“.. تبقى الوضعية متوترة بشدة على مستوى ميزانية الدولة: حيث من المتوقع في الوضعية الراهنة أن تختتم سنة 2017 بصعوبات حقيقية، في حين تبدو سنة 2018 أكثر تعقيدا”. لو أخرجنا هذه الجملة من سياقها لقلنا بأن كاتبها معارض شديد للحكومة. غير أن صاحبها هو أحمد أويحيى ذاته، رئيس الوزراء الحالي. هو ذاته الذي كان يقول عكس ذلك، وهو ممن كان يتّهم من يقول هذا بأنه يُسَود صورة الجزائر ويهول الأمور. لم يكن في حقيقة الأمر أويحيى وحده الذي كان ينكر ما يقوله اليوم، كل المسؤولين في الدولة كانوا يقولون هذا وأكثر، ومعهم أزلامهم في أحزاب الموالاة، وعلى نغمهم غنّى المتزلفون والانتهازيون والطّماعون. وأنا العبد الفقير عانيت شخصيا من صدّ هؤلاء حين كنت أُحذّر مما نحن فيه قبل ثلاث سنوات ونصف وأنا رئيس حركة مجتمع السلم وقبل ذلك، كان بعض ضعاف الفكر والنفس ممن يُفترض فيهم المعارضة السياسية يلمزونني ويستهزئون بما كنت أقول. وحتى أحمد أويحيى زرته بنفسي في مقر رئاسة الجمهورية رفقة السادة جعبوب وحمدادوش وبيّنت له هذه الحقائق وأعطيتها له مكتوبة ليسلمها لرئيس الجمهورية، ولكنه لم يُسلّم بالأمر، مظهرا التجاهل متظاهرا بالتّحكم، وستبقى جلستي معه تلك، والمذكرة التي سلمتها له شاهدا تاريخيا على أننا أدّينا الذي علينا ونصحنا نصيحة مباشرة وأعطينا الحلول موثّقة، ولكن لا حياة لمن تنادي !
تطرق أويحيى للملف الاقتصادي والمالي في مقدمة البرنامج وفي القسم الثالث منه، وأعلن عن الخيار الدراماتيكي المتمثل في الإصدار النقدي منذ الصفحات الأولى معلنا بأن هذا هو الجديد، والحقيقة أن لا جديد في البرنامج غير هذا. قدم أويحيى لهذا الخيار بكثير من التخويف والتهويل لحاجة في نفس يعقوب قضاها. ومهما كانت هذه الحاجة، فإن تهويله هذا إعلان فشل تام وواضح لمنظومة السلطة السياسية الحاكمة بأكملها ابتداء من رئيس الجمهورية الذي تؤكد لنا الحكومات المتتالية بأن البلد يسير وفق برنامجه، وأن قرارات الشأن الاقتصادي هي قراراته، وأن الذين سيّروا الحكومات بمختلف مصالحها ومراتبها هم رجاله وأهل ثقته، وأنه تصرف في الدولة طيلة عهداته المتكررة كرئيس كامل كما أراد، وليس رئيسا إلا ربع كما رفض. فأول مسؤول عن هذا الفشل هو السيد عبد العزيز بوتفليقة بصفته رئيسا للجمهورية ولا شأن لنا بالحديث عن شخصه ووضعه. هذا الذي سيقوله التاريخ. ومن لم يقل ما نقول هاهنا اليوم، خوفا أو طمعا، فإنه سيكون ذليلا حين يقول التاريخ ذلك، حين تنتهي الملذات وتغيب فرص المطامح الزائفة، ومن كان هكذا لا يشهد شهادة الحق ـ وقد وصل الحال إلى ما وصل إليه ـ عليه على الأقل أن يترك السياسية ويرجع إلى الخطوط الخلفية مع عموم الناس لكي لا يكون وزره عظيما لحجم ما يعرفه من الانهيارات التي لا يعرفها عموم الناس هؤلاء. وليشهد الثقلان أنني قلت هذا الآن، والسلطة لا تزال قوية متحكمة في كل شيء، من باب الواجب والأمانة، لا بطولة ولا غرورا أو رياء، سائلا الله العافية لجميع الجزائريين ولا حافظ إلا هو سبحانه. وأكبر من يتحمل مسؤولية الفشل بعد رئيس الجمهورية هو أحمد أويحيى ذاته، لاعتبارات عدة: لتسييره حكومات عديدة، وتحمله مسؤوليات رسمية بلا توقف، ولكونه رئيس حزب موال ومصادق على كل البرامج والقرارات، ولأنه بشكل خاص من أكبر مدبري التزوير الانتخابي المانع لظهور بدائل أخرى كان يمكن أن تنجح في تسيير البلد فيُرحم الجزائريون، ولأنه كذلك من الواقفين دوما في وجه التوافق والشراكة الحقيقية لأسباب سلطوية أيديولوجية لا علاقة لها بمصلحة الوطن. قد يرد عليّ أويحيى بقوله المعتاد، والذي يقوله كل متشنج مربك معقد غير منصف: “لقد كنتم معنا”، وجوابنا إليه: أننا كنا، حين كان يجب أن نكون، ولم تكونوا معنا، أعنّا الوطن في الحكومة – بلا مزية – لمنع الخراب حين كان البلد يتهاوى. حينئذ، طيلة ثلثي عقد التسعينيات، لم تكن لا جبهة التحرير ولا الأرندي في مقدمة الكفاح الوطني من أجل السلم واستقرار الوطن. ولئن كان طول المكوث معكم ـ بعد أن التحقتم – خطأ، لمّا تحقق الاستقرار وظهرت عدم أهليتكم للشراكة، فإن مغادرتنا لكم كانت بطولية في زمن البحبوحة المالية، في فترة غروركم وقوتكم بعدما تأكد لدينا بأنكم لا تحبون النصيحة من داخل الحكومة وأنكم تريدوننا للمشهدية لا غير. إنه لا يمكن اتهامنا بالخروج بمناسبة الربيع العربي، كما يقول الأفّاكون الذين لا يعرفون حساب الزمن، فالربيع العربي كان سنة 2011 ونحن غادرنا في سنة 2012 ولا يمكن للهارب من السفينة أن يقفز منها وهي في أحسن حالها أو بعد سنة كاملة من تجنبها الخطر. وفي كل الأحوال إذا كان المقصد هو الجدال، ولا تحبون الاعتراف بالمواقف الوطنية للحركة أقول لكم: “أنا – عبد الرزاق مقري – لم أكن معكم يوما ! “، ولو أردت أن أصاحبكم لاشتغلت على ذلك منذ زمن الشيخ محفوظ رحمه الله و لقبلت العروض المتكررة التي لم تتوقف. “أنا لم أكن معكم ! ” وأنا اليوم أتحدث باسمي الشخصي ولا أحد يملك مصداقية التحدث مثلي. إن الذي يجب أن يعرفه السيد عبد العزيز بوتفليقة والسيد أحمد اويحيى بأنه ليس لدي قضية شخصية معهما، ولا مع غيرهما، وإنما هو الأسى والأسف على الوطن، والحزن الكبير على ضياع فرصة بناء وطن شامخ متطور يعيش فيه الجزائريون في رخاء دائم ويكون أحسن نموذج يُقتدى به في العالم العربي (على الأقل)، لِمَا يتمتع به هذا البلد الحبيب من إمكانيات تؤهله لذلك…. ولكن وأسفاه، وآسفاه !
إن أحمد أويحيى وهو يقدم لخياراته الدراماتيكية، يفعل ذلك لحسابات مستقبلية يُؤمّن بها مصيره هو شخصيا، كما يفعل أصحاب الخبرة الطويلة في الكيد التنظيمي والسياسي، إنه يصور لنا صورة سوداء عن الوضع لأسباب ثلاثة: ليبرر خيار التمويل غير التقليدي الفتاك، يُعظّم الشدة في أذهان الجزائريين فيجعلهم يقبلون تحت أثر الخوف أي مخرج ولو كان مغامرة عظيمة، فنكون كحال الغريق الذي يتمسك بأية قشة للنجاة، وثانيا ليحتاط للفشل المتجدد لكي يخبرنا في حالة عدم نجاح المغامرة بأن الوضع كان خطيرا وأنه إنما حاول أن ينقذ الموقف فكانت الأزمة أشد من محاولته، فتكون شدة الأزمة هي السبب وليس هو. تماما مثل ما يفعلون الآن: ” يعلقون الفشل على برميل البترول ولا يتحملون مسؤولية الفشل”، وثالثا ليتقمص دور المنقذ ويلبس ثوب البطولة إذا تحسنت الأوضاع وأُنقذ الموقف ولو كان ذلك من باب الخيال والتّمني.
وقبل الحديث عن خياره الدراماتيكي مجددا نعود للمرجعية الثالثة لبرنامجه وهو النموذج الجديد للنمو، لنقول بكل صراحة: أولا – ليس المشكل في ما نحن فيه من أزمات في البرامج التفصيلية، ولكن في الرؤية ورشاد الحكم، ليس للدولة الجزائرية رؤية، لا أحد يعرف أين تتجه الجزائر بشكل مجمل، ولا يوجد اتفاق على الصورة الذهنية المستقبلية للجزائر، وما الذي نريده، ولا أحد له الجراءة والقدرة ليوصّف الوضع الذي نحن فيه بتجرد وروّية وبصيرة لكي نضع بعد ذلك الخطط والبرامج التي تنقلنا من النقطة التي نحن فيها، إلى الحلم الجزائري الذي نريده. وحتى وإن توفرت الرؤية فإن شيئا آخر أساسيا ينقص حكامنا والمشرفين على الشأن الحكومي عموما وهو ” الثقافة” بمعنى الثقافة العامة السائدة والقيم المؤسسية والحكومية الحاكمة، كيف يمكن لنظام سياسي أن يوفق في قيادة النجاح وكلٌّ ” يغني بَغْناه”، آفات ذهنية وأخلاقية شائعة تتجاذب ذهنية المسؤول: إما رواسب الشيوعية والاشتراكية المبغضة للقطاع الخاص، أو مخلفات التسيير الإداري الممركَز المكبل للمبادرة المانع للشفافية، أو رواسب العقلية الإدارية الفرنسية الرتيبة الثقيلة المكرسة للبيروقراطية، أو سلوك الفساد الحاجز للإبداع والاتقان المنهك للتطور والنمو، أو أثار التوجهات الأيديولوجية المعادية لكل ما له علاقة بالإسلام ولو كان في ذلك خير الاقتصاد الوطني، أو قناعات رأسمالية طارئة، أو ذلك كله. ومن نتائج هذه الثقافات الراسخة المتناقصة في ذهنية المسؤول الجزائري تجد في الحزب الواحد من أحزاب الموالاة الشيوعي والاشتراكي والرأسمالي والإسلامي، لا يجتمع أكثرهم إلا على المصلحة الشخصية. ومن أغرب ما رأيت قبل شهور قليلة أن مسؤولا كبيرا في الدولة أكد لي ما أعرفه عن أصوله الشيوعية، ومثله كثير ممن عاشوا طول حياتهم على مُثل اليسار وأبعاده الأيديولوجية، على مستوى الرئاسة والحكومة والإدارة وهم اليوم يحرصون على قيادة اقتصادنا ضمن منظومة ليبيرالية رأسمالية متوحشة، ولم يحافظوا من رصيدهم التاريخي إلا على معاداة التوجهات الإسلامية.
إن التطور يتطلب الانسجام في الرؤية وفي ثقافة المؤسسة وفي فهم وقيادة البرامج والمخططات، ولا يتحقق هذا إلا بثورة ذهنية وسلوكية كبيرة، تقودها الديمقراطية، التي وحدها ما ينشئ أحزابا قادتُها ومناضلوها منسجمون في مقاربات التنمية، تتنافس وتتداول على السلطة وفق ما تحققه برامجها ونظرياتها التنموية لصالح الشعب وللبلاد. وأؤكد دون قسم لو كان رجوع هؤلاء الحكام المتناقضين فكريا للنظريات التنموية الإسلامية هو ما يثبتهم في الحكم لصاروا يمجدونها ويعلون شأنها. لقد رأينا ذلك في أويحيى نفسه الذي أجاب جوابا سيئا ومغرضا لا يُنسى حين اقترح عليه أحد وزراء حركة مجتمع السلم في زمن مضى اعتماد الصيرفة الإسلامية كمنتج اقتصادي مالي ينفع البلد، حيث كان رده: ” نحن أخرجنا الدولة الإسلامية من الباب وتريدون إرجاعها من النافذة”، وها هو اليوم يقبل إدخال هذا الخيار حين رأى الإفلاس مقبلٌ، فلربما السوق المالية الإسلامية تجلب شيئا من رؤوس الأموال وتعطيه ومن عيّنه نفسا يخفف شيئا من الضيق الذي هم فيه.
وإذا أضفنا لهذه الأبعاد الثقافية المكبلة للاقتصاد، غياب رشاد الحكم مثلما أشرنا إليه في المقال السابق، ماذا ينفع أن تكون عندنا أحسن البرامج والمخططات؟ كنت ذات يوم أدرس في المعهد الوطني للإنتاجية والتنمية الصناعية ببومرداس لأخذ شهادة ما بعد التدرج في علوم التسيير، فاحتجت لمراجع أستعملها لإنجاز بحث عن مخططات التنمية فتوجهت إلى وزارة الصناعات الصغيرة والمتوسطة فوجدت فيها كنوزا من الوثائق والبحوث والمراجع، فقلت في نفسي: ” ليس عمى البصر الذي يصيب حكامنا ولكنه عمى البصيرة”، بمعنى ليس عدم القدرة على معرفة البرامج ولا عدم وجود الخبراء والإمكانيات والوسائل ما يمنع التنمية في بلادنا، ولكن عدم وجود الحكم الراشد، أو بمعنى آخر عدم التوفيق الذي سببه الفساد وغياب الشفافية واستحالة الرقابة والمساءلة والتدافع الحقيقي في إطار القانون.
كيف يمكن تحقيق نتائج تنموية والاقتصاد الوطني منهوب يتجه نحو خلق مافيا اخطبوطية ليس لها تأثير على القرار فحسب كما هو موجود في عديد الدول، بل مافيا هي الحكم ذاته، أي مافيا تأخذ منا العلم والنشيط الوطنيين. وفي طريق ذلك هي اليوم صاحبة نفوذ وشريكة في الحكم لا يستطيع أن يزعزعها أحد، وقد برهنت على ذلك حين اقتلعت جذور ” تبّون المغبون” لما حاول مساءلتها عن الأموال الضخمة التي أخذتها من البنوك دون تسديد ولا إمكانية التسديد، وعن العقارات والمشاريع الضخمة التي تستأثر بها دون غيرها من رجال الأعمال النزهاء الذين بنوا شركاتهم وأعمالهم بعرق الجبين عبر سنوات طويلة. وحين أقول هذا لست متأليّا على أحد بل أعرف قصص فساد كبيرة تابعتها بنفسي في زمن مضى لا يحتاج مني الأمر أن أتحدث في تفاصيلها لأن ما يعرفه الرأي العام من ملفات فساد أعظم بكثير مما تابعته بنفسي، ويكفي أن نقول بأن صناعة رجل الأعمال في الجزائر لا تقوم على منطق نشاط المؤسسة الاقتصادية والمنافسة الحرة والنزيهة، وإنما يأتون بتجار من محيطهم ومؤيديهم ومن المتزلفين الذين يحسنون قنص المسؤولين فيعطونهم قروضا بأرقام فلكية، ثم يعطونهم مشاريع ضخمة ويوجهونهم لشراء مؤسسات عمومية بالسعر الرمزي ثم يسهلون لهم الشراكات مع المؤسسات الخارجية، ثم يقولون هؤلاء رجال أعمال. أنا أعرف بعض رجال الأعمال القدماء، كان بعض رجال الأعمال المعروفين بقربهم من السلطة من يعتبر نفسه حقق إنجازا كبيرا حين يجلس معهم، هم اليوم رجال أعمال عاديون لأنهم لم ينخرطوا في الشبكات الممتدة إلى ” مول السطح”، وأولئك الأغنياء الكبار الجدد أصبحت لهم امبراطوريات مالية لا يستطيع أن يحاسبهم رئيس وزراء. وأؤكد مرة أخرى بأنه لا مشكلة شخصية لنا مع هؤلاء الأباطرة ولكننا نناضل من أجل الشفافية والمساءلة وعدالة المنافسة التي وحدها تُعتبر نموذجا اقتصاديا جديدا.
أما عن النموذج الجديد للنمو، فإن الخبراء الذين أعدّوه لسلال وتصرف فيه أويحيى هم أنفسهم غير راضين عن توجهات الحكومة وبعضهم كان صارما في إظهار معارضته للتمويل غير التقليدي. وهو نموذج لا يختلف كثيرا في طموحاته عن مخططات التنمية التي قيل بأنها برنامج رئيس الجمهورية وانتهت بطبع الأوراق النقدية كما يفعل المزور المفلس. إنما هي أسماء تتغير ضمن بيئة واحدة غير مؤهلة للنجاح، وسنتحدث عن الجانب التنموي في البرنامج في المقال المقبل.
…. يتبع …..
المقال الأول: أويحي وبرنامج الحكومة (1)
https://goo.gl/SHdckL
المقال الثاني: أويحي وبرنامج الحكومة (2)
https://goo.gl/QVN2YY

تعليق