بقلم: د. علي حلواجي

عرفنا في الجزء الأول من الموضوع أن للحركة جهاز مناعة جعلها تتماثل للشفاء من الانقسام وسنعرف في هذا الجزء ما ينشط هذا الجهاز ليكتمل الشفاء بإذن الله.

إن ما أنجز في مشروع الوحدة إلى المؤتمر الاستثنائي إنجاز عظيم في تاريخ النفوس و التنظيمات ولكنه- كما ورد في الجزء الأول من الموضوع –  مازال يحتاج إلى إنجاز آخر مأمول و أعظم يصدُق فيه معنى ذلك القول المشهور (وليس حديثا صحيحًا) : ” خرجنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ” فبعد إنجاز التنظير و التوثيق و التنظيم يأتي إنجاز النفوس و الميدان العملي الذي يُنسى به الماضي وتُمحى فيه الفوارق ويُحقق فيه الاندماج الفعلي حتى يصير ” لا يعرف من كان هنا ممن كان هناك ” (وهو المعيار الذي حدَده الدكتور مقري).

ومع عظم هذه الغاية فإنها ستكون سهلة ويسيرة لسبب بسيط وهو أن الله جل شأنه مُعين عليها بصريح قوله تعالى : «إن يريدا إصلاحًا يوفق الله بينهما » (النساء35).

ومن منطلق الفهم الصحيح للتوكل فإن العون الرباني يقتضي أسبابا يقوم بها المعنيون تستغرق الزمن والعمل بين الإنجازين المحقق والمأمول لاستكمال الوحدة وإلا فإنها – لا قدر الله – ستجهض أو تأتي مشوهة , ولهذا الاستكمال دواع و ضمانات سنحاول عرضها لاحقا وتتخللها بعض المقترحات والباب مفتوح للاجتهاد فيها و الإضافة عليها.

أولًا: الـــدواعي:

والمقصود بالدواعي المسائل التي تجعل استكمال الوحدة أمرًا ضروريا , والتي إذا فقهها المعنيون و تغلغلت في نفوسهم دفعتهم للعمل الجاد نحو الهدف كعمل من يحس بخطر يدهمه يريد الخلاص منه , وهي على مستويين: مستوى القيم المجردة ومستوى الواقع العملي.

  • المستوى القيمي :

الوحدة في ذاتها قيمة “طبيعية ” سامية وتدعمها قيم أخرى من جنسها ومن متطلباتها. وفضائل الوحدة شائعة يعرفها الخاص والعام لدرجة أن عامة الناس يفرحون بمن ينادي بها ويبغضون من يعارضها , ” فليعلم من ينتقدها ويعرقل الساعين إليها أنه منبوذ من أقل الناس مستوى في المجتمع فكيف بمن هم أرفع قدرًا وعقلا ودنيا وعلمًا..!!

ومع شيوع فضائل الوحدة – وخاصة ولدى المعنيين بالموضوع – فإن التذكير بشيء منها مفيد, ومن ذلك :

– قوله تعالى:«واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا..»(آل عمران103).

– وقوله: «و لا تنازعوا فتفشلوا  وتذهب ريحكم.»(الأنفال46.)

– وتقول الحكمة المعروفة : “الاتحاد قوة”، وعليها بنى ذلك الحكيم نصيحته العملية المشهورة لأبنائه حين جمعهم وأعطى لكل منهم عودًا وقاله له أكسره فأكسره بسهولة , ثم أعطاهم أعوادًا مجموعة فما استطاع أحد أن يكسرها . وفي المعنى ذاته قال الشاعر :

تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرا .. وإذا افترقن تكسرت أحادا

ومن القيم الأخرى التي تدعم الوحدة وتدعو إليها ” الأخوة الإسلامية ” التي لا يمكن أن تتم الوحدة  بدونها, والأخوة ملازمة للإيمان لقوله تعالى:«إنما المؤمنون إخوة» (الحجرات10).

ولذلك قال العلماء «لا إيمان دون أخوة ولا أخوة دون إيمان» وقال البنا(رحمه الله)«والأخوّة أخوّة الإيمان والتفرق أخو الكفر» واعتبرها ركنا من أركان دعوته لأن القوة الحقيقية لا تكون بدونها وقال فيها :«أن أول درجة من درجات القوة قوة العقيدة والإيمان , ويلي ذلك قوة الوحدة والترابط , ثم بعدهما قوة الساعد و السلاح»(رسالة المؤتمر الخامس).

ومن دواعي الوحدة كذلك قيم و أخلاق أخرى كثيرة لدرجة أنه يمكن القول بأن معظم الأخلاق الفاضلة وخاصة الجماعية منها تدخل في هذا الإطار , والمتأمل يجد أنه  ” ما يهدم الوحدة إلا سوء الخلق وما يبنيها إلا حسن الخلق”, ولكننا نخص بالذكر هنا :التسامح, والتغافل والتغاضي والوفاء وعدم نسيان الفضل وحب العمل والجدية في تحقيق الأهداف ..الخ  فمن أراد أن يظفر بفضائل وثواب كل هذه القيم فإنه يجدها مجتمعة في استكمال الوحدة فليسع إليها حثيثًا.

  • المستوى الواقعي :

أما الواقع العملي فإن دواعيه تتلخص في ثلاث ملحة على استكمال الوحدة واستعجالها :

  • مشروع الوحدة صار أمرًا واقعًا لابد من استكماله وهو لا يقبل التأجيل , فلا يليق بعاقل أن يهدم ما شرع في بنائه ؛ ولا شك أن هذا المشروع قد ترتبت عليه قضايا لا يمكن التراجع عنها , مثل حل هيئة قائمة وتشكيل هياكل جديدة وما تبع ذلك من إجراءات على عدة مستويات.. فكل تقاعس وتراجع عن ذلك يُدخل المعنيين – لا قدر الله – في الوصف القرآني البشع «كالتي نقضت غزلها..» ونربأ بأنفسنا عن ذلك .
  • تكالب الأعداء وتشويش المناوئين تشجعنا على المضيء قدمًا لأن فشلنا سيكون خدمة لأهدافهم التي ما برحوا يعملون لها ليل نهار .. فمن الغباء والخبَل أن ننخرط في تحقيق أهداف ضد ذواتنا ونشفّي فينا أعداءنا وخصومنا ..!! .
  • التجربة علمتنا أن الفرقة ما زادتنا إلاَ ضعفا وأنه لا قيمة للضعيف في الميدان, وما جعلنا نراجع أنفسنا ونعود إلى بعضنا إلاَ هذا الدرس رغم ما في العودة من صعوبات و آلام (نفسية على الأقل) , فهل نعي الدرس ونستفيد منه أم نهمله ونكون تلاميذ … !!.

 

ثانيا:الضمانات : والمقصود بها كل ما ينبغي أن يكون من أجل أن نضمن تحقيق استكمال الوحدة بنجاح, سواء على المستوى الفردي أم الجماعي , وذلك ينقسم أيضًا إلى قسمين وهما : المستوى الذهني والنفسي والمستوى الإجرائي .

  • على مستوى الذهنيات والنفوس: مما ينبغي أن تستوعبه الأذهان وتتحمله النفوس استكمالا للوحدة ما يلي :
  • علينا أن ننسى ما حدث في الماضي بين الطرفين المتوحديْن نسيانا حقيقيا وذلك بالتحلي بخلق العفو والصفح امتثالا لقوله تعالى :« وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم و الله غفور رحيم»(النور22) ويعيننا عليه تذكر الفضل بيننا لقوله تعالى : «وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير» (البقرة 237) كما يعيننا على ذلك أيضًا استحضار نبل الغاية وسمو الهدف مما يُستخلص من مختلف الدواعي السابقة .
  • وعلينا أن نعترف جميعًا بأن كل طرف من الطرفين المتوحديْن قد قدَم تنازلات معتبرة وبغض النظر عن تفاوت القيمة بين هذا التنازل أو ذاك فلابد أن يقدّر موقف صاحب كل تنازل ويراعي ما بذله فيه .
  • وعلينا أن نتذكر بأن الأصل فينا حركة واحدة ولم يفرق بيننا شيء يذكر على مستوى الفكر والمنهج حتى تصعب المراجعة ورأب الصدع .
  • وأن نعتبر أن ما حدث بين الطرفين أمر طبيعي بين البشر وقد حدث مثله وأكثر منه حتى بين الصحابة عليهم الرضوان , ونحمد الله أنه لم يحدث بيننا أكثر من تنافر النفوس ووساوس الشيطان , ولنا في تهوين يوسف عليه السلام لكل ما فعله به إخوته عبرة، إذ قال :«… من بعد أن نزع الشيطان بيني وبين إخوتي» (يوسف100) فكل ذلك اعتبره مجرد نزغ من الشيطان فقط !!
  • وعلينا أن نستحضر ما تعانيه الأمة من تمزق ومحن وآلام, فإذا كنا بالفعل عضوًا في جسدها فسننسى خلافاتنا , إذ لا نظن أن الأسرة المتخاصمة تفكر في خلافاتها وما جرى بين أفرادها حين تنزل بها البلايا !!.
  • ولا يمكن أن يحصل شيء مما ذكرنا دون “نكران الذات ومجاهدة النفس و التغلب على هواها” الأمر الذي يسهّله بإذن الله استشعار الأجر و الثواب عند الله سبحانه وتعالى, فذلك هو المحرك الأساسي إذا كان في القلب إسلام وإيمان !!

قال تعالى :«وأما من خاف مقام ربَه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى» (النازعات41)

ب – على مستوى الإجراءات : أما فيما يتعلق بالإجراءات التنظيمية والتربوية الضامنة فنقترح القيام بما يلي:

  • الحرص على استكمال الهياكل القاعدية وفق الوضع الجديد , و التأطير التربوي للجميع مع مراعاة الدمج , بين الأفراد من الطرفين, الذي يحقق الاحتكاك الإيجابي والتآلف.
  • إعداد برنامج تربوي خاص بالمرحلة يهدف إلى ترسيخ المعاني المحققة للغرض (كالتي ذكرت في المقال).
  • التأكيد على تأطير من كانوا متوقفين (حركيا) ومن دعت الحاجة التنظيمية لضمهم و التركيز عليهم تربويا وتوجيهيا حتى لا يؤتي المشروع من قبل بعض تصرفاتهم.
  • الحث على التزاور والتهادي بين الطرفين المتوحديْن عملا بقول النبي (صلى الله عليه وسلم) «تهادوا تحابوا» وذلك على مستوى الأفراد والعائلات و الأسر التربوية والبلديات والولايات (وخاصة بين القيادات).
  • طرح هذا الموضوع (استكمال الوحدة) للدراسة على المستويين المركزي و القاعدي لاستيعابه أولًا ثم لتوسيع المشورة وجمع أكبر عدد من الاقتراحات و الآليات النافعة فيه.
  • البحث والاستفادة من التجارب الشبيهة السابقة إيجابا وسلبًا(على مستوى التاريخ والجغرافيا).
  • الحذر من الاختراقات المغرضة و التفكير الجاد في أخذ الاحتياطات اللازمة (الأمنية والقانونية والسياسية و الاجتماعية) وسد الباب أمام المناوئين والخصوم دون إفساد المشروع.
  • تشكيل خلية خاصة (أو تكليف أمانة معينة) لمتابعة ملف ” استكمال الوحدة ” .
  • وضع لائحة تحدد مهام الخلية (المذكورة أعلاه) والخطوات العملية لاستكمال الوحدة , كما تحدد إجراءات انضباطية ضد التصرفات المضادة .
  • الدعاء (ولما لا حتى القنوت؟ !!) لتحقيق هذا الهدف كاملاً والالتزام بذلك خاصة من القيادات, ولنا في دعاء الرابطة نموذج مألوف .

هذه وصفة أحسب أن تنفيذها هو مبتغى كل الصادقين والغيورين على الحركة و أنها إذا طبقت بنية خالصة ودون خلفيات و أغراض فإنها ستنشط جهاز المناعة الذي أنعم الله به على هذه الحركة ويتحقق بذلك الهدف المنشود ” استكمال الوحدة “.

                                                                                   والله ولي التوفيق

الجزء الأول من المقال عبر (الرابط)

تعليق