إن الإنسان هو أساس التنمية ومنطلقها وهدفها وأداتها وشرطها. والإنسان السوي هو الذي ينمو باستمرار، وأي توقف لنموه البيولوجي والعقلي والروحي والاجتماعي هو الاتجاه نحو التقهقر الإنساني وعدم القدرة على الحياة دون رعاية مباشرة قد تصل إلى حد التبعية الكاملة ثم الفناء التام معنويا وماديا، كما أن المجتمع السوي هو الذي لا يتوقف عن النمو في مختلف مجالاته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفنية والعلمية والسياسية، وأي تخلف أو تقهقر لهذا النمو يجعل المجتمع متخلفا يتجه نحو البدائية والانغلاق على الذات أو التبعية للمجتمعات الأكثر تطورا بما يفقده بهجة الحياة والقدرة على الإنتاج والمساهمة في الحضارة البشرية، ومن نتائج فقدان النمو عدم القدرة على مواجهة مطالب الحياة ومشاكلها وتناقضاتها مما يؤدي إلى حالة بؤس معممة، وصراع بدائي على الفرص القليلة المتاحة فيفشو الاستغلال والاستعباد والجرائم والحروب. ومن شرائط النمو على مستوى الفرد تنظيم العلاقات وحسن إدارة الموارد وشرط ذلك توفر عقد اجتماعي يحمي المشترك ويضمن الحقوق ويحدد المهام والواجبات.إن أعلى درجات التنظيم تمثله الدولة التي يتنازل لها الأفراد عن جزء من حريتهم ويقبلون الإذعان لها وتنفيذ قوانينها مقابل تنفيذ العقد الاجتماعي المتفق عليه. ودون الدولة هناك مستويات وأشكال تنظيمية كثيرة يتجه إليها الأفراد على مستوى الأسرة المجتمع لتحقيق احتياجاتهم وترقية تطلعاتهم، وهو ما يسمى بالمجتمع المدني،  فإذا تحقق هذا نزلت السكينة في المجتمع وارتفعت معنويات الأفراد وارتفعت اهتماماتهم من الاحتياجات الفسيولوجية الأولوية إلى الطموح للارتقاء البشري فتظهر الحاجة للتعلم والتكوين وكسب المهارات فتتفتق القدرات الهائلة للنوع البشري فيحرص على الارتقاء في مختلف العلوم للسيطرة على محيطه من خلال فهم هذا المحيط والبحث في خصوصياته وقواعده ونظرياته.

إن هذه المقدمة البسيطة هي ملخص الفلسفات البشرية وما توصلت إليه الدراسات الاجتماعية عند العديد من العلماء حسب ثقافاتهم من ابن خلدون إلى هوبس وكانت وجون لوك وجون جاك روسو ومالك بن نبي وغيرهم. وإذا أردنا أن نقيس توجهات بناء المجتمع والتنمية البشرية في برامج وتصرفات الحكومات الجزائرية فإننا لا نرى لها توجها واضحا، بل نرى فيها كثيرا من التناقضات من مرحلة إلى مرحلة ومن مسؤول إلى مسؤول آخر، يجمع بينها خيط واحد وهو السلطة وحب البقاء فيها.

قبل أن نتعمق في الحديث عن خلفيات المؤامرة على المنظومة التربوية في مقال لاحق نكتفي هنا ببعض الملاحظات المتعلقة بالمواضيع الذي تطرق إليها برنامج الحكومة في قسمه الرابع تحت عنوان تعزيز التنمية البشرية وتوسيعها، مثل مواضيع التكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي وما سمي بالإطار المعيشي والسكن والماء والطاقة والصحة، والضمان الاجتماعي والتقاعد والتنظيم العائلي والمجاهدين وسوق العمل والدعم الاجتماعي والتضامن الوطني والمرأة والشباب والرياضة.

إن الذي يجب أن نفهمه، حتى لا نتيه في الوعود البراقة التي يعرضها البرنامج، هو أن كل هذه الملفات مرتبطة بالحكم الراشد أولا وقبل كل شيء، والحكم الراشد ثقافة قبل أن يكون إجراءات وهياكل وبنايات وتنظيمات وقوانين، فلا جامعات تخرج لنا علماء وعباقرة ومنتجين للأفكار وللثروة، ولا حرفيين ولا مقاولين يساهمون في تطوير الخدمات وتحقيق النمو، ولا يمكن توفير الاكتفاء في السكن مهما بذلت من مجهودات، ولا قدرة على معالجة ندرة الماء بما يضمن احتياجات السكان حاضرا ومستقبلا، ولا مجال لترشيد الطاقة وتجاوز تراجع الإنتاج وانهيار الأسعار وتغطية الإقليم بشكل متواصل ودائم، و لا أمل في الاستمرار في التغطية الصحية المجانية وتطوير النوعية، ولا يرجى الوصول إلى نتائج في الرياضة مناسِبة و مرضية للجمهور، ولا يُنتظر تأمين استمرار صناديق الحماية الاجتماعية والضمان الاجتماعي وميزانيات ذوي الحقوق دون تغيير ثقافة الحاكم والمسؤول على المستوى المركزي والمحلي وكل مؤسسات الدولة، ودون تعميم الالتزام بمعايير الحكم الراشد العالمية وليس كما جاءت في برنامج الحكومة. لا يتعلق الأمر بالمال وتوفر ميزانيات كبرى في المقام الأول كما تعتقد الحكومة، وما يعتقده كثير من الجزائريين الذي أنشأتهم الدولة على الاتكال على ” البايلك”. هناك دول كثيرة أقل إمكانيات منا وصلت إلى مستويات عالية في مجال تطوير التنمية البشرية وتوفير الخدمة المناسبة، وتحويل هذه الخدمات إلى ثروة وطنية وقيم مضافة لغناء الأمة. فلو يستعد أويحيى ومن فوقه ومن تحته للالتزام بالشفافية والمساءلة وتقديم الكفاءات وتوفير التكوين والتدريب على معايير الحكم الراشد والمحاسبة عليها، حتى تتحول إلى ثقافة تلقائية منتشرة من أبسط مؤسسة تعليمية على مستوى الروضة والمدرسة الابتدائية ولجنة الحي والتاجر البسيط والأسرة والمجلس المحلي إلى أعلى مستوى في رئاسة الجمهورية لأمكننا النجاح في كل هذه المجالات. غير أننا حينما نلاحظ طريقة تسيير هذه القضايا والإصرار على عدم التغيّر والتغيير ندرك بأن وعود البرنامج هي أحلام يقظة كما عودتنا كل الحكومات. فلو نضرب مثلا بالسكن لأدركنا بأن المشكل ليس مشكلا ماليا، وإنما في السياسات ونمط الإدارة وتسيير الموارد. إنه لا يوجد بلد أنفق من الأموال على السكن كالجزائر ولكنه لم ولن يحقق الاكتفاء في احتياج الإسكان. إن تسيير هذا القطاع  كان ولا يزال تسييرا شعبويا يهدف إلى شراء أعداد كبيرة من المواطنين للتأييد والولاء، ولا يستهدف أبدا حل مشكل السكن. لا يوجد في العالم حكومة تبني السكن وتوزعه بالمجان على مواطنيها. مهما بنت الدولة من سكنات لن تفي بالحاجة، لأن الطلب لا يتوقف، وذلك لأنه كلما كبرت أسرة استفادت من السكن يخرج منها أبناء يكبرون ويطلبون السكن. فلو عملت الحكومة على البناء من خلال القطاع العام وتشجيع القطاع الخاص بغرض الكراء للجميع، على أن يخصص صندوق للتكفل بثمن الكراء لمن ليس لهم دخل لتحقق الاكتفاء. لا يفكر المواطنون العاديون في الدول العادية في التملك إلا بعد سنوات طويلة من العمل بواسطة ما ادّخروه، أو عن طريق البنوك باعتبار توفرهم على التقاعد المجزي. ولو تحدثنا في مثال آخر عن التضامن كان يكفي للنظام السياسي أن يتوقف عن خوفه من المجتمع ويتركه يبني شبكاته التضامنية الحرة والمستقلة عن طريق مؤسسات المجتمع المدني وتوفير وتطوير الوظائف الاقتصادية الاجتماعية للزكوات والصدقات والأوقاف بما يحل جزء معتبرا من مشاكل الفقر والحالات الاجتماعية التي تحتاج التضامن، ولكن النظام السياسي  لا يسمح بذلك ولو في إطار القانون والشفافية والحكم الراشد لأنه لا يريد أن يكون لغيره مزية على المواطنين، بل إنه يفضل أن يهلك الجزائريون ولا يكون هناك من يتضامن معهم خارج إرادته السلطوية المصلحية. إلى درجة أنه أصبح يعتبر النمو الديمغرافي خطرا على الاقتصاد كما ذكر أويحيى في عرضه للبرنامج خلافا للمنطق الجيوستراتيجي الذي يعتبر الديموغرافية عنصرا من عناصر قوة الدول وللمنطق الاقتصادي الذي يعد عدد السكان عنصرا من عناصر الانتاج وأداة للاستهلاك الذي يدعم المؤسسات الاقتصادية.  أما عن التعليم العالي والتكوين المهني فالأموال التي أنفقت كان بإمكانها أن تنتج لنا أرقى الجامعات والمعاهد والمستشفيات ولا نكون في هذه الحالة المزرية التي لا نرى فيها جامعة واحدة من جامعاتنا في التصنيفات العالمية لجودة التعليم ولا نرى شهادة براءة معتبرة لباحث جزائري بالرغم من أن الجزائريين يبدعون ويتفوقون علميا حين يكونون خارج الوطن. وكذلك بالنسبة للصحة لو كان ثمة حكم راشد لاستطاعت الأموال الضخمة التي توجهت للصحة أن تجعلنا نموذجا لجودة الخدمات الصحية يقصدها غيرنا من الجنسيات الأخرى، ولا نرى كل يوم طوابير من الجزائريين يذهبون للعلاج في تونس، بل حتى رئيس الجمهورية ذاته يضطر للعلاج في فرنسا لأنه لم يوفر طيلة عهده المتتالية مستشفى يؤمّنه على صحته، بله صحة الجزائريين. ولو تحدثنا عن السياحة الداخلية التي هي جزء مهم من دواعي تحسين إطار المعيشة لعلمنا بأن المسألة لا تتعلق بالمال كذلك بل بالثقافة والحكم الراشد، فتونس التي يتجه إليها كل سنة مليونان من السواح الجزائريين لم يملكوا القدرات المالية التي كانت عندنا، ومحيطهم الطبيعي أقل جمالا وتنوعا بكثير من محيطنا الطبيعي.  وحسدا من نفسه يريد أويحيى أن يصعب علينا التمتع بالظروف الحسنة للاستقبال في تونس ويحرم الأشقاء التونسيين من الاستفادة من دعم إخوانهم السواح الجزائريين، ولو اتجه أويحيى للاستفادة من التوانسة في الخدمات السياسية لما اضطر لتهديدنا برسوم تعقد علينا الانتقال لتونس كما ذكر في خطابه في البرلمان.

إن الصلة بين المال والتنمية البشرية صلة وطيدة، فالمال وحده لا يكفي وليس هو الأول في الأهمية، وبكل تأكيد اشتراط الحكم الراشد يسبقه، وتوفر الحكم الراشد يستطيع أن يوفر المال من خلال أثره على تحقيق التنمية الاقتصادية.ولكن لا يتصور حقا توفير الخدمات وتحسين إطار المعيشة ورفع مستوى التأهيل دون تمويل، ولذلك حينما يتحدث البرنامج عن هذه المجالات في قسمه الرابع عليه أن يبين من أين سيتدبر الأموال لهذه الميزانيات الكبرى في ظل الانهيار الكبير للمداخيل. ستمر الجزائر بمرحلة صعبة وستتأثر الخدمات والتغطية الاجتماعية والتعليم والصحة والتضامن وغير ذلك. ولكن لو توفّر الحكم الراشد بمعاييره الدولية والرؤية الاقتصادية والسياسية المتوافق عليها لأمكن الخروج من الأزمات بعد سنوات من التضحية. غير أن النظام السياسي لا يتجه نحو ذلك ويريد أن يخادعنا لسنوات قليلة من خلال تغطية نفقات هذه المجالات بالتمويل غير التقليدي إلى أن تنفجر الأوضاع ويزول الوهم كما بيناه سابقا نسأل الله العافية.

 

… يتبع …

المقال المقبل: عن المنظومة التربوية والحرب على الهوية

تعليق