بعد المقالات الثمانية التي خصصناها لمناقشة برنامج الحكومة، نتحول ابتداء من هذا المقال إلى مناقشة قانون القرض والنقد الذي يُنتظر تعديله في البرلمان لإجازة الإصدار النقدي. لا تتعلق هذه المقالات بمناقشة هذا الخيار غير التقليدي في الاقتصاد فقد قمنا بذلك في مقال خاص به، وعبر مناقشتنا لبرنامج الحكومة، وإنما سنحاول تقديم البدائل التمويلية انطلاقا من التدابير الثمانية التي وردت في برنامج حركة مجتمع السلم والتي سنعمل على تفصيلها في ثمانية مقالات ابتداء من هذا المقال الذي يعتبر إطارا عاما نقدم فيه مقترحا بديلا جريئا.

إن الطريقة التي سار بها الاقتصاد الوطني من خلال البرامج الثلاثة ابتداء منذ سنة 2001  يوفر حالة دراسية ثرية جدا للباحثين في العلوم الاقتصادية. وهي حالة أضرت كثيرا بالنظرية الكنزية بسبب سوء تطبيقها، ويمكنها أن تكون سببا رئيسيا لدعم الاتجاه الكلاسيكي الذي يرفض تدخل الدولة مطلقا. لقد سارت الحكومات الجزائرية منذ الاستقلال وفق المذهب الاشتراكي والإدارة المركزية للاقتصاد فكانت النتيجة حالة الإفلاس الذي عرفته الجزائر في منتصف الثمانينيات والإفلاس المعمق في بداية التسعينيات، عندئذ اتجهت الدولة إلى نمط اقتصادي ليبيرالي تحت ضغط صندوق النقد الدولي وكان من آثار ذلك موجة الخوصصة والتخلص من القطاع العام وتفكيك شبكة الإنتاج الصناعي العموي الذي اتعبر مفخرة الفترة الاشتراكية من خلال ترسانة من الأوامر والقوانين المتعلقة بخوصصة المؤسسات العمومية منها قانون المالية التكميلي لسنة 1994 وأمرية 26 أوت 1995 ، ثم أمرية 20 أوت 2001 التي كانت أكثر جرأة في إمكانية إخضاع كافة المؤسسات العمومية للخوصصة. وحينما ارتفعت أسعار البترول فضل المسؤولون استنزاف احتياطي المدخرات الطاقوية وتحويلها إلى نقود بغرض تمويل الاقتصاد وفق النظرية الكنزية، ولو نجح النظام السياسي وحقق نهوضا اقتصاديا وطنيا مبنيا على العمل بدل الريع لكان إنجازه تاريخيا من الناحية العلمية ومن الناحية الحضارية، ولكانت الجزائر هي قبلة الكينزيين في العلوم الاقتصادية، لضخامة الأموال التي أنفقت والتي لا تضاهيها أي تجربة في العالم عبر التاريخ، بما فيها تجربة النهوض ب17 دولة أوربية دمرت كلية في الحرب العالمية الثانية  من خلال مخطط مارشال الذي نجح في نهضة هذه الدول بمبلغ  لم يتجاوز 200 مليار دولار بالصرف الحالي.

إن الآثار المرجوة من الإنفاق الحكومي والتي من خلالها يمكننا تقييم الأداء الحكومي الجزائري بطريقة علمية وبعيدا عن المناكفات السياسية هي على الأصعدة التالية:

1 ـ آثار الإنفاق العام على الناتج الوطني حيث تحدث النفقات العامة آثارا اقتصادية مباشرة على الإنتاج الوطني من خلال تأثيرها على تحسين ظروف السكان في مرحلة ما ورفع المستوى التعليمي للأفراد ومعالجة المشاكل الصحية والظروف الاجتماعية الصعبة مع توفير فرص عمل متصاعدة من خلال تراكم رؤوس الأموال وتوفير التكنولوجية وفرض التأهيل والتكوين والأمن مما ينشئ الرغبة في العمل والادخار والاستثمار، فتتحول عناصر الإنتاج والقوى المادية إلى إنتاج وتوالد المؤسسات الاقتصادية فيظهر ذلك في تطور العمران والإبداع في مختلف المجالات وبناء المنشآت وبروز المدن الجديدة والمجمعات السكنية الملائمة التي تحقق الاكتفاء.

2 ـ   آثار الإنفاق العام على الاستهلاك والأسعار: إذا كان الانفاق على الإنتاج إيجابيا سيؤدي حتما إلى رفع مستوى دخل المنتجين من خلال ارتفاع الأرباح والأجور، فيؤدي ذلك إلى ارتفاع مستوى الاستهلاك، وإذا كان الاستهلاك مرَشدا فإنه سيرفع من مستوى الادخار فيؤدي ذلك إلى رفع القدرات التمويلية للبنوك فتكتمل الدائرة الاقتصادية ويكون الانفاق العمومي االدافع للتنمية قد حقق هدفه. ومن أمارات ترشيد االاقتصاد أن يكون الإنفاق على الإنتاج أكثر من الإنفاق على الاستهلاك مباشرة لكي يبقى مستوى الأسعار معقولا وفق قاعدة العرض والطلب ولتجنب الركود الذي يحول الاستهلاك إلى سبب لارتفاع الأسعار. وكلما كان توزيع الدخل الوطني مجزيا وعادلا من خلال توازن معقول للأجور والفوائد التي يأخذها المنتجون تستطيع الدولة التدخل لإعادة التوزيع  للأقل دخلا من خلال التحويلات الاجتماعية المختلفة والضرورية والتي لا تمثل عندئذ عبئا كبيرا، كما تستطيع ضمان الخدمات غير القابلة للتجزئة كالدفاع والأمن والعدالة،  وكذلك توفير ضرورات التعليم والصحة.

3 ـ إن المهم الذي يجب التوقف عنده أن دراسة آثار النفقات العامة في إعادة توزيع الدخل الوطني لا تقتصر على طبيعة النفقات العامة فقط، بل تتطلب أيضا معرفة مصدر تمويلها كذلك، فإذا كان تمويلها عن طريق إيراداتها من الضرائب التي التي تفرض على أصحاب الدخول المرتفعة ومن الرسوم وأملاك الدولة فإن أثر النفقات ينصرف إلى تقليل التفاوت في الدخول بين مختلف الطبقات الاجتماعية ودون إحداث زيادة في الأسعار مع مرونة الجهاز الإنتاجي، أما إذا كان تمويلها عن طريق الضرائب التي تفرض على الطبقات المتوسطة والفقيرة أو من القروض العامة، أو الإصدار النقدي الجديد فإن أثر النفقات العامة سوف ينصرف إلى زيادة التفاوت بين الفئات الاجتماعية وإلى زيادة الأسعار وظهور التضخم.

4 ـ أثر النفقات العامة على التشغيل والطلب الفعلي: من آثار النفقات العامة أنها تشكل طلبا إضافيا على السلع والخدمات مما يؤدي إلى زيادة الطلب الفعلي والدخل الوطني من خلال دعم المؤسسات وتحريك المصانع ورواج المنتجات الفلاحية والخدمات وهذا يتأكد إذا كانت النفقات الحقيقية أو التحويلية تتوجه إلى شراء سلع وخدمات من داخل الاقتصاد الوطني،  أما إذا توجهت النفقات إلى دفع أقساط وفوائد القروض أو تسديد ثمن الواردات فهذا يشكل تسربا للدخل ولا يؤدي إلى أي زيادة في الطلب الفعلي، ويكون مجرد إنفاق لصالح الاقتصاد الأجنبي.

رغم تحويل المورد الطبيعي الآمن تحت الأرض إلى نقود متبرخة وصل مقدارها إلى 1000 مليار دولار لم يتحقق أي شيء معتبر من كل هذا، إذ لم يتجاوز النمو عتبة 4 بالمائة ولم تظهر آثار التنمية على العمران والتعليم والصحة وبناء المؤسسات وتفاؤل السكان بل نحن نعيش أزمة اقتصادية خانقة لم يصبح ينكرها أحد.  ولو تحققت هذه الأهداف لما كانت الدولة الآن في حاجة إلى الإنفاق من جديد وفق المنطق الاقتصادي العلمي، لأن النظرية الاقتصادية تقول بأن الدولة يمكنها أن تقلص من إنفاقها في فترة الرخاء بسبب زيادة الإنفاق الخاص الذي هو الثمرة المرجوة من النظريات الكنزية، وتتجه إلى أحد الخيارين المرين: الدين أو الإصدار النقدي في حالة الركود وانعدام الإنفاق الخاص.

وأمام هذا الفشل الذريع يمكننا أن نسأل: هل النظرية الكنزية هي المخطئة أم أن المشكل في النظام الجزائري؟ حينما نراجع قواعد الحكامة التي كان يجب أن تصاحب ذلك الإنفاق العمومي الضخم ندرك بأن النظام الجزائري اعتدى على المدرسة الكنزية بعدم توفير شروط نجاحها وغياب الحكم الضروري لتحقيق نتائجها فتسبب في “بهدلتها” وجعلها أقل مصداقية في مجاميع العلوم الاقتصادية. ولا يتوقع أن الجولة الجديدة من الإنفاق الحكومي الذي يتجه إليها أويحي عن طريق الإصدار النقدي ستتعظ من فداحة التجربة السابقة.

ومع علمنا بذلك فإننا من باب الشهادة والقيام بالواجب نقدم البديل الذي يمكن أن يساعد على تخطي المرحلة الصعبة المتوقعة. ويتمثل بديلنا المقترح في  المحافظة على التوجه الكنزي مع الحذر الشديد في السياسة المالية والتمويلية وضرورة توفر الحكم الراشد والظروف السياسية الديمقراطية لتحقيق النجاح وعدم استغلال الإنفاق الحكومي لتشكيل اقتصاد مافيوي لصالح مجموعات مجرمة اقتصايا تمنع البلد من النهوض وتوصله لمهاوي الردى.

إن النظرية الكنزية نظرية ملائمة للوضع الاقتصادي الجزائري منذ خروجنا من الخيار الاشتراكي، ولئن كان بروز المدرسة الكنزية هو نتيجة أزمات النظام الرأسمالي ولإنقاذ هذا الأخير  بعد الحرب العالمية الأولى وعلى إثر الكساد الكبير في نهاية العشرينيات وبداية الثلاثينيات، فإن حاجتنا إلى هذا التوجه في الجزائر مرتبطة بملاءمته للتوجهات الثقافية الجزائرية وعدم القدرة على الخروج المفاجئ من روح الاتكالية على الدولة،  ولملاءمته لعقلية صاحب القرار الجزائري الذي فشل اشتراكيا وقد يؤدي بالبلد إلى الهاوية إذا توجه للنظام الرأسمالي المتوحش بسبب عدم إيمانه بالقطاع الخاص الحر وتوجهه من احتكار الدولة إلى الاحتكارات الدولة لرجال المال الموالين والقريبين منه، علاوة على نجاعة الكنزية في تحريك الاقتصاد انطلاقا من الإنفاق العمومي إذا تم في إطار الحكم الراشد،  وتقبلها لإدخال أدوات الاقتصاد الإسلامي أكثر من النظام الرأسمالي التقليدي والنظام الاشتراكي.

وبالنظر لسياسة الإصدار النقدي التي تريد الحكومة انتهاجها بعد ملاحظة الركود الاقتصادي رغم الإنفاق العمومي الكبير فإننا نحذر من التوجه الخطير وفق ما بيناه في مقال سابق ونقترح أن تعمد الدولة إلى خلطة ثلاثية لتوفير الموارد التمويلية تمزج بين المديوينة والإصدار النقدي المحدود والمعلوم، والتقشف في ميزانية التسيير مع ترشيد صارم للإنفاق العمومي.

أما المديونية فإنها وسيلة عادية تعتمدها الدول في حالة الأزمات التمويلية أو عندما تتوفر إرادة سياسية ورؤية اقتصادية لتمويل مشاريع استثمارية ذات جدوى لحقيق التنمية ضمن معايير الحكم الراشد، فلا حرج على الدولة الراشدة أن تبحث عمن يقرضها ضمن شروط معقولة تحفظ السيادة على الأرض وعلى القرار وعلى الثروات الوطنية، وهذا أمر ممكن حينما تكون الجبهة الوطنية صلبة وتتحقق الثقة وتتوفر بيئة العمل والإنتاج والنشاط للجميع، وأما التقشف فإنه يجب أن يكون رمزيا بالدرجة الأولى يمس المسؤولين على مستوى الحكومة ومختلف مصالحها وفي البرلمان ومختلف الإدارات وتقليص التحويلات الاجتماعية لتمس المحتاجين لها فقط على أن يكون ذلك بموافقة المواطنين على إثر استفتاء أو انتخابات حرة ونزيهة وحكومة وحدة وطنية تصارح الشعب بالحقائق الآنية وتقنعه بانفتاح الأفق والخروج من الأزمة في العاجل، أما عن الإصدار النقدي فيجب أن يكون متحكما فيه وشفافا وفي آجال قصيرة جدا ويكون ذلك بإذن من البرلمان بغرفتيه في جلسة واحدة حتى يتحمل الجميع المسؤولية لأجل لا يتجاوز ستة أشهر قابل للتجديد مرة واحدة بنفس الإجراء وبتحديد لحجم النقود التي تطبع بعد دراسات وافية من الخبراء.

وأمام هذا الوضع المالي الذي تمر به الجزائر وحتى لا يتكرر الفشل ولا تهدر الأموال التي سيتم جلبها من خلال هذا الاقتراح فلا بد من أن يتجه الإنفاق العمومي للإنتاج ولا بد من اعتماد قواعد الترشيد الآتية:

  • تحديد الأهداف ووضوحها: اتسمت كل البرامج الحكومية بالعمومية وعدم دقة الأهداف وتحديدها في الزمن والمكان مما يصعب متابعتها وتصحيحها وتقييمها، مما يستدعي مراجعة شاملة لحصر الاختصاصات الرئيسة التي من أجلها تُطلب الأموال. ومن فوائد ذلك أن تحديد الأهداف يحدد طبيعة الوظائف الإدارية والحكومية من أجل تحقيق تلك الأهداف، فتكون التخصيصات الوظيفية مناسبة للأهداف وتقييم العاملين مناسبا للنتائج.
  • تحديد الأوليات: من دلائل مهارة التخطيط تحديد الأولويات وفق السياسة الاقتصادية والمالية ووفق الرؤية العامة للدولة وقد حدد برنامج حركة مجتمع السلم تفاصيل وافية في هذا. ومن العيوب الكبيرة التي تسببت في عدم فاعلية الإنفاق ميزاجية الحاكم وقراراته العفوية والتوجه نحو العملية التركيبية للميزانية. أما عن الميزاجية والعفوية فقد تجلت في الوعود والاقتطاعات التي كان يطلقها رئيس الجمهورية ثم رؤساء الحكومات في الميدان لأغراض التباهي أو لأغراض سياسية انتخابية، ومن أوضح وأبسط الأمثلة على ذلك مشروع مائة محل تجاري في كل بلدية. أما عن عن التوجه التركيبي للميزانية  فقد اطلعت بنفسي على ذلك من خلال عملية استطلاعية قمت بها مع وزيرين من كل حزب من أحزاب التحالف الرئاسي سابقا ووزيرين كانا يحسبان على الرئيس علمت من خلالها بأنه لا يوجد أي إدراك لأولوية ما محددة في الميزانية وإنما كل وزير يقدم اقتراحاته ويدافع عن قطاعه.   والمعلوم أن تحديد الأولوية يخضع لقاعدة الأهم والأسهل: أي التوجه للإنفاق على التخصصات التي لها قيم مضافة عالية جدا وتكون رافعة لغيرها أو لأن عدم معالجتها لا يسمح بالتطور الإيجابي من جهة، ومن جهة أخرى  التوجه للتخصصات التي أثبتت الدراسات و/أو التجربة بأنها قابلة للنجاح أي أنها تمثل خصوصية جزائرية تتوفر على ظروف تنافسية جيدة جدا مع ضرورة التوازن بين الأهم والأسهل. ويضاف إلى ذلك عامل الزمن حيث يفضل الاهتمام بالمشاريع التي تحقق نجاحا في فترات زمنية قصيرة.
  • المصداقية: من حيث تصميم الموازنات بما يتوافق مع الرؤية الاقتصادية والسياسة المالية ومن حيث تطابق الإنفاق مع الموازنة ومن حيث تطابق التصميم والإنفاق مع المصلحة العامة، ومن حيث العدالة بما يجعل الإنفاق العام يصيب كل الفئات والجهات وليس فئة دون أخرى أو جهة دون غيرها، وبما يقصد منه التنمية حقيقة وليس شراء أصوات المواطنين وسكوتهم. ومن حيث استقرار الإجراءات والقوانين والتدابير وثباتها وإلزاميتها للجميع وتراتبيتها بما يحقق الأمان ومعرفة الخطوة الأولى والأخيرة لكل متعامل اقتصادي.
  • الشفافية والمساءلة: الشفافية من حيث توفر الميزانية لكل الوثائق الشارحة للعمليات المالية في مختلف مراحلها أثناء التصميم وأثناء الشرح مع تسجيل كل العمليات التي تم تنفيذها خارج الموازنة، ومن حيث اتباع الإجراءات المحاسبية الواجب اتباعها في كل الأوقات والسجلات المحاسبية التي يجب الاحتفاظ بها في كل الأوقات، واعتماد العلانية في كل ذلك، وكذا وتوفير المعلومات للمواطنين وأسواق المال عن القرارات والسياسات والإجراءات شاملة وكاملة وفي وقتها.
  • المساءلة: والمساءلة تعني معرفة الواجبات وتحمل مسؤولية الفشل كما عرفها البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة: (( الطلب من المسؤولين تقديم التوضيحات اللازمة لأصحاب المصلحة حول كيفية استخدام صلاحياتهم وتعريف واجباتهم والأخذ بالانتقادات التي توجه لهم وتلبية المتطلبات المطلوبة منهم وقبول المسؤولية عن الفشل وعدم الكفاءة أو عن الخداع والغش))، ومستويات المساءلة ثلاثة أولها: المساءلة عن الامتثال بالواجبات والمهام الموكولة للمسؤول، هل يقوم بواجباته التي تحددها النصوص الدستورية والقوانينن والتكليفات أم لا وهل تسمح ظروفه السياسية والقانونية والصحية بذلك، وتكون المساءلة هنا فردية أو جماعية حسب مساحة الاشتراك في المهمة وكلما توفر للمسؤول الصلاحيات اللازمة والوسائل والإمكانيات المالية والبشرية المناسبة للمهة كانت مساءلته أكثر وجوبا، ثانيها: المساءلة عن النتائج ابتداء من  تصميم وتنفيذ الميزانية في كافة مستوياتها إلى المساءلة عن القرارات التي تتخذ في تحصيل الإرادات وفي الصرف الحكومي إلى آثار الإنفاق العام على الاقتصاد الكلي والجزئي، ثالثها: رضا المواطنين وهي مساءلة تتجاوز الأرقام وأحجام العمليات التي تأتي في تقارير المسؤولين وتغوص في مدى انتفاع المواطنين بالإنفاق العام ويعتبر رأي المواطنين جزء مهما في تقويم السياسات ، ويعتبر الحوار المباشر بينه وبين الحكومة بمختلف الأشكال القانونية وغير القانونية مجال مهم لتحديد الفجوات بغرض سدها وليس التحايل عليها. .
  • المراجعة الدائمة: وهي عملية دورية تهدف إلى قياس اقتراب الإنفاق العام من مستوياته المثلى من حيث أثره على الاقتصاد الكلي ومن حيث أثره على نوعية وحجم الخدمات التي تقدم للمواطن. ويتطلب هذا توفير قاعدة بيانات توفر الإحصائيات الخاصة بالنفقات والنتائج تقوم عليها مؤسسات شفافة وذات مصداقية ومتطابقة بينها ولها القدرة ( هي أو مؤسسات أخرى) على تحليل المعطويات وبيان مطابقة الإنفاق مع الأهداف والنتائج بالنسبة لحجم الإنفاق وتقديم التوصيات بما يمكّن من التصحيح قبل اتساع الفجوة إلى حد يؤدي للفشل.
  • المشاركة: باعتبار أن السياسة الاقتصادية عموما والسياسة المالية خصوصا هي أساس التشريعات والإجراءات المالية بغرض تحقيق أهداف التنمية الاقتصادية التي تهم كل المجتمع بمختلف أطيافه فإن نجاحها يرتبط بتوسيع قاعدة المشاركة في توجيهها ومتابعة تصميمها وتنفيذها، ولذلك يجب على الحكومة أن تهتم بإشراك المعنيين بشكل مباشر عن طريق الاستفتاءات الدستورية والاستفتاءات الخاصة بقضايا حساسة وذات أهمية ترتبط بحياة كل فرد، أو بشكل غير مباشر عن طريق الممثلين والمعبرين عن مصالح المجموعة الوطنية، وأول مؤسسة تمثيلية تعنى بمشاركة الحكومة في السياسة المالية وقوانينها وإجراءاتها هو البرلمان، ولهذا يعتبر قانون المالية السنوي هو أهم قانون يمر على البرلمان. غير أن مناقشة قانون المالية والمصادقة عليه لا يجب أن يكون أمرا شكليا يتعلق باستحقاق دستوري فحسب إذ يدخل القانون ويخرج من البرلمان كما أرادته الحكومة حتى في حالات الإخفاق الشديد المتكرر. يجب أن يعبر مناقشة قانون المالية والقوانين المهمة الأخرى المتعلقة بالسياسة الاقتصادية والسياسة المالية (السياسة النقدية، الأسعار، الأجور، سعر الفائدة، كسياسة القروض والسياسة الاتفاقية)  عن حالة شراكة حقيقية يُسمع فيها باهتمام لصوت المعارضة كما هو الحال في الدول الديمقراطية التي تُعطى فيها لجنة المالية للمعارضة، وليس اعتماد سياسة الأمر الواقع من خلال هيمنة الأغلبية حتى وإن كانت حقيقية، فكيف إذا كانت مزورة.  وإضافة إلى البرلمان فإن تعميم المشاركة تهم كذلك المجتمع المدني بمختلف اهتماماته وتخصصاته كمراكز الأبحاث والخبراء والنقابات ومنظمات الدفاع عن المستهلكين والجامعات رجال الأعمال وغير ذلك.
  • اللامركزية: من حيث وضع مخططات التنمية المحلية وتحديد تخصيصاتها المالية بواسطة الجباية المحلية والإنفاق الحكومي وفق الرؤية الاقتصادية الوطنية وعن طريق الحوار والتشاور الذي تضمنه المجالس المحلية المنتخبة. فاعتماد اللامكزية يسدد أكثر الإنفاق من جهة أن اللامركزية تساعد أكثر على معرفة الاحتياجات وآثار العملية التنموية على التوازنات الاقتصادية والمالية المحلية وآثارها على المواطن، وتساعد أكثر على الشفافية والرقابة على المداخيل والإنفاق، وتحفز أكثر على النشاط والعمل وتعطي الثقة في المستقبل بسبب الشعور بالاستفادة المباشرة من العملية التنموية.

.. يتبع …

المقال المقبل (10): عن ميزانية التجهيز ومشاريع التنمية: الإختلالات والتصحيحات.

ــــــــــــــــ

المقالات السابقة:
المقال (5): ردود على ردود.

تعليق