الهجرة النبوية هي الحادثة التي غيرت التاريخ، هي اللحظة التي انتقل فيها المسلمون من مرحلة الصحوة إلى مرحلة النهضة، من مرحلة ترسخ فيها الإيمان في نفوس أتباع محمد عليه الصلاة والسلام فأصبح غير قابل للاستئصال مهما كان ظلم الكافرين وكيدهم ومكرهم، مهما كانت إغراءاتهم، ومهما كان اضطهادهم، ومهما كانت أحلافهم، مرحلة وجد فيها الإسلام مجتمعا مرحبا في يثرب، خالصا في مجمله للفكرة، فآن الأوان لبناء الدولة لتتحول الفكرة من صحوة إلى نهضة، من أحلام وآمال ونظريات إلى مشاريع ومؤسسات اقتصادية وثقافية واجتماعية.
كانت الهجرة هي إعلان بناء الدولة الإسلامية بعد أن توفرت لها الكتلة الحرجة من المؤمنين التي هجرت في داخل نفوسها من الشرك إلى الإيمان، ومن عبادة الذات وملذاتها إلى عبادة الله الواحد الأحد، من هجرة التوتر و الخوف من الغيب إلى السكينة و المتعة بالغيب، من الشعوذة وتسطيح العقول إلى إعمال الفكر والتأمل في الملكوت. كانت الهجرة هي الإيذان باكتمال بناء تلك الكتلة البشرية المهاجرة في داخلها، بالقدر الكافي كما ونوعا، لتهاجر في المكان وتطلق الهجرة  عبر الزمن  لتقود الفكرة الإسلامية الدول، تهاجر من دولة إلى دولة، كل دول تحقق نصيبها من نهضة المسلمين، إلى أن تراكم الأداء فتحول إلى حضارة إسلامية عالمية، أساسها الفكرة ومنتجها كرامة الإنسان وحريته، و ازدهار البشر وتطور علومهم وارتقاء حالهم، يساهم ويعتز بالانتماء لها كل من فيها،  مسلم وغير مسلم.
وحين ضعفت الفكرة في النفوس، بدأت هجرتها المعاكسة، فكان السقوط الحضاري هو الأول، وبقيت الفكرة تقاوم في الدولة إلى أن سقطت الدولة نهائيا وحل محلها الاحتلال، ثم توارت الفكرة في المجتمع وضعفت في النفوس فعم الجهل والغفلة في الناس والاستلاب في النخب. وها هي الفكرة تعود من جديد، تبحث عن يثرب الجديدة لتهاجر إليها، بعد أن حققت صحوتها في المجتمع، وهي لا محالة مدركة بغيتها رغم الصعاب الشداد. ستستقر الفكرة في الدولة وسيضمن طول مكوثها فيها رأي عام متعلق بها.  ستتداول الفكرة المهاجرة بالرأي العام على الأحزاب، وتتداول الأحزاب على الدول، تصنع كل دولة نهضتها، ومع مرور الزمن ستنبعث الحضارة الإسلامية من جديد فتمكث ما شاء الله لها أن تمكث، وقد تكون هجرة معاكسة أخرى، ثم هجرة جديدة نحو الفكرة، كما يشاء الله، وأينما شاء الله، ووقت ما شاء الله، وفق سنة التداول، إلى أن ينتهي كل شيء عند قيام الساعة.

سنة هجرية مباركة أعادها الله علينا وعلى وطننا وأمتنا باليمن والإيمان والخير والإنعام.

تعليق