تحته ومعه، في حزبه وعلى مستوى رجال الأعمال وفي كل مكان. أما أن يحتمي بالجيش وأسلاك الأمن فلا يستطيع الشعب استعمال ورقة الانتخاب لتصحيح المسار، ولا يستطيع الخروج للشارع سلميا ليغضب حضاريا فتلك هي الفتنة الكبرى والعياذ بالله، ولن تسلم الجرة في كل مرة ! إن المحافظة على المؤسسة العسكرية والمؤسسات الأمنية هو أكبر واجب وطني يجب أن ينتبه إليه الساسة، ولا يكون ذلك بقيام هؤلاء بواجبهم في تحقيق التنمية وتحقيق الرضا لدى المواطنين بالعدل ومنح الحقوق، فيتفرغ الجيش إلى تطوير نفسه من حيث التقنية والمهنية وتصنيع السلاح والتدريب والاستخبارات الخارجية والقدرات العملياتية لحماية الوطن وسلامة سكانه. وغير ذلك هو العمى والجنون ورمي البلد إلى كل المخاطر.

أما عن القسم الثاني في البرنامج المتعلق بدعم الديمقراطية التعددية ودولة القانون وعصرنة الحكامة، فإن على السيد أحمد أويحيى أن يحكي لنا أولا قصة التزوير الانتخابي الذي اعترف به قادة حزبه وعدُّوهُ عملا وطنيا أنقذ البلد. على أويحيى أن يضع لنا ممارسة التزوير الذي أوجد حزبه ومكانة المزورين في سلم القيم، أين يضع نفسه وحزبه في هذا السلم. وهل هو نادم على التزوير، وهل يعترف لنا بأن التزوير لم يأت بخير بدليل أنه هو نفسه أنبأنا بطالع الشؤم في تقديمه للبرنامج واعترف بأن الدولة صارت غير قادرة على دفع أجور العمال وأن صندوق التقاعد قد انهار. هل سيعترف، على هذا الأساس، بأن خيارات التزوير كانت خاطئة ومهلكة؟ هل سنسمعه في ردوده على النواب يطلب المسامحة من الشخصيات والأحزاب التي قطع عليها الطريق لخدمة البلد بسبب التزوير؟ هل سيعتذر للشيخ محفوظ نحناح رحمه الله ولحركته .. أكبر ضحايا التزوير؟ وعلاوة على ذلك، ماذا يمكن أن يقدمه على صعيد الوعود أكثر مما وعد به الدستور وبرامج الحكومات السابقة؟ ألا يشعر أويحيى بالحرج وهو يكرر نفس الوعود الزائفة؟ هل قرأ تقرير السيد دربال عن الانتخابات السابقة؟ ألا يشعر بأنه عليه أن يطبق القوانين الموجودة فقط، رغم عوارها، ليكون وضعنا الديمقراطي أحسن حال؟ ألا يشعر بأنه عليه أن يرفع الضغط والابتزاز على المؤسسات الإعلامية فيكون ديمقراطيا بلا برنامج جديد؟ وأن لا يجعل اعتماد الأحزاب والجمعيات مسارا شاقا يدوم السنوات بلا جدوى فيكون حاميا لحقوق الإنسان دون تشغيل آلة التصويت المبرمجة في البرلمان؟  سيكون عمله جديرا بجائزة حقوقية دولية لو يأمر مصالح الحكومة عن التوقف عن مخالفة القانون في عدم تسليم وصل الإيداع عند استلامها ملفات طلب اعتماد الجمعيات، وأن يرفق بالجزائريين المسجلة أسماؤهم في الطلب فيخفف عنهم التحقيقات الأمنية الطويلة والمرعبة والشاقة  التي أصبحت تجعل كل ناشط محب للخير، خصوصا إن كان شابا يافعا أو امرأة مصانة، يتخلى عن حقه  في خدمة بلده بواسطة قانون الجمعيات؟ أليس من الظلم الشنيع أن يمنح الموالون اعتمادات جمعياتهم ولو كان سجل بعضهم عفنا؟ أليس الخطر الحقيقي في الانحياز للعابثين في شأن الجمعيات بقيم الوطن من أصحاب النفوذ الداخلي والخارجي كمنظمتي “الروتاري” و”اللاينس”؟ وما خفي أعظم ! أليس من الحمق والصبيانية خلق المشاكل داخل الأحزاب والمنظمات الطلابية ومنعها من الانسجام مع القانون لإضعافها وشل حركتها؟

إننا سنتعتبر أويحيى سيدنا في الديموقراطية وحقوق الإنسان لو أنه  أوقف سلب حقوق الناس في الترقية والوصول إلى الأماكن المهمة في الإدارة والوظائف بسبب انتمائهم وأفكارهم، ولو سمح بالمسيرات في العاصمة تحت حماية الأمن. سيكون سيدنا حقيقة لو صحح المسار في كل ما سبق، من خلال تطبيق ما هو موجود في الدستور والقوانين دون أن نتعبه ونشق عليه في إعداد برنامج جديد ووقوفه طويلا لعرضه أمام النواب وتحمل عبء الاستماع إلى نقد المعارضة ودون أن يتقزز قلبه من كثرة المدّاحين والمتزلفين تحت قبة البرلمان… ولكن هيهات ! هيهات !

أما عن الحكامة، فماذا عساني أن أقول إن غاب الحياء. ألا يعلم أويحيى ومن عينه ومن يسنده بأن ” العيال كبروا” وأن الطبقة السياسية وعموم النخب متعلمون ويعرفون ما هو موجود في العالم، وأننا في زمن تدفق المعلومات. كيف يتحدث عن الحكامة والحكم الراشد وهو يعلم بأننا نعلم بأن من الشروط الأساسية للحكم الراشد الشفافية والمساءلة وصحة وعدالة الإجراءات؟ هل يستطيع أن يصدق نفسه إن ادعى بأن نظامنا السياسي شفاف وواضح ومفهوم؟ من منا لا يعرف بأن نظامنا السياسي من أكثر الأنظمة السياسية غموضا في العالم ؟ من من الجزائريين يعرف من يحكم؟ ومن يقرر على وجه التحديد؟ من منا يعرف كيف ولماذا جاء تبون وكيف ولماذا ذهب؟ من، بين الجزائريين، يعرف كيف هي حالة الرئيس وما دور شقيقه الذي يتحدث عنه الناس جميعا؟ من الذي يستطيع أن يدعي بأنه يعرف كيف أبعد توفيق وهل هو بعيد حقا؟ وكيف هي تطورات التحالفات؟ وكيف ستكون المنافسة في الانتخابات الرئاسية المقبلة كما هو حال الأنظمة التي تتبع الحكم الراشد؟ من من الجزائريين يستطيع أن يعرف كيف يوظف الموظف وكيف يقال؟ كيف تبرم الصفقات وكيف تمنح القروض؟ وهل يتم استردادها أم لا؟    وأما بخصوص المساءلة هل يوجد جزائري واحد يؤمن بأن المساءلة ممكنة في الجزائر؟ وأن البرلمان يستطيع أن يسائل ويحاسب الحكومة؟ وأن مجلس الأمة يقدر على ذلك؟ وأن القضاء يستطيع أن يتطرق لكل الملفات ويحاسب أي مسؤول؟ وأن الإعلام أو المجتمع المدني بله المواطن العادي قادر على ملاحقة المسؤولين الكبار بفاعلية للوصول  إلى نتيجة تحق الحق وتبطل الباطل؟ أما عن صحة وعدالة الإجراءات فهل ترك لنا الفساد المعمم شيئا نقوله إذا كان لا أحد يعرف في الجزائر من أين يبدأ وكيف يسير وأين ينتهي سواء في مجال السياسية، أو المال والأعمال، أو التوظيف والترقية، أو حتى العلم والدراسة أحيانا كثيرة، هل من إجراءات واضحة للمنافسة والتميز في هذا البلد سوى ما يحصله الإنسان بالغش والرشوة والمحسوبية والجهوية؟

يتبع ….

 

 

 

 

تعليق