كان من المفروض أن أبدأ سلسلة مقالاتي عن البرنامج بالحديث عن مقدمته لأهميتها، غير أن تخصيص أويحيى قسما كاملا للديمقراطية والحكم الراشد في القسم الثاني استفزني، والحديث قبله في القسم الأول عن الجوانب الأمنية جعلني أشعر بأنه يريد أن يخيف الجزائريين، فيقبل الجميع النمط الديمقراطي الذي يريده النظام السياسي، ثم على الناس أن يختاروا: إما أن يدخلوا في الصف ويأخذوا من الفتات ما تأخذه الحيوانات الداجنة تحت موائد أسيادها، دون الحق في معرفة ما يقال حول الطاولة و ما هو مطروح فيها. وإما أن يشاكسوا ويرفضوا أن يُقرر مصيرهم ومصير أولادهم فوق تلك الطاولة وهم لا يدرون فيكون حراس المائدة لهم بالمرصاد. فقلت في نفسي والله لن أكون من الحيوانات الداجنة، ولا بد أن أتحدث حتى أساهم مع غيري، على الأقل، في كسر الخوف وتسفيه الفساد حتى تنضبط الطاولة بالحلال، ويصير رزقها للجميع، فتنمو ويعم خيرها، أو تُقلب على حرامها وحرامييها.

يتحدث برنامج الحكومة في المقدمة عن مراجعه الثلاثة ثم يشرحها وهي: الدستور، برنامج رئيس الجمهورية، والنموذج الجديد للتنمية.
أما عن الدستور فمن الطبيعي أن يستند برنامج الحكومة على دستور البلاد، وشيء جيد أن يذكرنا أويحيى بأن عندنا دستورا نرجع إليه، وهو قد نبهني إلى فكرة تنظيم ندوة وطنية لتقييم مدى تطبيق هذه الدساتير في بلادنا، رغم اختلافنا مع توجهات أساسية فيه ناضلنا من أجلها قبل اعتماده، لنرى هل فعلا الدستور هو المرجع السامي في دولتنا بإقليمها وشعبها ونظامها، أم أن النظام (الجزء الثالث في تعريف الدولة) هو الحاكم المطلق على الشعب والإقليم وعلى الدستور ذاته، هل الدستور هو الذي يحكم، أم مزاج الحاكم هو النص الأعلى الذي يُطاع، ومصالحه ومصالح عشيرته وذويه ومصالح حلفائه في الداخل والخارج هي التي تُخضِع القوانين والأوامر والمراسيم. وإذا سلمنا بما يقوله الكثيرون بأنه لم يبق حاكم أسمى، وتلك داهية أخرى، هل الذين يتحدثون عن الدستور يجمعهم الدستور أم أن كل واحد منهم يمثل قاعدة قانونية تُعجن منها النصوص حسب الأهواء وتطورات موازين القوة داخل منظومة الحكم. ولأجل هذا الخلط، وهذا الغموض، أردنا في حركة مجتمع السلم أن يكون النظام الجزائري نظاما برلمانيا تُركّب فيه السلطة تحت الأضواء في ساحة معروفة معلومة هي البرلمان، ويكون القائد الفعلي للدولة بشرا عاديا غير مقدّس يُحاسب من قبل نواب الشعب، ويكون التفاوض على شؤون الحكم وموازين القوة بكل ديمقراطية أمام الناس وبخضوع تام للمساءلة. هذا لا يعني أن النظام الرئاسي لا يمكن أن يكون ديمقراطيا، يمكنه ذلك وتجارب العالم تؤكد الأمر، غير أن في الدول غير الديمقراطية خطره عظيم على البلد وعلى الناس بسبب عدم القدرة على مساءلة الرئيس الذي يكون كل شيء بيده، وفي أحسن الأحوال يكون التفاوض على شؤون الحكم بين فئة قليلة في الغرف المظلمة، وعليه أحسن نظام أثناء الانتقال الديمقراطي هو النظام البرلماني، ولو كنا في نظام برلماني مثلا لحلت مشكلة مرض الرئيس في وقت قياسي بلا هرج ولا مرج، إذ لا يستساغ أن يغيب رئيس الحكومة الذي هو المسؤول التنفيذي الأول عن البرلمان ولو لشهور معدودة. كما أن وجود رئيس يحمل صلاحيات مطلقة ولا يحاسب يفقد السياسة أهم خصيصة فيها وهي ” المسؤولية” إذ تصبح الحكومات عازلة عن معرفة المسؤول الحقيقي ومحاسبته. وفي حالة انكسار القواعد والموازين تتوزع المسؤولية على مسؤولين كثر يعرف بعضهم بعضا ولا يعترف بعضهم ببعض، وإن أظهروا عكس ذلك.

وبخصوص برنامج الرئيس، فالحيرة حول هذه العبارة اصبحت كبيرة ومتعاظمة، وهي أشبه بقصة المهدي الموجود في “زرداب” والذي حين يخرج يملأ الأرض عدلا، والمختلف في كنهه وطبيعته ودوره بين الطوائف الإسلامية. كل الوعود البراقة مرتبطة ببرنامج رئيس الجمهورية، وكل مسؤول يقول أنا هو برنامج رئيس الجمهورية، ولا أحد يتحمل مسؤولية الإخفاقات المدوية في عهد برنامج رئيس الجمهورية، ولا حتى رئيس الجمهورية نفسه يتحمل المسؤولية. أضحت هذه القصة ممجوجة من فترة، ولكنها أصبحت مقززة إلى حد التقيؤ مع حادثة الانتقال من تبون إلى أويحيى، كل منهما جاء بمقاربة في الحكم متعارضة تماما مع الآخر وكلاهما يقول هذا برنامج رئيس الجمهورية. اللهم لطفك! ثم إنني والله ما رأيت قداسة أضفيت على شخص وعلى برنامج كما ألقي على شخص الرئيس وبرنامجه. لقد درست تاريخ القرون الوسطى في أوربا بتمعن وتأمل وكتبت في ذلك نصوصا عديدة فرأيت أن أنصار الرئيس وأتباعه أضفوا عليه وعلى نصوصه من التقديس ما تجاوز قداسة الحاكم الثيوقراطي ونصوص الكنيسة المحرفة التي ناقضت العلم البديهي آنذاك. وإني لآمل أن يؤدي هذا التطرف في بلادنا إلى رد فعل تنويري كما وقع في أوربا نتيجة تطرف الكنيسة، على أن يكون تنويرنا من عمق أصالتنا كما سأبين في مقال لاحق عن برنامج الحكومة.
حين قرأت برنامج الحكومة قدرت أنه لو كان لي الوسع في الوقت لكتبت (بسبب الزعاف!) كتابا بحدود مائتي صفحة تعقيبا على كل جزء فيه، على أن أنهي ذلك بقسم أقدم فيه البديل لكل ذلك التيه الذي نعيشه منذ سنوات طويلة. وقد أعود لذلك بحول الله ضمن دراسة شاملة لتناقضات النصوص وتيه المسيرة العملية في حكومات الجزائر. ضمن هذه الظروف أكتفي بالرد على بعض الجوانب التي اختارها أويحيى في حديثه عن مرجعية برنامج الرئيس، ومنها حديثه عن هدف استقرار البلد.

لقد حول المسؤولون كلمة الاستقرار إلى سنفونية لتنويم الجزائر، أو لإحراجهم كلموا عشقوا التغيير، وتاقوا إلى الإصلاح، أصبح الراغب في جزائر متهما ابتداء، فإذا رفع الصوت طلبا لوقف المهازل وكسر الآمال، وللسير نحو التطور والازدهار عُدّ مُشوِّشا ومهددا للاستقرار وربما متخابرا مع الأجانب (الذين يتخابر معهم بعضهم). إنه ورب الكعبة لا يوجد من تهديد للبلد سوى هؤلاء الذين يكررون الفشل، وأولئك الذين بددوا خيرات البلد وبذّروها ونهبوها، وهم الآن يقولون لا نستطيع دفع أجور العمال. يا الله! كيف لا يفهم هؤلاء أن عدم القدرة على دفع أجور العمال هو ما يهدد الاستقرار. بربكم أيها الناس! من الذي أوصلنا إلى هذه الحالة؟ هل هناك من خرب عليهم ومنعهم من العمل؟ أليست لديهم السلطة المطلقة? ألا يملكون كامل الصلاحيات فلا منازع لهم؟ ألم تكن عندهم كل عناصر النجاح؟ وبين أيديهم كل عناصر القوة والنفوذ: المال، البنوك، المؤسسات الاقتصادية، رجال الأعمال، الجيش، البرلمان بغرفتيه، المجلس الدستوري، المجالس المنتخبة المحلية، الإعلام، الجمعيات، المنظمات، وفوق ذلك كله: شعب صابر! ما الذي جعلهم يلهبون الجبهة الاجتماعية، حقا وصدقا لا يوجد من يهدد استقرار البلد غيرهم. ويا ليتهم تعاملوا مع الشعب بما يجعله يستطيع الاتكال على نفسه، والاعتماد على العمل كقيمة حقيقية دائمة للتنمية وتحمُّل الصعاب في زمن العوز. لقد عملوا على تدجينه بتوزيع فتات الريع من خلال ما سُمي بشراء السلم الاجتماعي ضمن قاعدة “أحيني اليوم واقتلني غدا” ، لكي يأكل الجزائري ويسكن ويدرس ويداوي بالاعتماد كلية على الدولة ويسكت! فلا يسأل عن حجم الأموال التي انفقت مقارنة بما أخذ، ولا عن آثار هذه السياسات المخادعة على مستقبله ومستقبل أولاده. وها هم اليوم حين جف الضرع، يلوحون بخطر ضرب الاستقرار ظنا منهم بأن الشعب الجزائر قد رُوّض إلى الأبد بطريقة التعلم الشرطي البافلوفية، وبصدمات فترة التسعينيات، غير واعين بأن “الفعل الشرطي” قد يتغير بتغير “المثير” إذا قاربنا المسألة نفسيا، وأن “الناس قد يثورون ثورة ثانية بعد ثلاثين سنة” إذا قاربناها اجتماعيا على حد ما يقوله علماء النفس هناك وعلماء الاجتماع هنا. ففي الأولى قد يتحول الفقر والعوز والغلاء والتضخم والظلم والقهر إلى “مثير ” جديد ينتج سلوكا جديدا، وفي الثانية الجيل الذي سيتحرك لا علاقة له بفتنة “الفيس والجيش” وهو لا يشعر بأي مسؤولية تجاه ما مضى، بل قد يكفر بالجميع ويثور على الجميع فيدمر النظام السياسي ويدمر نفسه ويدمر بلده، إن استمر النظام السياسي في عدم السماح بظهور البدائل على مستوى القادة والمؤسسات بفعل التزوير والفساد والفشل المعمم. وتبعا لهذا على أويحيى أن يفكر عن مقاربة أخرى غير مقاربة رئيس الجمهورية لضمان الاستقرار، عليه أن ينظر في جهة “المواطنة” وعلاقتها ب”الوطنية” وعلاقة ذلك بالاستقرار. عليه أن يفكر كيف يصل الجزائري إلى الشعور بكرامته كاملة، و أخذ حريته كاملة، واستيفاء حاجاته كاملة، وتمتعه بعدالة كاملة، فلا فرق في الامتيازات على أساس الجهة واللهجة والولاء الشخصي للمسؤول. وإن لم يكن أويحيى يعلم ما معنى هذا نقول له بأن ذلك اسمه “المواطنة”، مواطنة يحملها الإنسان أينما كان في بلده، في الشرق أو الغرب أو الشمال أو الجنوب، سواء كان عربيا أو قبائليا أو شاويا أو عربيا أو ترقيا أو شلحيا أو مزابيا، سواء كان من تيزي وزو أو تلمسان أو من أي ولاية من ولايات الوطن. فإذا تحققت مواطنته الكاملة كان وطنيا كاملا، يتعلق ببلده وترابه ومائه وهوائه، ويصبح العلَم له معنى في شعوره والنشيط الوطني يكاد يكون مقدسا في وجدانه، مهما كانت حالته الاجتماعية. إن الوطنية كالإيمان والأخلاق أصلها غائر في الشخصية، ولكنها تضعف وتنمو حسب البيئة والظروف تماما كالإيمان والأخلاق، فلا تفتنوا الجزائريين السيد أويحي، تحرمونهم من مواطنتهم فتضعف فيهم وطنيتهم … ذلك هو درس الاستقرار.
أما عن الديموقراطية الهادئة التي جاءت في البرنامج وعلى لسان أويحيى، فالعبارة في حد ذاتها تنم عن مشروع متكامل يتجاوز رئيس الجمهورية نفسه، يُعدُّ له النظام السياسي منذ قرار تأسيس التجمع الوطني الديموقراطي على إثر خروج جبهة التحرير للمعارضة ونجاح الشيخ محفوظ نحناح في الانتخابات الرئاسية سنة 1995 الذي فاجأ به القوى الإدارية والاستخباراتية فزوروا النتيجة. تدل عبارة الديمقراطية الهادئة عن مسار طويل لم ينجح إلى الآن يقوم على عدة محاور: ابتزاز القوى الحزبية الموالية للسلطة بعضها ببعض لتقبل وجود قوى فوق حزبية تقرر وتوزع عليهم المنافع، سحق التيار الإسلامي المتشدد إلى أن يخضع أو يخرج من الساحة، ترويض التيار الإسلامي المعتدل ليقبل المشاركة الصورية مقابل فتات يوزع على القادة في الطبقة العليا وبعض قادة الطبقة الوسطى، تأييس القوى الناخبة التي تريد التغيير فتخرج من الساحة الانتخابية كلية، خلق شبكة زبائن على كل المستويات يحركون العملية الانتخابية بما يضمن الاستمرار ولو بدون مشاركة واسعة، والنتيجة في الأخير تداول على السلطة بين جبهة التحرير والتجمع الوطني الديمقراطي يضمنون به الأغلبية واستمرار النظام الذي تتحكم فيه قوى ما فوق حزبية، وحول هاذين الحزبين الموالين، أحزاب في الموالاة وأخرى في المعارضة تستعمل للزينة والمشهدية المحلية والمظهرية الدولية. ويقصد بعبارة الديمقراطية الهادئة الديمقراطية الآمنة، التي لا تؤمن الوطن ولكن تؤمن النظام السياسي غير الديمقراطي.

كان التحدي الذي يهدد هذه الخطة في البداية يتمثل في جبهة التحرير وحركة مجتمع السلم، أما جبهة التحرير فإنه يكفي تهديدها بالتجمع الوطني الديمقراطي لتدخل في الصف، وقد انطلت هذه النتيجة على الجبهة ولم يستطع أن يواجهها عباقرة ورجال كبار أمثال مهري، ولم ينجو من سمهما صناديد ثوار أمثال عبد القادر حجار الذي صارحني بنفسه، بأنه “لم يكن لديه أي مشكل مع مهري، وهو بالنسبة إليه شخصية لا يرقى إلى مستواها أحد غيره في جبهة التحرير، ولكن المشكلة معه أنه أراد إخراج حبعة التحرير من السلطة، وهذا لا يمكن قبوله”. ومع مرور الزمن تم القضاء على كل أبطال جبهة التحرير، أغلبهم استريح منهم بالأجل، وكثير منهم تم ترويضهم بالمناصب والمنافع والوعود، وبعضهم تم إخراجه من دائرة التأثير الحزبي أو بدفعه للخروج من الحزب كله. وأما حركة مجتمع السلم فكان المخطط: الترويض بالترهيب غير المباشر والترغيب المباشر، لكي تقبل الصف الثالث في لوحات الزينة، حتى يؤمن جمهورها مع الوقت بأنها لا تمثل أملا للوصول إلى الحكم فتطبق برنامجها وترقي كفاءاتها، ولا يعتمد عليها في كسر تلك المشهدية المانعة للتغيير الفعلي، فيتركها مع الزمن كثير من جمهورها، ومن بقي منهم لا يؤهلها للوجود في دائرة الكبار بلا تزوير انتخابي. ولئن نجحت هذه الخطة كاملة مع جبهة التحرير فإنها لم تنجح مع حركة مجتمع السلم التي لا تزال تقاوم وتفوز في الانتخابات فيضطر القوم للتزوير فتتعثر خطتهم. إن الديمقراطية الهادئة التي يتحدث عنها أويحيى في برنامجه هي الانتخابات الآمنة التي يتداول فيها حزبان يتبعان لقوة واحدة من الخلف بلا تزوير كما هو الحال في الدول الغربية …. ولكن هيهات، حركة مجتمع السلم أفسدت خطتهم بالمحافظة على وجودها وقوتها رغم الصعوبات والمكر السيء والكيد الشديد … وستعلم الأجيال بأن هذا الثبات هو من أحسن ما قدمته الحركة للجزائر.

تعليق